قال ابن حجر:" تعانى صناعة الرسم، فمهر فيها، ثم حبب إليه الأدب، فولع به، وكتب الخط الجيد، وذكر عن نفسه أن أباه لم يمكنه من الاشتغال حتى استوفى عشرين سنة، فطلب بنفسه، وقال الشعر الحسن، ثم أكثر جدًا من النظم والنثر والترسل والتواقيع.
وأخذ عن الشهاب محمود وابن سيد الناس وابن نباتة وأبي حيان ونحوهم، وسمع بمصر من يونس الدبوسي ومن معه وبدمشق من المزي وجماعة، وطاف مع الطلبة وكتب الطباق، ثم أخذ في التأليف، فجمع تاريخه الكبير الذي سماه (الوافي بالوفيات) في نحو ثلاثين مجلدة على حروف المعجم، وأفرد منه أهل
[ ٦٣ ]
عصره في كتاب سماه (أعوان النصر في أعيان العصر) في ست مجلدات، وله شرح لامية العجم كثير الفوائد وألحان السواجع بين المبادي والمراجع مجلدان.
ومن تصانيفه اللطاف: التنبيه على التشبيه، وجر الذيل في وصف الخيل، وتوشيح الترشيح، وكشف الحال في وصف الخال، وجنان الجناس، وغير ذلك"انتهى
قال الذهبي:" الإمام العالم البليغ الكامل طلب العلم، وشارك في الفضائل، وساد في الرسائل، وقرأ الحديث، وجمع وصنف، له تواليف وكتب وبلاغة"انتهى
صحب الشيخ ابن تيمية، ولازمه واستفاد منه، وأكثر عنه جدًا في كتابه (الوافي) وغيره، وقال فيه:" أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني ابن تيمية، الشيخ الإمام، العالم العلامة، المفسر الفقيه، المجتهد الحافظ، المحدث شيخ الإسلام، نادرة العصر ذو التصانيف والذكاء والحافظة المفرطة، تقي الدين أبو العباس".
وحكى عنه في إعراضه عن ملاذ النفس كالطعام والشراب فقال:" حُكِيَ لي عنه أن والدته طبخت يومًا قرعية ولم تذقها أولًا، فكانت مرّة فلما ذاقتها تركتها على حالها، فطلع إليها، وقال: هل عندك ما آكل؟ قالت: لا إلا أنني طبخت قرعًا كان مرًّا، فقال: أين هو؟ فأرته المكان الذي فيه تلك القرعية، فأحضرها، وقعد أكلها إلى أن شبع، وما أنكر شيئًا منها، أو كما قيل"انتهى
[ ٦٤ ]
وقال:" كنت أحضر دروسه، ويقع لي في أثناء كلامه فوائد لم أسمعها من غيره، ولا وقفت عليها في كتاب، رحمه الله تعالى.
وعلى الجملة فما رأيت ولا أرى مثله في اطّلاعه وحافظته، ولقد صدَّق ما سمعنا به عن الحفَّاظِ الأُوَلِ، وكانت هممه علية إلى الغاية؛ لأنه كان كثيرًا ما ينشد:
تموتُ النفوسُ بأوصابِهِا ولم تشكُ عوَّدُاها ما بِهَا
وما أنصفَتْ مهجةٌ تشتكِي هواها إلى غيرِ أحبابِهِا
وينشد أيضًا:
من لم يُقَدْ ويُدَسَّ في خيشومِهِ رهجُ الخميسِ فلن يقودَ خَمِيسَا
"انتهى
وقال في أعيان العصر:" قلت أنا أيضًا أرثيه:
إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضى ضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدى وأيُّ بحرٍ في الثَّرى غُيِّضا
وأيّ شرِّ فتحت عينُهُ وأيُّ خيرٍ طرفُه غُمِّضا
يا وَحشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِه فرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيمًا من ال علم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌ تَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُه أعادَه يومَ هُدِي أبيضا
[ ٦٥ ]
تراه إن بَرْهَنَ أقوالَهُ فقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا
وربحُه في مَددٍ طافحٍ وخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقه وهو بالحقِّ قد أجْرِضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقًا مِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسدًا حادِرا أضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِه وخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورى لقوله طوعًا وقد قيَّضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّه ولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم ال أمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرى أيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى ال حقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍ لمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَه والله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌ وعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضت بزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاته مناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌ في كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهرًا وكم سَلَّ حّسامًا في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندما شدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلا كالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكا بالحق حتى إنّه أجهَضا
[ ٦٦ ]
ولم يكن فيه سوى أنه خالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعًا فيه الدّليل الذي بدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربه ما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البنا وذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضًا ثوى فيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى
وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:
ثلاثةٌ ليسَ لهم رابعٌ فلا تكنْ من ذاكَ في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى يقصًرُ عنهم وصفُ من يحكي
فإن تَشَا قلت: ابنُ تَيْمِيَّةٍ وابنُ دَقِيقٍ العيدِ والسُبْكِي
"انتهى
قلت: السبكي ليس بشيء بل هو أشعري محترق فلعله غرهم بعلمه في الفروع والأصول المختلطة بالكلام المذموم والشقشقات الاعتزالية ونحو ذلك.
ونقل الصفدي في الوافي بالوفيات عن الشيخ شعرًا على لسان الفقراء:
واللهِ ما فَقْرُنا اختيارٌ وإنما فقرُنا اضطرارُ
جماعةٌ كلُّنا كُسالى وأكلُنا ما له عِيارُ
تسمعُ منَّا إذا اجتمعنا حقيقةً كلُّها فِشَارُ
[ ٦٧ ]
وهكذا نقلها ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات.
****