هو الإمام العالم. (كان) ﵀ من جلة العلماء وعليتهم عارفًا متفننًا ضابطًا حافظًا للغات والآداب. وله تواليف ككتاب الأعلام بما وقع القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب الروض الأنف، وكتاب نتائج الفكر، وغير ذلك. وصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه. فقال فيه: هضبة علوم سنية، وكان في الشعر واضحة جلية، من رجل تلقت القريض يمينه، وانتظم له من جوهره ثمينه. عفا على ابن الدمينة في التشبيب، واستوفى في أغراض مدحه جميع ما أبتدع فيه حبيب. إن مد فيه الرشا، فما شئت من إبداع وإنشا، وإن قصد أو عجز، بذ من سبق قلبه وأعجز. ولا تبارى في ميدانه خيله، ولا يساجل وشله ولا سيلة. قلد أجياد الدولة المهدية والخلافة القيسية منه قلائد، فضحت الحلي عن أتراب الخرائد، ونمنم فوشى برودها، وروض منها تهائمها ونجودها. وكان في شعرائها من سوابق ميدانها. وممن أحرز قصب رهانها، حسن توليدٍ واختراع، وتنكيتٍ وتجويدٍ وإبداع. ثم امتد به أجله، وأنسأه في شأو الحياة مهله، حتى تطلع في سماء مجلس أمير المؤمنين بدرًا، وتبوأ منه بعلمه البارع محلة ووكرًا، فخلع على أهله من منمنم أمداحه خلعًا، وابتدع من مليح قريضه بدعًا، أصارت إليه منهم قلوبًا، وأنالت من أكفهم مأمولًا ومطلوبًا. فمن قوله الذي لا حسن إلا وهو مخلوع عليه، ولا عنان يريع إلا
[ ٢٥٢ ]
وملاكه بين يديه، قوله في السيد الأعلى أبي سعيد ابن أمير المؤمنين: [بسيطٍ]
الدين يشرق والأيام تبتسم والدهر معتذر، والخطب محتشم
ودولة الحق والتوحيد قد وضحت لها بشائر زاحت عندها الغمم
ومنها في المدح:
السعد يقدمها والنصر يخدمها ما حاز مقدمه إلا همت نعم
ومنها:
ولا تيم أرضًا حشمت وغرت إلا همى فوقها من سيفه نقم
سيف نضاه أمير المؤمنين، متى يرم العدى بحسام مثله هضموا
وكوكب في سماء المجد أطلعه تنجاب عن أفقها من نوره الظلم
وهو الغمام الذي يغشى البلاد ولم ترحل إليه فتهمي نزلها الديم
ومنها:
يدنيه من كل ذي أرضٍ تواضعه وفوق هامه كيوان له قدم
لو كان منقسمًا رأفةٍ ملك بين الرعية أضحى وهو منقسم
ومنهم:
هذا ابنه، وهو بعض منه خص به هذي الجزيرة كي تحمى به الحرم
ما إن رأوا قبله من كعبةٍ قصدت حجاجها، ولهم من ظلها حرم
كأن سيب نداه ملء زمزمها وكفه الركن إذ يغشى ويستلم
لو كان ينفع ذا ود مساهمه ظلت عليه بقاع الأرض تستهم
وهي طويلة. ومن شعره في المدح: [بسيط]
العود أحمد من بدءٍ حلا فعد إلى المدائح في قرب وفي بعد
عد لامتداح أميرٍ ما يكافئه في الفضل بعد أبيه الخير من أحد
أبي سعيد حليف السعد لم تره إلا رأيت لديه السعد في صعد
والدهر حين رأى أنوار دولته أغضى وأدبر يشكو عامد الرمد
[ ٢٥٣ ]
سيف نضته يد الميمون طائره سهامه الشوك زجر اليث للنفد
تضعضعت عصب الإشراك نافرة "ولا قرار على زأرٍ من الأسد"
وهي طويلة. وله ﵀ وقد قال لشخص في الصباح، كيف أمسيت: [طويل]
لئن قلت صبحًا: كيف أمسيت مخطئًا فما أنا في ذاك الخطا بملوم
طلعت وأفقي مظلم لفراقكم فخلتك بدرًا والمساء همومي
