نشأ بمالقة، وكان له ابتداء طلب. ثم إنه زال عن القراءة، وبقي محاولًا لأمور الدنيا. فلم تزل الأيام ترفعه درجة بعد أخرى، حتى بلغت به من المكانة والرفعة والوجاهة إلى أقصى مبلغ. وكان ابتداء أمره في دولة الأمير أبي عبد الله بن هود، وذلك عندما أخذ القاضي أبو عبد الله بن الحسن ﵀ عن مالقة وحبس بغرناطة، وكان ابن زنون ممن سعى فيه، ونسب إليه ما كان بريئًا منه. فعند انفصال القاضي أبي عبد الله من مالقة، اجتمع ابن زنون وطائفة من أهل البلد، ونسبوا لابن الحسن القيام على ابن هود. فكبل ابن الحسن بسبب ذلك. ثم ظهرت برءاته. وبقي ابن زنون يشتغل بالطائفة التي كانت معه على ابن الحسن إلى (أن) أفناهم واحدًا (بعد واحدٍ)، بين النفي والقتل والسجن الطويل. وأبقى البلد في حكمة، فلم يكن ينفذ أمر من الأمور إلا بمشاورته. وكان ولاة البلد لا ينفذون إلا ما أمر ابن زنون به، ولا يتعدون ما يحده. وكانت أوامره تنفذ في البلاد فضلًا عن بلده. وأخذ في مصلحة البلد، فشيد الأسوار أتم تشييد، وأصلح الأبواب الخليفة، وبنى الخرجة الكائنة الآن أمام باب فنتنالة، وجدد الباب المعروف بباب الرواح، وجعل عليها بابًا ولم يكن
[ ٢٤٧ ]
قبل فيه، وأظهر في البلد آثارًا كثيرة في داخله وخارجه. وكان مع ذلك مقصودًا من البلاد، يرد الناس عليه من كل قطر، وينشدونه الشعر، فيحسن إليهم ويرفدهم. وكان عطاؤه جزلًا وعائده ضخمًا. وبقي كذلك في هنية من عشية سنين. ثم إن الأقدار دارت عليه حتى أعفت رسمه، وصيرته كأن لم يكن. وذلك أنه كان قد أضر أهل بلده وأذاقهم شرًا، وحملهم ما لم يكن في وسعهم. فكان الناس يرتقبون هلاكه، ويكثرون من الدعاء عليه. فأمهله الله تعالى إلى أن أخذه، فلم يفلته. وكان ابتداء زوال أمره وجاهة في أول مدة الأمير أبي عبد الله ابن نصر، لأن ابن زنون ضبط البلد عند خروج سالم بن هود عنه، ورام البقاء على دعوة ابن هود. ولما خالفت البلاد ورجعت للأمير أبي عبد الله بن نصر، رأى ابن زنون أنه لا يفيده البقاء مع ابن هود فشرع في بيعة الأمير أبي عبد الله بن نصر وذلك في ليلة الأربعاء العاشر من رمضان. واستدعى ابن زنون الناس للشهادة فيها بالليل في داره، بعد أن استعد الرجال والحراس بالأسلحة، فقرئت بالليل، وشهد فيها، وأعيدت قراءتها في اليوم الثاني بالمسجد الجامع. وفي غدوة يوم الأربعاء الحادي عشر من رمضان اتصل (خبر) وصول الرئيس أبي الوليد ابن عم الأمير أبي عبد الله ابن نصر، فشرع ابن زنون في الخروج إلى لقائه، وأمر الناس بذلك. ثم خرج، وتقدم ابن إدريس أمامه، فوثب العامة عليه وقتلوه. فرجع ابن زنون إلى البلد، وقتل الزهري وابن بسام. ثم رأى اشتداد الأمر، ففتح الباب ودخل الرئيس ومن معه، وفر ابن زنون من حينه صحبة أخيه عامر، وعلجيه. فأمر بإتباعه، فأدرك في بعض الطريق، وسيق. وجعل في قطعةٍ كانت في البحر. وأفلت أخوه وعلجاه. وانتهبت دياره وديار قرابته. ثم إنه أنزل من القطعة، وسجن بالقصبة، وأخذ معه جملة من أصحابه، فثقفوا في الحديد. ثم إنه حمل بالليل في زورقٍ إلى غرناطة، وضرب فيها ضربًا وجيعًا، المرة بعد المرة. ثم رد إلى مالقة ليخرج مالًا اتهم أنه كان عنده، فلم يخرجه. وما زال يعاقب بالضرب حتى مات. وكان يضرب بالليل بحيث لا يراه أحد ولا يسمعه، فقيل: إنه
[ ٢٤٨ ]
تناول موسى كانت عنده فذبح بها نفسه، وقيل إنه ذبح هو نفسه. نسأل الله السلامة وحسن العاقبة.
ومنهم: