كان منحرفًا عن ابن تيمية، ثم اجتمع به وأحبه، وتتلمذ عليه، وأخذ من علمه وسلك طريقته.
[ ٤٦ ]
وكان شديدًا على الصوفية حتى عرف بذلك، وتكلم في مسألتي التوسل بالنبي ﷺ وزيارة القبور على طريقة الشيخ تقي الدين وهي طريقة السلف، وامتحن في ذلك وطلبه الأخنائي، فأحضره وسجنه وقامت عليه العامة لحطه على الصوفية وعقد له مجلس بين يدي السطان سنة ٧٢٥، فأثنى عليه بدر الدين بن جنكلي وبدر الدين بن جماعة، وعارضهم الأمير أيدمر الحظيري، فحط عليه وعلى شيخه وتفاوض هو وجنكلي حتى كادت تكون فتنة، ففوض السلطان الأمر لأرغون النائب فأغلظ القول للفخر ياظر الجيش، وذكر أنه يسعى للصوفية بغير علمٍ، وأنهم تعصبوا عليه بالباطل، فآل الأمر إلى تمكين المالكي منه، فضربه بحضرته ضربًا مبرحًا حتى أدماه ثم شهره على حمار أركبه مقلوبًا، ثم نودي عليه هذا جزاء من يتكلم في حق رسول الله -ﷺ- فكادت العامة تقتله ثم أعيد إلى السجن، ثم شفع فيه فآل أمره إلى أن سفر من القاهرة إلى الخليل فرحل بأهله وأقام به وتردد إلى دمشق.
وهذا حال العامة والغوغاء مع دعاة الحق في كل زمان ولله سنة كونية في خلقه أن ينصر أولياءه ويعلي كلمته فيبين الحق وترتفع الدرجات وتمحص الصدور، والله المستعان.
وله رسالة مهذبة رائقة بعثها إلى تلامذة شيخ الإسلام، قال فيها:"ومن أراد عظيم الأجر التام، ونصيحة الأنام، ونشر علم هذا الإمام، الذي اختطفه من بيننا محتوم الحمام، ويخشى دروس كثير من علومه المتفرقة الفائقة، مع تكرار مرور الليالي والأيام، فالطريق في حقه هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار والكبار على جليتها من غير تصرف فيها ولا اختصار، ولو وجد فيها
[ ٤٧ ]
كثير من التكرار، ومقابلتها تكثير النسخ بها وإشاعتها، وجمع النظائر والأشباه في مكان واحد، واغتنام حياة من بقي من أكابر الإخوان، فكأننا جميعًا بكمال الفوت وقد حان، ويكفينا ما عندنا مع ما فرطنا من عظيم الأسف"انتهى
وقال:" وإن مما أحث هممكم الصالحة عليه: تحصيل كراريس الرد على الفلاسفة، لأنه ليس في الوجود بهذا المؤلف نسخة كاملة غير النسخة التي بخطي وكانت في الخرستان الشمالي من مدرسة شيخنا، وأخبرني الشيخ شرف الدين ﵀ أنه أودع المجموع في مكان حريز، وقد شح علي بإنفاذ هذه الكراريس وقت الذهاب إلى الشام، ولا قوة إلا بالله"انتهى
وفي الجملة هي رسالة ماتعة يوصيهم فيها بتتبع مخطوطات كتب الشيخ وكتابتها في نسخ وإشاعتها ومقابلتها ويحضهم في أخذ ذلك عن كاتب الشيخ أبي عبد الله ابن رشيق، وأن يراجعوا في ذلك الشيخ جمال الدين المزي، لعلمه بمقاصد الشيخ وسعة إطلاعه وخبرته، وكذلك مراجعة الشيخين الجليلين: ابن قيم الجوزية، والقاضي شرف الدين لتبحرهما في دراية المباحث العقلية والأصولية في كتب الشيخ.
****