ومن شعره: [كامل]
خلف السلام على الذين أحبهم وسقى منازلهم بكل سكوب
أبت الفراق قلوبنا وقلوبهم يا ليت أبدانا لنا كقلوب
ومن شعره: [طويل]
أسائل عن جيرانه من لقيته وأعرض عن ذكراه، والحال تنطق
وما بي إلى جيرانه من صبابةٍ ولكن قلبي عن صبوحٍ يرقرق
ومن شعره: [وافر]
وذي نفسيٍ أنم من الخزامى وثغرٍ مثل ما عبقت مدام
شكوت له الهوى وبكيت شوقًا فأعقب عبرتي منه ابتسام
فقلت: أضاحك مني وهذي دموعي عن لظى كبدي سجام
فقال: الروض تضحك كل حينٍ أزاهره، وإن دمع الغمام
وله وقد أهدي له مسك: [سريع]
[ ٢٥٤ ]
أهدى له شهبًا بأنفاسه من عذب القلب بوسواسه
يا مرسل المسك لنا نفحة وكل مسك دون أنفاسه
كل نعيم دون ذاك اللمى وكل بوسٍ دون إيناسه
ومن شعره: [كامل]
أشبهن من بقر الفلاة صوارًا لخطى، وحسن مقلدٍ، ونفارا
فلحقن بالعجماء حسن تشبهٍ كيما تكون جراحهن جهارا
ومن شعره: [بسيط]
أبدى الهوى وتجافى عن زيارتنا وظل يكثر من عذرٍ ومن علل
لا تدعي حب من أتلفت مهجته بالصد منك وبالإعراض والبخل
تقول: لا حيلة في الوصل أعرفها لو صح منك الهوى أرشدت للحيل
ومن شعره:
أرى البر لا ينفعك برًا بأهله وذا البحر لا يألو عقوقًا لراكب
وما ذاك إلا أن هذا مناقض وهذا يراعي وصله في المناسب
ومن شعره:
إذا قلت يومًا سلام عليك ففيها شفاء وفيها سقام
حياة إذا قلتها مقبلًا وإن قلتها معرضًا فالحمام
فأعجب من ضد حاليهما وهذا سلام وهذا سلام
وله في مجبنة: [كامل]
شغف الفؤاد نواعم أبكار بردت فؤاد الصب وهي حرار
[ ٢٥٥ ]
وله في محمل كتب: [خفيف]
حامل للعلوم غير فقيهٍ ليس يرجو ضرا ولا يتقيه
يحمل العلم فاتحًا قدميه فإذا انضمتا فلا علم فيه
وله في قول"لا": [سريع]
قد أجمع الناس على بغض"لا" ولست أنسى أبدًا حب "لا"
لأنني قلت له: سيدي تحب غيري أبدًا، قال: "لا"
ومن شعره: [كامل]
لما أجاب"بلا" طعمت في وصله إذ حرف"لا" حرفان معتنقان
وكذا"نعم" بنعيم وصلٍ آذنت فنعم، ولا في الحب متفقان
ومن شعره: [كامل]
قاسوا الحبيب إلى الحبيب الأول بحنين مغترب لأول منزل
هيهات ما حب التليد كطارفٍ أين القديم من الجديد المقبل
نور الأقاح الغض أحسن منظرًا وأرق عزفًا من أقاح ذبل
وليانع الثمرات حظ في المنى ليست ليابسهن عند المأكل
فدع القياس على مثالٍ في الهوى وانظر إلى عطف الرؤوم المطفل
إن قلت يعدل عندها حب الطلا حب المربب قلبه لم تعدل
ولعلمهم أن الجديد محبب قالوا: اغترب كيما تجد أو ارحل
[ ٢٥٦ ]
ومن شعره فيمن ركب البحر: [كامل]
ركبوا السفين فقلت بعدهم والعين تذرف دمعها سكبا
لو أنني كنت امرءًا ملكًا لأخذت كل سفينةٍ غصبًا
وشعره ﵀ كثير، وأدبه وعلمه مشهور. وكان عالي الرواية. روى عن أبي بكر بن العربي، وابن بونة، وحفيد مكي، وشريح، وغيرهم. كان حافظًا لأنساب العرب، وسير النبي ﷺ. وكان مولده عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة. وكف بصره (وهو) من نحو سبعة عشر عامًا. وتوفي بمراكش في ليلة الخميس الخامس والعشرين من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة.
ومنهم: