يكنى أبا محمد. كان ﵀ من جلة الأدباء وعلية الفصحاء الخطباء، معدودًا في الرؤساء من أهل مالقة الحسباء. مرتبته في المعارف مشهورة، وآدابه مدونة في مسطورة. وكان جليل المقدار، عالي الهمة، رفيع القدر. كتب للسيد أبي يعقوب وعن أبي محمد عبد المومن، وجملة من السادات. وكان معظمًا عندهم، مقربًا لديهم يباهون به في مجالسهم، ويشاورونه في أمورهم. وصفه أخوه أبو العباس في كتابه فقال: فقيه ماهر، وأديب خطيب شاعر، نادرة عصره، وجمال
[ ٢٢١ ]
مصره. استشرفت إلى خطبة الرائفة، وآدابه الفائقة متون المنابر، ونطقت ببراعة وجزالة خطباته ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. وكان منذ نشأ بعين الجلالة منظورًا، وفي ديوان أشغال السادة مذكورًا. تفرد بتقييد العلم وتفرغ له، وحمله عن الرجال الجلة الكملة، وطار ذكره في الآفاق ورأى في دنياه (ما) أمله. وكان مع هذه المفاخر شاعرًا مطبوعًا.
ومن شعره ﵀ يمدح أمير المؤمنين عبد المومن بن علي: [كامل]
طاوع فطوع يمينك المقدور واسلم فأنت الناصر المنصور
واضرب بسيفك حيث شئت من العدى إن القضاء حسابك المسطور
وردت لكم بشرى النبي فصرحت أعجاز تصديق به وصدور
ومنها:
وأعدتم الدين الحنيف لبدءه فكأن خيركم له تصدير
سائل عن الأعراب معرفة الظبا يخبرك منها شاهد وخبير
ومنها:
جلبوا الجياد الجرد كي تحميهم فغدت بهم للحين وهي قبور
أهديتم سمر الرماح رسالة وأتاهم بالمرهفات نذير
فكأن هامهم غمود للظبا عند اللقاء وللسهام ضبير
ومنها:
كانوا بجنة طاعةٍ فغدت لهم من محرز التضييع وهي سعير
عاطاهم حبل الغرور فأصبحوا صرعى وسلك نظامهم منثور
وغدا وخطار القناة لهامه جسم وناشرة السنان سرير
فمقامه يذكي تباريح العدى وعنانه لمسيئهم تحذير
[ ٢٢٢ ]
وكأنه فوق العوالي خاطب يومي لمصرعه بها ويشير
ومنها:
وكأنه مسعودًا على ضد اسمه وضباره في قده مجبور
من لا تدانيه النجوم جلالة من لا يحيط بوصفه التعبير
من لا توازيه الجبال سكينة أضحى شبام دونها وثبير
ملك عليه مسحة لمليكه يرتد عنها الطرف وهو حسير
وإذا أدار بكفه سمر القنا هشت إليه من العداة نحور
هو حجة الله التي ببيانها نطق الكتاب وأنبأ التفسير
فاهنأ أمير المؤمنين فإنما أيدي القضاء بما تشاء تدور
وكتب ﵀ إلى أبي جعفر بن ملحان مشرف مالقة على لسان أبي الحجاج بن مطرف، يذكر أب بينه ذمامًا، وكان قد ضيق عليه في ماله، فاستعطفه له عندما سأله أبو الحجاج ذلك، فكتب له على الفور، وهو هذا: [بسيط]
لو كنت أعلم فوق الشكر منزلة أعلى من الشكر عند الله في الثمن
إذن منحتكها مني مهذبة حذوًا على حذو ما أوليت من منن
أنا أدام الله أمركم، وأضفى على كافتنا ستركم، أعتد بكم اعتداد الرمح بالنصل، وأعتمد بشرف خلالكم اعتماد الفرع بالأصل. فإن درت من روضي كمامة، جادتها من سمائكم غمامة، فسحبت عليها معاطف الذيول، ونبهت جفنها من سنة الذبون، أو عاص أخلاب البوارق، وأخياف الطوارق، ولوى بزخره الناهل؛ أشرقت لي أنوار هداتكم، وأقمار علاكم، (فأضاءت لي) أعلام المجاهل. ولما نفح نسيم اعتلاكم، وسنح لبرق إجمالكم من إسفار الآمال، وإيثار الاقتبال، ومطاوعة التهمهم والاهتبال، (واحتاج إليكم في) الطب، (لتكونوا) ملاذا وثقة
[ ٢٢٣ ]
يغير بكم على عقد الكرب؛ قصد محلكم الكريم عمر الله بالمسرات أكنافه، وعم بالمبرات والبركات أسماعه وأخلافه، يجيل في منزلكم فاتر قداحة، ويعيد عند علاكم واري اقتداحه، ويخيم بالاستخبار مبادئ افتتاحه. وماذا أقول ونور جلالكم عرض فحمت، وبرق إجمالكم أو مض فشمت، واستثار حالي فيما يقرب آمالي، بحسب ما تحققنه من طولكم، وعلمته والذي يستمسك معظمكم بأسبابه، ويستمنح الوفر من بابه، ضويعة بذكوان رشا رزقها بعيد، ووعدها وعيد، وعمرتها من جهلة البادية الذين يعيثون في الأموال عيث السباع، ويعادون ضيفها بمباينة الطباع. ومتى لم يكن لنا عليهم في الكرامة شفوف، ومن بر الولاة رأي معروف، تحامونا كما يتحامى الأجرب، ونبذونا نبذ النواة فلا تدانى ولا تقرب. ومن جملتها هذان الحجران اللذان ضربت عليهما العطلة رواقًا، وعقدت بينهما وبين الكساد حلفًا واتفاقًا، فلا يرجوان إنفاقًا، ولا يعدمان خيبة وإخفاقًا. وكأنما بث الدهر عليهما رقيبًا، وابتغى قابض الخراج على نازلتهما تعقيبًا. فإن سلك بينهما وجار، وألم بساحتيهما جار، نظر المكاس بفرط الإضاعة، ومزجي البضاعة، إلى طالع تلك الساعة وقال لي السمع والطاعة، الآن طرق الاستعمال، وانثالت الأموال، وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس بفرط الإضاعة، ومزجي البضاعة، إلى طالع تلك الساعة، وقال لي السمع والطاعة، الآن طرق الاستعمال، وانثالت الأموال، وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس: ما أحال جيش الفقر ما وقد، وانقطع الورد الذي يغشى أمله ورقد، عاد آفل عمره إلى الطلوع، واشتمل بثوب الاستكانة والخضوع، وأنشد: "فضح التطبع شيمة المطبوع". ومع وضعي هذه الأمور في غاية العرفان، وتغييضي منهم على قذى الأجفان، أحمل جوارهم على حيف، وأمنح من مواصلة إفادتهم بمسرى طيف، وأعدهم لطارقٍ وضيف. وهذه
[ ٢٢٤ ]
الرحى التي رفعت إلى طولكم منارها، وشببت على علم نارهم، هي لرجل من إخواني، وخواص زماني. وقد جعل الله (على) أياديكم زمام صلاحها، ومطالع صباحها. فإن عاقتها موانع الأقدار، وتعذر -وحاشاكم- أمركم بتوقيف فلكها المدار، غرب من أفق الأمل ما طلع، وانحط عند أهل الجهة ما أعلاه إجمالكم من قدر الجلة ورفع، وإن قصرت على أخي مثواها، ونالت النفوس من لمحات علائكم ونفحات اعتلائكم هواها، وانفسح فيما منح بطولكم المجال، وأروت من بركم السجال، منحتم الفضل جسيمًا، وزدتم أنفسكم الحسنى تتميمًا، وواصلتم صباحًا منها على العهد الأحسن مقيمًا، إن شاء الله، والسلام. ومن شعره ﵀ يرثي ابنه لأبي الحكم بن حسون: [كامل]
سلم (أخي) لوقيعة الأرزاء والبس لمرزئها جميل عزاء
واركض جيادك فالمجرة مسلك ومعاشر لك أنجم الجوزاء
وارفع لواءك فالثريا جنة ومن السماك أحبه للقاء
ولك الإمارة يستدل بسعدها ولك المنى في مطالع السعداء
ولك المعالي تستدري حوافلًا ما حالفت لمواهب النعماء
ولك العوالي الخاضبات عواملًا في صدر كل عجاجةٍ تيهاء
ولك السيوف المشرفية دأبها في الحرب ضرب جماجم الأعداء
وأرى عيانًا في العزاء تأسيًا بأئمةٍ للهدي والخلفاء
متهاديًا ما بين طرفٍ خاشع من رحمةٍ تبدي وبين دعاء
فهمت تسعر وجنة، مطرودة عن عبرة وكآبة حمراء
تهمي فتغرق صفحة في لمحة وجدًا، وتغرق مقلة في الماء
[ ٢٢٥ ]
يهفو إذا اهتزت أراكة أيكةٍ خفاقة حنيف على ورقاء
فيطل يسجع ناديًا فتخًا، له نوح الحمام ورنة المكاء
واها لدوح معالم هصر الردى منه المعاطف فانثنى لسماء
ولوى بزهرة عزةٍ قد حليت لباتها بقلائد الأسداء
أودت فأسلمها إلى دار البلى من كان يسندها إلى الأحشاء
لم تغن عنها الخافقات ولا الظبا وفخار كل طمرة جرداء
يا فادح الغلب الذي فل الحيا ورمى حصاة القلب بالأرداء
أنى طرقت مها الملوك ولم تتر وسلبت در الكأس لليسراء
وطلعت في إبان أروع ماجدٍ يجلو الخطوب بغرة غراء
(فترى جموع) المعتفين ببابه يسعون بين غمامةٍ وطفاء
متقسم ما بين روضٍ ناعمٍ يندى وبين غمامةٍ وطفاء
أرجت بذكراه النوادي فانتشت أنفاسها عن روضةٍ غناء
طلق الجبين إذا تجهم حادث سفرت مطالعه عن السراء
وعلاه، لولا بارق من أفقه شمنا سناه بمظلم الأرزاء
ما لاح وجه الصبر أسوة منقدٍ فيها ولا عزى بحسن عزاء
فسقى ثراها من سلالة ماجدٍ وذق يجود بديمةٍ وطفاء
وغمامةٍ مسح الصبا أعطافها تستضحك الأنواء للأنواء
ولما وردت هذه القصيدة على ابن حسون وقعت منه موقعًا عظيمًا، فوقع للفقيه أبي محمد المذكور: وصل لله (درك) رثاؤك الأثير الخطير الذي يروق سناه، ويرق لفظه ومعناه. ولسنا نشك في صفاء ودك، وإبراز ندك، إذ نحن على مثل ذلك مودة وحبًا، وأكثر
[ ٢٢٦ ]
منه دفعًا عن الكريم ودبًا. والله يمتع بمكانك، ويبقيك واسطة في جيد زمانك، بمنه وفضله، والسلام مني ورحمة الله وبركاته.
وشعره ﵀، وكتبه ومكانه من العلم بحيث لا يخفى، فلا معنى للإطالة فيه.
ذكر أخوه أصبغ وفاته فقال: وتوفي أبو محمد رحمة الله عليه وغفرانه، وروحه وريحانه، وهلال سماء الفتوة وقاد، وصباح اقتباله صقيل الصفحات والأبراد، في ليلة الثالث من رجب الفرد (عام) اثنين وستين وخمسمائة.
ومنهم: ٦٧- عبد الله بن الرية المالقي يكنى أبا محمد. وصفه أبو العباس بن أصبغ فقال: شاعر مجيد، وعقد يزهى به الجيد. حل من زهر العلوم محل السنان من العامل، والزبرقان من المغازل، وتمت به غرر المحامد، (فقام) مقام الصلة بالعائد. قال الفقيه أبو العباس بن أصبغ: مرت جارية يومًا على فتى من فتيان مالقة ونبهائها، فسألها متى يكون اللقاء، فوعدته بأن تصل عنده في المغرب، فوصلت إلي في الموعد، فصادفت أباه قد وصل من سفر، فحار الفتى وخجل منها. ثم إنه تخلف الجارية في غرفةٍ على باب الدار. قال أصبغ: ما بها أنيس إلا البق والفأر. فجلست الجارية فيها وهي قد دهشت واستطير عقلها، وبقي الفتى مفكرا باكيًا من سببها، لا يقدر على الانصراف عن والده. ثم احتال إلى أن وصل إليها. فلما كان في الصباح خرجت الجارية تبكي، وقلبها يضطرب مما دهاها. فاعتذر إليها الفتى، فلم تجبه. فاتصل خبرها بالفقيه أبي
[ ٢٢٧ ]
محمد بن الرية فوصف الأمر على ما وقع، وكان الفتى يعرف بأبي الدرداء. (فقال): [سريع]
مر أبو الدرداء يومًا على جاريةٍ ماجنةٍ شاطره
فراعه منظرها إذا بدت كالشمس في طلعتها الزاهره
قال لها سيدتي أنفذت مقاتلي ألحاظك الساحره
عساك يا سيدتي أن ترى من ها هنا وقت (المسا) سائره
تلقى فتى أي فتى في الورى مهذبًا، أردانه عاطره
وعنده راح ونقل وما يحتاج من أسبابه ياسره
فغرها أن أبصرت طلعة باهية زاهية فاتره
جاء بها الفتى إلى غرفةٍ مظلمةٍ، أرسمها داثره
حصيرها من عهد عادٍ، وقد تداولته الأمم الغابره
ليس سوى البق بها مؤنس حنت لمن يدخلها فاغره
فباتت المرأة في محنةٍ عريانة الجسم بلا ساتره
جيعانة للفعل مشتاقة، ناعية باكية ساهره
تراقب الليل متى ينجلي وليلها في الطول كالآخره
حتى إذا الصبح بدا سافرًا قامت إلى منزلها ذاعره
قال لها: هل لك من عودةٍ أو هل ترين ها هنا خاطره
فأنشدته وهي مما بها من حزنها في بردها عاثره:
"إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضره"
ومن شعره ﵀: [طويل]
درى شجر، للطير فيها تشاجر كأن سقيط الطل منها جواهر
[ ٢٢٨ ]
كأن القراري، والبلابل حولها قيان وأوراق الغصون ستائر
شربنا على هذا الترنم قهوة كأن على حافاتها الدر دائر
ومن شعره: [طويل]
بني هاشم حيوا بأخلاق هاشم ولا تفضحونا في العلى والمكارم
أرى ألف بانٍ لا يقوم بهادمٍ فكيف ببانٍ، خلفه ألف هادم
ومن شعره: [سريعٍ]
تقصد أهل الفضل بين الورى مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يسجن من بينها إلا التي تحسن أصواتها
ومن شعره يصف أترجًا: [منسرح]
يا حبذا يومنا ونحن على رؤوسنا نعقد الأكاليلا
في جنةٍ دالت في مقاطفها ثمارها الدانيات تذليلا
كأن أترجها تميد به أغصانه بحسن منه محمولا
سلاسل من زبرجدٍ حملت من ذهبٍ أصفر ٍ قناديلا
وله يصفها: [منسرح]
يشي (بما) للصبوح أترج حوى من الطيب ما حوى الدرج
أنبته في قضيبه شجر مشوك في النبات معوج
إن ترج يومًا قطافه منعت رماحه أن تنال ما ترجو
كل مصدغ تحته ذهب وكل غصن من فوقه زج
جرده واقرن به مشعشعة يلف مضاهيك النار والثلج
[ ٢٢٩ ]
ومن شعره يهجو: [سريع]
لو عمي اللؤم وأطلقته لما عدا دور بني مسلمه
أو طعنوا بالرمح من يومهم لما جرى من دمهم محجمه
وله أيضًا يهجو: [بسيط]
حلت برية (من) ذي العرش داهية ما مثلها عبرة في سالف الزمن
قاضٍ يحد الصهبا ويشربها يا ليت دولته في الناس لم تكن
وله ﵀: [طويل]
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالًا على الحسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
وشعره ﵀ كثير.
ومنهم: