المعروف بابن الفخار ويعرف بها وبصاحب نصف الربص كان من أعيان مالقة وجلتها وكاتبا بليغا وشاعرا مطبوعا وانتهى من كثرة المال وسعة الحال إلى ما لم يصل إليه غيره وذكره الفتح في كتاب القلائد ووصفه وأثبت له شعرا حسنا وكانت بينه وبين بني حسون منازعة فخرج فارا عن مالقة خوفا منهم قال أبو العباس أصبغ في كتابه فأجلسوا عليه الرصائد وضيقوا عليه الوصائد حتى سيق إليهم وهو مصفد في الحديد يرثي له القريب والبعيد فلم يزل يستعطفهم من السجن فمن ذلك ما أنشدني أبو بكر بن دحمان ﵀ لأبي عبد الله المذكور وهو جده لأمه هذه القصيدة:
أريد بأن ألقاك في دارك التي بها أمن الخواف من نوب الدهر
فيمنعني عض الحديد وكالح إذا رمت باب السجن يدفع في الصدر
يقول تجلد للحديد وعضه ومن ذا الذي يعطى التجلد في الأسر
فرش لي جناحي واجبر العظم إنه مهيض وأنت المرء تعرف بالجبر
وإني عليها ما حييت لشاكر كما عرفت في المحل عارفة القطر
ومن ذلك قوله:
أنت الكريم وقد ملكت فأسجح واغفر فقد عظمت ذنوبي واصفح
لا تلتفت غش الولاة كنصحهم فالكاشحون غشاهم بتنصح
يا حاميا سرج السيادة ممرعا بالله عجل إن رأيت تسرحي
[ ٨٢ ]
واعلم لأني للعوارف شاكر كالهيم تشكر عارفات الأمنح
أشفقت من عض الحديد وروعه في الصدر لم يذهب ولم يتزحزح
ومن ذلك قوله:
ويحبسون بأن الدهر غيركم والظن أكذب أين الفضل والكرم
يا حافظ العهد بأن خان الرجال به ألم تكن بيننا فيما مضى ذمم
إن توقف عطف أوجفا كرم فالطرف يكبو وينبو الصارم الخذم
أبا علي وخير القول أصدقه دع ما تجيء به الظنات والتهم
تسيء بي الظن والرحمن يشهد لي أني بحبلك بعد الله أعتصم
من غير الود ما بيني وبينكم تغيرت عنده الأرزاق والنعم
فلا تطاوع أناسا في صدورهم مع الحسادة نار الحقد تضطرم
من أجل نكسي يرى أن الصلاح به أن يظهر السر مثل الموج يلتطم
فاخفض جناحا وخذ بالعفو ما ظلموا لازلت تعفو ومنن عاداك تنتقم
إذا أصابت من الأيام حادثة فأنت نور لديه تنجلي الظلم
وأن غدوت خفيف الجسم ضامرة فالذابلات إليها تنجلي الظلم
الخيل تسبق إن كانت مضمرة والسهم ينحت والصمصام والقلم
فلا تمكن سفيها من إرادته فيصبح الرأس تعلو فوقه القدم
شاور أخاك ودع بعض الورى همجا أما الذئاب فما ترعى بها الغنم
وشدد يديك بمن صحت مودته فليس يدبغ جلد مسه حلم
وقد دعوت إلى إصلاح فاسده وما بأذنك عن أمثالها صمم
وسقت بيتا جرى في دهرنا مثلا والشعر فيه ترى الأمثال والحكم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
قال أبو العباس أصيغ ﵀: هذه القصيدة كانت سبب عفوهم عنه والله يغفر للجميع.
[ ٨٣ ]
ومن شعره رحمه الله تعالى يرثي القاضي أبا مروان عبيد الله بن حسون ويعزي ابنيه أبا علي وأبا عبد الله:
أما الدموع فمنها الواكف السرب وفي الضلوع ضرام الحزن يلتهب
ما كان هلك أبي مروان عندهم إلا الكسوف به الأعيان الحزن تنقلب
صارت له نيرات العين مظلمة وعاد كالصاب في أفواهنا الطرب
في كل واد وناد من عشائرنا انتابه الجد لما مات واللعب
كنا به من خطوب الدهر في حرم والأمن تلحفنا أبراده القشب
وكان رأس المعاني ساميا صعدا فطؤطىء الرأس واستغلى به الذنب
يا هضبة هد ركن المجد هدتها وحده فل لما فلت الحسب
أقول فيك الذي يعزى لفاطمة والقلب حران من فرط الهوى يجب
قد كان بعدك أنباء وهينمة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
العلم والحلم والتقوى وهمته في العدل والبذل ثم الرأي والأدب
ما ضيع الله قوما أنت جارهم أبا علي وإن طافوا وإن طلبوا
والسهل يصعب مهما كنت راكبه فلا تهزنك الأهوال والرعب
وقد حننت أبا عبد الإله لكم كما تحن لك الأقلام والكتب
وما اليراع إذا أصبحت تعمله إلا تذل له الهندية القضب
تدنو وتبعد والمنات عالية كالطرف يوجد فيه الجري والخبب
وإن حجبت زمانا عن زيارتكم فالشمس شمس وإن كانت لها حجب
قلبي سنان تشق الصخر حدته ومقولي صارم في متنه شطب
ولي وفاء لو أن الأرض تعهده ما دل فيها لفرع النبعة الغرب
[ ٨٤ ]
أبى لي الله إلا أن يفضلني على أناس وإن ذموا وإن جلبوا
وكل قول إذا ما كان مدحكم وإن أضيف إلى الإسهاب مقتضب
وإن غدا الجسم في ترب فليس لنا إلا الدعاء بأن تهمي له السحب
فنعم الله حتى الحشر أعظمه وحام فوق ثراه المزن ينسكب
ومن شعره ﵀ برثي القاضي أبا عبد الله بن خليفة المذكور:
أقضت على القوم الكرام المضاجع وفضت جموع بعده ومدامع
وأصبحت العليا يراع فؤادها وحق لها أن تعتريها الروائع
ألا إنما الدنيا غداة فراقه ككف أبين الخمس منها الأصابع
وكل كريم بعده هاله الأسى وأصبح قد سدت عليه المطالع
شهاب هوى فالعلم أسود حالك ونجم خوى فالخير أغبر شاسع
وطرف كبا والطرف لم يك عاثرا وسيف نبا والسيف أبيض قاطع
فيا لدموع العين غيضت من البكا ويا لحصاة القلب هن الصوادع
وهي طويلة وكتب إلى أبي الحسن بن معمر وكان صديقا له:
إلى كم يجد الحر والدهر يلعب ويبعد عنه الأمن والخوف يقرب
وهل نافعي إن كنت سيفا مصمما إذا لم يكن يلقى بحدي مضرب
أبينهم والليل كالنفس أسود وأهجمهم والصبح كالطرس أشهب
فلا أنا عما رمت من ذاك مقصر ولا خيل عزمي للمقادير تغلب
أبا حسن سائل لمن شهد الوغى لئن كنت لم أصبح أهش وأطرب
[ ٨٥ ]
وأعتنق الأبطال حتى كأنما يعانقني عنهم من البيض ربرب
وفي كل باب قد ولجت لكيدهم ولكن أمور ليس تقضى فتصعب
فيا أسفا كم قد أبيت بذلة وسيفي ضجيعي والجواد مقرب
وكتب معرضا لأهل بلده:
لو صح عقلك أعط النفس قدوتها ولم تكن منبئا بالحقد والحسد
أما الخليط فقد حلوا بأرضهم وأنت وسط الفيافي من بني أسد
يا من أتاه معمى ليس يفهمه إن النسيجة من أرائك الفسد
أهون بخطب امرئ حلت بضاعته من النميمة في أسوافها الكسد
الدين يضرب عنا من يعاندنا ضربا يزايل بين الرأس والجسد
وهل يطيق دفاعا عن جوانبه من حبله موثق في الجيد من مسد
ما للوحيدي ذنب في سيادته إن كنت في جملة الغوغاء لم تسد
ورأى يوما ابنا لأحد إخوانه في بطالة فقال ينهاه:
فديتك أرعني سمعا فإني نظمت لك النصيحة في نظام
ولا يوحشك عتب من محب فإن الطب يذهب بالسقام
وإن العلم تدرسه صغيرا كمثل النقش ثبت في الرخام
أبوك أبوك دينا لا يبارى وجدك علمه كالبحر طام
وعمك لم يزل مذ كان يسمو إلى العلياء بالهمم السوامي
وأنت فتى كمثل النجم لكن يعز علي كونك في ظلام
وكان جالسا عند القاضي أبي علي بن حسون بمالقة في مجلس أحكامه وقد حضر جملة من أعيان مالقة فجاءه رجل فأخبره أن قومًا يعرفون ببني العصري من قرية يرفة وتعرف الآن برذلفة وبنو العصيري بها الآن فأخبروه أنهم سيبوا مواشيهم على غراس وزرع كان له بالقرية المذكورة أو قريبا منها فتناول إضبارة وكتب فيها:
[ ٨٦ ]
يا ذا الذي بجماله وكماله رد القلوب النافرات أوانسا
بقر العصيري بقرية يرفة رتعت فآذت غارسا أو دارسا
وله رعاة من بنيه خمسة أخنوا على شجري فأصبح يابسا
ودفعها للقاصي فأمر بهم فأحضرهم وسجنهم واشتد عليهم وكلفه القاضي ابن حسون أن يذيل له هذا البيت وأنشده له:
أترضى أن تطير بريش عز ومن يهواك مقصوص الجناح
فقال مرتجلا:
إذا هاجت من الأيام حرب فإن جميل رأيكم سلاحي
وإن مالت إلى الراحات نفسي فذكرك جنتي وهواك راحي
وقد أصبحت أنشد بيت شعر يلوح الغدر فيه كالصباح
أترضى أن تطير بريش عز ومن يهواك مقصوص الجناح
ومن كتبه ﵀ ما كتب به في حق أحد أصهاره: المفاتحة أعزك الله خوض غمار وضرب قمار وقد ألأم الشعب وأرأب الصعب لكن تنشأ أزمات وتطرأ لمن لا يرد من القرابات عزمات يوضع لها الخد ويركب فيها الجد ويترك الأهون ويؤخذ الأشد وإني اقتضبت هذه الحروف من خطوب تنوب وحوادث مضلات لا تؤوب وكأني أنحتها من حجارة الأزارق وأستنزلها من خلب البوارق وأسألها عود الشباب المفارق ورد الليالي الحالكة على المفارق فناهيك بها عسرة وإضافة وافتقارا إلى عطائك وفاقة وحسرة لا ترجو منها الخواطر إفاقة وفلان كر على القف ولا يعرف ما في الخف قد ركب لجاجته ولم ير ما حيلة إلا حاجته ولولا ولاء صادق حثه وثناء عاطر بثه وشهادة في محاسنك استحفظها ونبذ من محامدك نبذها إلي ولفظها استحق بها مني إحمادا واستوجب لمكانها اعتدادا واعتمادا إلى ما اعترف به من إكمال ناظر واهتبال خاطر عمه فضلها وعمره طولها ما تمكن لي كتب حرف ولا تنسمت من إجهاض الحوادث بعرف والله يشكر إجمالك ويحمد إخلالك ويبلغك في الدارين آمالك بمنه
[ ٨٧ ]
وكتب معزيا أطال الله بقاء السيد المفدى والكريم الأعز الأهدى وجلاله مأثور وأجره موفور ومذخور تأبى الأيام أدام الله عزتك إلا أن تفجع بساداتها وتجري من اخترامهم على عاداتها فالحازم من استسر الحوادث قبل أن تحل وهانت عليه من حيث شملت الكل وإن مصابك بالصبر الجميل عن أوصابك فقد علمت أن الحزن ما نفع ولا أجدى ولا استرد في الدهر سؤددا فقد ولا مجدا فإن كان شأن هذا الحادث شمولا وكل على تلك الأعواد محمولا فما لنا لا نبكي أنفسنا وهي أحب أو نرجع فيمن فقدنا إلى ما أراده الرب فإنا الله وإنا إليه راجعون عليها مصيبة قدحت ورزية فدحت. وقد يعلم الله أني ساهمتك مساهمة فؤادك وأخذت من رزئك ما أخذت من ودادك وإني لأتذمم من دهر يعوق لا تقضى معه الحقوق فكان من واجب مرزيتك أن أعمل قدمي إلى تعزيتك لكن الذنب للأيام لا لي وحسبك اليوم ما لك قبلي.
وكتب في حق المعروف بالزريزير وكان رجلا حسن الإنشاد يرد على النبهاء فيخف عليهم. ولكتاب العصر فيه كتب مشهورة منها ما كتب به أبو عبد الله المذكور وهو
يسقط الطير حيث ينتشر الح ب وتغشى منازل الكرماء
لما كنت أعزك الله روضة في الأدب طيبة الماء والعشب وغدوت دوحة في المجد مورقة بالتهمم مثمرة بالجد أوشكت طيور الثناء أن تنشر عليك قلاعا وحامت عصافير الرجاء عليك عطاشا وجياعا فوجدت بثراك الحب النثير والماء العذب النمير فشربت والتقطت وانتفضت وترنمت ولم ترع بصر صرة الصقور حين غدت في الماء النمير فهي مائلة على طي الأجنحة مثنية عليك بالألسنة المفصحة قد جعلت أراكها قصب الأراك وبسطت درانيكها فلم تقتنص بأيدي الفخوخ والأشراك تتغنى من الطرب وتتناشد بمخضرة القصب:
[ ٨٨ ]
فيا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
ولما قطع الآن إليك منها زريزيز له أبدًا بالثناء عليك صفير قص جناحه فهو نحوك حاذف وحسن صاحبه فكل قلب عليه عاطف رجوت أن تعيده وافر الجناح صافرا يذكرك في الغدو والرواح.
وكلامه ﵀ كثير وتوفي بمالقة في شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ومنهم: