فقيد الْعلم يَا علم الرِّجَال، نعاك الْعلم فِي حلق السُّؤَال. نعم فقيد الدَّرْس يَا علم الرِّجَال، نعاك الدَّرْس فِي فصل الْمقَال.
انْتقل إِلَى رَحْمَة الله وَحسن جواره صَاحب الْفَضِيلَة وَعلم الْأَعْلَام الشَّيْخ الْجَلِيل وَالْإِمَام الْهمام زكي النَّفس رفيع الْمقَام كريم السجايا ذُو الْخلق الرزين، عف الْمقَال حميد الْخِصَال، التقي الْأمين والدنا الشَّيْخ مُحَمَّد الْأمين الشنقيطي. توفّي ضحى يَوْم الْخَمِيس ١٧ - ١٢ - ٩٣هـ وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المكرمة مرجعه من الْحَج وَدفن بمقبرة المعلاة وَصلى الله عَلَيْهِ سماحة رَئِيس الجامعة الإسلامية فَضِيلَة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز فِي الْحرم الْمَكِّيّ مَعَ من حضر من الْمُسلمين بعد صَلَاة الظّهْر من ذَلِك الْيَوْم.
وَفِي لَيْلَة الْأَحَد ٢٠ - ١٢ أُقِيمَت عَلَيْهِ صَلَاة الْغَائِب بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ وَصلى عَلَيْهِ صَاحب الْفَضِيلَة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن صَالح آل صَالح إِمَام وخطيب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَرَئِيس الدَّوَائِر الشَّرْعِيَّة بِالْمَدِينَةِ ومحاكم منْطقَة الْمَدِينَة بعد صَلَاة الْعشَاء مُبَاشرَة وَصلى عَلَيْهِ من حضر من الْحجَّاج مَا لَا يُحصى عددا. وَمن غَرِيب الصدف وَحسن التفاؤل أَن يقْرَأ الإِمَام فِي صَلَاة الْعشَاء قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ إِلَى آخر السُّورَة، وَفِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .
[ ٢٢ ]
وَقد سَأَلت فضيلته عَن هَذِه الْقِرَاءَة أهوَ قَاصد لهَذِهِ الْآيَات ومختار لَهَا أم جَاءَت عفوا، فَقَالَ حفظه الله بل عفوا فَمَا الملاحظة عَلَيْهَا؟ قلت إِنَّهَا من أغرب الصدف لِأَنَّك صليت على الشَّيْخ الْأمين ﵀ بعْدهَا فَظَنَنْت أَنَّك قصدت إِلَيْهَا، وَلكنه من المناسبات الْحَسَنَة تغمد الله الفقيد برحمته وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم، كَمَا صلي عَلَيْهِ بالجامعة الإسلامية وَفِي مَسَاجِد الدوادمي.
مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى بعد أَن أَحْيَا علومًا درست، وَخلف تراثًا بَاقِيا، وربى أَفْوَاجًا متلاحقة تعد بالآلاف من خريجي كليات ومعاهد الإدارة الْعَامَّة بالرياض والجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنورة.
مَا مَاتَ إِلَّا بعد أَن أصبح لَهُ فِي كل دَائِرَة من دوائر الْحُكُومَة فِي أنحاء الْبِلَاد ابْنا من أبنائه، وَفِي كل قطر إسلامي بعثة من البعثات الإسلامية لمنح الجامعة الإسلامية التعليمية بِالْمَدِينَةِ المنورة.
مَا مَاتَ إِلَّا بعد أَن ترك فِي كل مكتبة وَفِي كل منزل (أضواء الْبَيَان) تبدد الظلام وتهدي السَّبِيل.
فَلَا يبعد وَلَا يغالي من يَقُول مَا مَاتَ من خلف هَذَا التراث وَأدّى تِلْكَ الرسَالَة فِي حَيَاته يبْقى أثرا خَالِدا لَهُ على مر الأجيال والقرون.
لقد أدّى رِسَالَة عظمى وانتقل إِلَى الرفيق الْأَعْلَى، ليحصد مَا زرع ويجني ثمار مَا غرس وينعم بِمَا قدم ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة.
لقد عَاشَ ﵀ فِي هَذِه الْبِلَاد مُنْذُ سِنِين حِين قدم لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج ثمَّ اعتزم الْمقَام وَعمل فِي كبريات معاهد الْعلم وجامعاته وَألف وحاضر وَلم تُكتب عَنهُ كلمة وَلم يكن يرضى بِالْكِتَابَةِ عَنهُ. لقد كَانَت أَعماله تترجم عَنهُ ومؤلفاته تعرف بِهِ حَتَّى عرفه الصَّغِير وَالْكَبِير والقاصي والداني والعالم والعامي، فَلم تكن وَفَاته رزءًا على فَرد أَو أسرة أَو جمَاعَة أَو قطر وَلَكِن على الْعَالم الإسلامي كُله.
[ ٢٣ ]
وَمَا كتبت عَنهُ سوى كلمة موجزة استقيتها مِنْهُ ﵀ عِنْد طبع أول محاضرة لَهُ بالجامعة الإسلامية فِي آيَات الصِّفَات وطبعت فِي مقدمتها.
وَمَات ﵀ وَلم تكْتب عَنهُ أَيْضا إِلَّا تَعْرِيف موجز بالنشأة والمولد وَمَا إِلَى ذَلِك.
والآن وَقد تحتمت الْكِتَابَة عَنهُ لَا تعريفًا بِهِ فَهُوَ أعرف من أَن يُعرف فَهُوَ الْعلم الخفاق والطود الأشم وَالشَّمْس المشرقة فَلَيْسَتْ الْكِتَابَة للتعريف وَلَكِن لرسم خطاه وَبَيَان منهجه مِمَّا سَمِعت مِنْهُ ﵀ ولمسته من حَياتِي مَعَه الْمدَّة الطَّوِيلَة، وَإِنِّي لأسجل هَذَا عَنهُ ﵀ للقريب والبعيد لكل من عرفه عَالما وَلم يعرفهُ طَالبا، أَو عرفه هُنَا وَلم يعرفهُ هُنَاكَ فِي بِلَاده فَأَقُول أَولا: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع إِيفَاء الْمقَام حَقه لعظم مقَامه ﵀ وكبير مَنْزِلَته وَإِن كل كِتَابَة عَن أَي شخص تعْتَبر ذَات جانبين:
جَانب تَرْجَمَة لَهُ وَبَيَان لحقيقته وتعريف بشخصه ومنزلته، وجانب سيرته ومنهجه بِمَا يُمكن أَن يكون نهجًا يُسار عَلَيْهِ ومنهجًا يُقتدى بِهِ ومؤثر يُؤثر على غَيره مِمَّن أَرَادَ السّير فِي سَبيله والنسج على منواله والاستفادة من أَقْوَاله وأفعاله.
وَالْكِتَابَة عَن أَي شخص من هذَيْن الْجَانِبَيْنِ تعْتَبر بِمَثَابَة شخصيته فِي إبراز صورته وَبَيَان مكانته وفيهَا تقييمه فِي عَظمته أَو توسطه أَو غير ذَلِك، وَأي عَالم أَو طَالب علم فَإِن لَهُ شخصية مزدوجة فِي حَيَاته الْعَامَّة وسلوكه الْعَام، وحياته الْخَاصَّة فِي طلب الْعلم ومنهجه فِي تَحْصِيله ونشره وَالْكِتَابَة بِهَذَا الِاعْتِبَار تكون عَن التَّرْجَمَة الشخصية، والسيرة العلمية.
وَقد ملئت المكتبات الإسلامية بتراجم وسير الْأَعْلَام من الرِّجَال من عصر الصَّحَابَة ﵃ إِلَى عصور التدوين وامتدت إِلَى الْيَوْم حفظا للتراث الإسلامي وتسجيل للرعيل الأول، وَلم تكن الْكِتَابَة عَن أَي شخص وافية كَامِلَة إِلَّا بِتَعَدُّد الْكتاب عَنهُ، وتستخلص الْحَقِيقَة من مَجْمُوع مَا كُتب عَنهُ لِأَن كل كَاتب عَن أَي شخص لن يَخْلُو من أحد أُمُور ثَلَاثَة:
[ ٢٤ ]
١ - إِمَّا موَالٍ متأثر: فقد يَقع تَحت تَأْثِير العاطفة فَينْظر من زَاوِيَة وَاحِدَة، فَيُقَال فِيهِ "وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة".
٢ - وَإِمَّا معاد منفعل: فَيَقَع تَحت طائلة الانفعال فَيصدق عَلَيْهِ تَتِمَّة الْبَيْت السَّابِق "كَمَا أَن عين السخط تبدي المساويا".
٣ - وَإِمَّا بعيد معتدل: يرغب التقييم بميزان الِاعْتِدَال، وَمثل هَذَا قد يفوتهُ مَا لم يكن حَرِيصًا عَلَيْهِ بِدُونِ تَقْصِير.
وَمن هُنَا لم تكن كِتَابَة كَاتب عَن إِنْسَان مَا مُطَابقَة كل التطابق ومكتملة غَايَة الاكتمال.
وَقد يتحرج الأصدقاء مَخَافَة التُّهْمَة والتأثر بالألفة أَو يتَوَقَّف الْأَعْدَاء مكتفين بالإغضاء، أَو يتَرَدَّد الْآخرُونَ خشيَة التَّقْصِير، وَلِهَذَا فقد تذْهب الشخصية الفذة دون كِتَابَة عَنْهَا فيفتقده الْحَاضِرُونَ ويفقد سيرته القادمون، علما بِأَن سيرة الرِّجَال مدرسة الأجيال.
وفضيلة الْوَالِد الشَّيْخ مُحَمَّد الْأمين ﵀ لَهُ شخصية متميزة وسيرة وَاضِحَة يعرفهَا كل من لقِيه أَو حضر مَجْلِسه أَو اسْتمع درسه أَو قَرَأَ كتبه أَو حَتَّى سمع عَنهُ، وَقد طبقت شهرته الْآفَاق.
وَإِن الْكِتَابَة عَن مثله ﵀ لمن أشق مَا يكون لتَعَدد جَوَانِب الشخصية وانفساح مجالاته العلمية، وَالْحَال أَنه لَا مرجع لمن يكْتب عَنهُ إِلَّا الْخلطَة وَطول الْعشْرَة وتصيد الْأَخْبَار من ذويه الأخيار.
وَحَيْثُ أَن أَحَق النَّاس بِالْكِتَابَةِ عَنهُ هم تلاميذه وأبناؤه، وَإِنِّي وَإِن كنت قد أكرمني الله بِصُحْبَتِهِ وَطول ملازمته ليل نَهَار وَكَثْرَة مرافقته فِي الظعن والأسفار، دَاخل وخارج المملكة، وَسمعت مِنْهُ ﵀ الشَّيْء الْكثير وَالْكثير جدا فَإِنِّي لأجدني تتجاذبني عوامل الْإِقْدَام والإحجام، فَإِذا استحضرت كل مَا سمعته مِنْهُ وتصورت كل مَا لمسته فِيهِ أجدني أَحَق النَّاس بِالْكِتَابَةِ عَنهُ.
وَإِذا تذكرت مكانته وتراءت لي مَنْزِلَته وأحسست تَأْثِيره على نَفسِي
[ ٢٥ ]
تلاشت من ذهني كل مَعَاني الْكِتَابَة أَمَام تِلْكَ الشخصية المثالية تراجعت بَعيدا عَن ميادين الْكِتَابَة عَنهُ.
وَلَكِن إِذا كَانَ كل كَاتب لَا يَسْتَطِيع تقييم كل شخصية تقييمًا حَقِيقِيًّا يدل على الشَّخْص دلَالَة مطابقية وَفِي أسلوب الْمُسَاوَاة، لَا موجزًا وَلَا مطنبًا، إِذا كَانَ هَذَا حَال كل كَاتب مَعَ كل شخص.
وَإِذا كَانَ تلميذ الشَّيْخ أَحَق بِالْكِتَابَةِ عَنهُ فَمَالِي لَا أدلي بدلوي بالدلاء وأعمل قلمي مَعَ الأقلام، وأبدي مَا عِنْدِي سَوَاء مَا سمعته مِنْهُ مُبَاشرَة أَو عَنهُ بِوَاسِطَة، أَو لمسته من جَوَانِب حَيَاته وَسيرَته.
دون انطلاق مَعَ العاطفة إِلَى حد الإطناب، وَدون إحجام مَعَ الوجل والتهيب والوجل إِلَى حد الإيجاز. إِنَّه لشيخي وأعز عَليّ من وَالِدي.
إِنَّه حَقًا وَالِدي حسا وَمعنى لقد عِشْت فِي كنفه سنوات مَعَه فِي بَيته وَقد يظلنا سقف وَاحِد فِي غرفَة وَاحِدَة أمدًا طَويلا.
وَقد وجدت مِنْهُ رَحْمَة الله الْعِنَايَة وَالرِّعَايَة كَأحد أبنائه كأشد مَا يرْعَى الْوَالِد وَلَده، وَقد أجد مِنْهُ الإيثار على نَفسه فِي كثير من أحيانه مِمَّا يطول ذكره وَلَا يُنسى فَضله.
وأعز من الإيثار مَا منحني من الْعُلُوم والْآثَار، والتوجيه الأدبي وَالْفضل الخلقي والسمو النَّفْسِيّ فِي مجالسه وَأَحَادِيثه ودروسه من غير مَا حد وَبِدُون تقيد بِوَقْت إِذْ كَانَ ﵀ كل مجالسه مجَالِس علم وكل أَحَادِيثه أَحَادِيث أدب وتوجيه، وَلم يكن يحْتَاج إِلَى تحضير لدرس وَلَا مُرَاجعَة لجواب على سُؤال.
وَلم يكن لي مَعَه ﵀ من وَقت معِين مَعَ كَثْرَة الإخوان الدارسين عَلَيْهِ المقيمين مَعَه فِي بَيته إِلَّا وَقت وَاحِد هُوَ مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء لمُدَّة سنتَيْن دراسيتين وَنحن بالرياض، قَرَأت فِي خلالها تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة.
كَانَت تِلْكَ الدراسة عَلَيْهِ ﵀ هِيَ رَأس مَالِي فِي جلّ تحصيلي وَعَلَيْهَا أساس دراستي الْحَقِيقِيَّة سَوَاء فِي المقررات أَو غَيرهَا، لِأَن فِيهَا جَمِيع أَبْوَاب
[ ٢٦ ]
الْفِقْه، وعَلى مباحثها تنطبق جلّ قَوَاعِد الْأُصُول، وَلَا يبعد من يَقُول إِن مَا بعْدهَا من السُّور يُعتبر تَفْسِيرا لَهَا أَو أَن من أتقن تَفْسِيرهَا سهل عَلَيْهِ تَفْسِير مَا بعْدهَا، وَقد كَانَت دراستها سَببا فِي تأليف كتابي دفع إِيهَام الِاضْطِرَاب، وأضواء الْبَيَان، وكل مِنْهُمَا إِثْر سُؤال وَجَوَاب.
مَعَ مَا درست من الْأُصُول ومبادئ فِي الْمنطق ودقائق فِي البلاغة وَغير ذَلِك.
لقد وجدت مِنْهُ ﵀ مَا لم أَجِدهُ من غَيره على الْإِطْلَاق كَمَا وأظن أَن أحدا لم يجد مِنْهُ مَا وجدته أَنا مِنْهُ، فلئن شرفت بخدمته فَلَقَد حظيت بِصُحْبَتِهِ فجزاه الله عني أحسن الْجَزَاء.
وَإِن صَاحب مثل هَذِه العلاقة مَعَ مثل هَذِه الشخصية ليحس بثقل دُيُونه على كَاهِله ويلمس عظم الْمِنَّة تطوق عُنُقه، فَهَل أَسْتَطِيع تَوْفِيَة هَذَا الْجَانِب فَحسب فضلا عَن الجوانب الْعَامَّة الَّتِي هِيَ مَوْضُوع التَّرْجَمَة والسيرة، وَهل يَتَأَتَّى مني الإحجام عَن الْكِتَابَة وَأَنا مَدين بِمثل تِلْكَ الدُّيُون مكبل بِتِلْكَ المنن مِمَّا يَجْعَلنِي أَحَق بقول الْقَائِل:
كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب وليل أقاسيه بطيئ الْكَوَاكِب
تطاول حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقص وَلَيْسَ الَّذِي يرْعَى النُّجُوم بآيب
وَصدر أراح اللَّيْل عَازِب همه تضَاعف فِيهِ الْحزن من كل جَانب
عَليّ لعمر نعْمَة بعد نعْمَة لوالده لَيست بِذَات عقارب
وَلَئِن قيل:
وتجلدي للشامتين أريهمو أَنِّي لريب الدَّهْر لَا أتضعضع
فَإِنِّي لأقول:
وتجلدي للسامعين أريهمو شمس الْحَقِيقَة من سناه تطلع
وَإِنِّي مُلْزم بِالْكِتَابَةِ وَلَو تأثرت بالعاطفة فَإِنِّي مَعْذُور:
وَإِن قصرت عَن حَقه فَلَا عذر لي فِي التَّقْصِير.
[ ٢٧ ]
وَإِنِّي لأعتبر مَا أقدمه بداية لَا نِهَايَة وَتَذْكِرَة للآخرين من حاضرين وغائبين لَعَلَّهُم يتمون مَا بَقِي، ويكملون مَا نقص.
وَإِذا كَانَت التراجم وَالسير تَنْقَسِم إِلَى ذاتية وَغير ذاتية، والذاتية هِيَ مَا يَكْتُبهَا الشَّخْص عَن نَفسه من طفولته إِلَى رجولته، ويسجل مَا جرى لَهُ وَعَلِيهِ، وَهِي أصدق مَا تكون إِن كَانَ صَاحبهَا معتدلًا أَمينا.
وَقد ترْجم بعض الْعلمَاء والفلاسفة لأَنْفُسِهِمْ مِنْهُم:
١ - ابْن سينا الْمُتَوفَّى سنة ٤٢٨ كَانَت تَرْجَمته لنَفسِهِ مرجعًا لكل من كتب عَنهُ من تلاميذه.
٢ - والعماد الْأَصْفَهَانِي الْمُتَوفَّى سنة ٥٩٧ فِي مُقَدّمَة كِتَابه (الْبَرْق الشَّامي) .
٣ - وَابْن الْخَطِيب الْمُتَوفَّى سنة ٧٧٦.
٤ - وَابْن خلدون، الْمُتَوفَّى ٨٠٥، والسيوطي وَغَيرهم.
والترجمة غير الذاتية مَا يكْتب غَيره عَنهُ.
وَإِن مَا أقدمه فِي هَذَا المجال ليجمع بَين الْقسمَيْنِ الذاتي وَغير الذاتي لِأَنَّهُ يشْتَمل على مَا قَالَه هُوَ عَن نَفسه وسمعته مِنْهُ مُبَاشرَة، كَمَا تشْتَمل على مَا عَرفته ولمسته من حَيَاته مُدَّة صحبتي لَهُ.
وَالله أسأَل أَن يَجْعَل من سيرته خير قدوة لتلامذته، وَأَن يَجْعَل فِي ولديه خير خلف لخير سلف، وَأَن يأجرنا فِي مُصِيبَتنَا ويخلفنا خيرا مِنْهَا، ونسأله تَعَالَى أَن يتغمده بوافر رَحمته ويسكنه فسيح جنته وَأَن يجزل لَهُ الْعَطاء ويجزيه أحسن الْجَزَاء عَمَّا بذله من جهد، وَخَلفه من علم. إِنَّه جواد كريم (إِن أول مَا يبْدَأ بِهِ فِي مثل هَذَا الْمقَام لَهو الِاسْم واللقب وَالنّسب والنشأة والموطن) الخ.
[ ٢٨ ]