يكنى أبا محمد. قد تقدم ذكر والده في باب محمد. وكان الفقيه أبو محمد هذا من أهل الأدب والذكاء والفطنة، ذا هيئة جميلة وشارة حسنة. كتب لجملة من السادات كالرشيد ابن أبي يعقوب وأخيه أبي يحيى ابني أمير المؤمنين أبي يعقوب. فكان معظمًا عندهم ومقربًا لديهم. (وتوفي ﵀ في رجب سنة ستين وخمسمائة. ومولده سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة) . وكان أبرع الناس خطًا، وأحسن (من) خط في البطاقة، مع الكتب الرائق البليغ والشعر الفائق المطبوع. وكان يكتب بأنواع الخطوط من الريحاني، والمشرقي، وغير ذلك، فلا يدري من يزيد في الحسن على صاحبه. إلا أنه كان ﵀ يصاب في عقلة أحيانًا، فربما
[ ٢٣٢ ]
استطال بلسانه. وكان ينال من الموحدين، وسجن على (سب) المهدي ﵁. وإنما كان ذلك منه حين يصيبه ذلك الألم ويخرج عن حد التكليف، حتى إنه في جمعةٍ من الجمع حين استوى الخطيب على المنبر، وأخذ يعظم الإمام، قال له: كذبت لعنك الله. فأخذ من حينه وثقف. وبقي مكبلًا في سجن مالقة مدة ونقل إلى مراكش، إلى أن زال عنه ذلك الألم. فكتب يستعطف أمير المؤمنين المنصور ويصف حاله ويسأله فكه من وثاقه.
وهذه هي القصيدة التي كتب بها: [طويل]
ظهائر لطف الله في سر مقصد ويشهد لي عند الأ (مير بمقصدي)
ويدري أمير المؤمنين بأنني على مذهبٍ الأمر عدلٍ مسدد
وإني على حب الإمام وهديه ومن بعده من راشد الأمر مرشد
وإن يدر لا أبقى بسجني مقيدًا بأثقل قيدٍ ضيقٍ مؤلم رد
وحرمته إن يدر صدق عقيدتي لسبق في التسريح يومي على غد
ورق لشيخ ذي عيال وصبيةٍ وحالٍ ثواها من ثوى ضيعة اليد
له في ثقاب السجن عام وأشهر تقلص عنه الرفد من كل موفد
وضاع، وضاع الأهل والشمل بعده وأضحوا عراة في أذى جهد مجهد
أيرضى أمير المؤمنين بضرهم وضري، وفيه الفضل رحب المقلد
أحيف، معاذ الله، بل هو رحمة وممدود ظل الله للمتردد
وقسطاس عدلٍ يمل الأرض أمنه بحكم مفيدٍ من قريب وأبعد
سينظر في تفريج همي وكربتي مصيبًا بنور الله غير مفند
ويمضي سراحي طالب الأجر راجيًا بذلك مذخور النعيم المخلد
[ ٢٣٣ ]
وإني على ما يرتضي الأمر والهدى ويرضي ولاة الأمر من كل مهتد
وإن ذكرت عني أكاذيب مفترٍ فسمع الهدى عن سمعها جد مبعد
وحاشى لمثلي أن ينيب لفاسدٍ من الرأي أو يسعى بخلة مفسد
ولي خدمة للأمر في كل صالح تشرد عن سعيي عداتي وحسدي
وإن طعن الأعداء بي لشكايةٍ تثير خبال الذهن، طعن توعد
فذلك أمر يقبل الله عذره ويرفع لي التكليف حين التعبد
وفضل أمير المؤمنين ووعده يعيد الردا عذرًا على غائل الردى
أيا من هو المخصوص بالعدل والتقى وبالنصر والتأييد في كل مشهد
وبالعلم ثم الحلم والسبق في العلى وبالشرف الأبقى القديم المجدد
وبالصبر في الهيجاء والفتك في العدى إذا عرف الخطي فضل المهند
إليك أمير المؤمنين قصيدة رفعت بها عن ساحتي رفع مفتد
فخذها وأنسها وشفع مديحها فمقصودها التسريح لي وهو مقصدي
أتتك بأبكار المدائح لم تلج على سمع ذي سمع ولا لفظ منشد
فلو كنت في نظمي لبيدًا وبرقه لبلدني التكبيل كل التبلد
ولم أدر ماذا أستجيد لأنه مقام عظيم القدر سامي التأيد
وأمداحه من رام بالنظم حصرها كمنهل (قطرٍ رام جمعه) باليد
ولا زال في ظل من الملك وافرًا ولا زال في سعدٍ من السعد مُسعد
ودام بنصرٍ للغريب وأهله وتنظيم شملٍ في قرارٍ ممهد
ومنهم: