ذكره ابن عبد الهادي في ترجمة الشيخ، وقال:" هذه القصيدة نظم الشيخ عبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الأصل الدمشقي الحريري المعروف بالمتيم يرثي الشيخ تقي الدين ابن تيمية وهو أحد أصحابه ﵁ وأرضاه:
لقد عذبوا قلبي بنارِ المحبةِ وذابَ فؤادي من فِراقِ الأحبةِ
وزادَ غرامي في اشتياقي إلى الحمى وهيَّجَ بلبالي حنيني ولوعتي
فيا عظمَ أحزاني ووجدي عليهمو ويا طولَ أشواقي إليهم ووحشتي
فلم أنسَ أيامًا تقضت بقربِهم ومن عيشتي لما تولوا تولت
ملأت النواحي من نواحي وكيفَ لا أنوحُ على قومٍ همو خيرُ جيرتي
ومن عجبي أنِّي أحنُّ إليهم وقد سكنوا قلبي وروحي ومهجتي
ذكرتُ فلم أنسى زمانَ وصالِهم أأنسى ليالٍ بالعُذَيبِ تَقْضَتِ
منازلُ أحبابي مواطنُ سادتي مطالعُ أقماري شروقُ أهلتي
معاهدُ أفراحي ديارُ سعادتي مواسمُ أرباحي أويقاتُ لذتي
مضت وانقضت عني كأنَّ لم أكن بها وما ذاك إلا من ترادفِ غفلةِ
أعللُ روحي بالغويرِ وبانةٍ وما شوقُها إلا لسكانِ رامةِ
إذا لم يلح لي بارقٌ من حماهمو فيا خيبة المسعى ويا طولَ شقوتي
وإن لم أقض العمرَ بين خيامِهم فلا عشت في الدنيا ولا نلتُ منيتي
وإن لم أشاهدْ حسنَهم في مشاهدي فقد فاتني سؤلي ومتُّ بحسرتي
وإن لم أجد نورَ الهدى من خبائِهم يضيءُ به قلبي فيا عظمَ حيرتي
[ ٨٢ ]
لغير رضاهم ما تمنت مطامعي ولا لسواهم ما حلالي تلفتي
يقولون لي: لم لا سلوت هواهمو فقلت دعوني ما بليتم بمحنتي
ولا ذقتمو ما ذاق قلبي من الجوى ولا مسكم ضُرِّي وناري وحرقتي
فهل لي جنانٌ أن يهم بغيرهم وهل لي لسانٌ أن يفوه بسلوتي
وحاشاي أن أسلو هواهم وحبَّهم يذكرُني حفظَ العهودِ القديمةِ
فهم سرُّ أسراري ونورُ مناظري وروحي وريحاني وأنسى وبهجتي
وهم عينُ أعياني وقلبي وقالبي وهم منتهى قصدي ومشهد رؤيتي
وهم في معاينهم حياتي حقيقةً وهم في مغانيهم أهيلُ مودتي
وهم في تجليهم شموسُ إذا بدوا وهم في تجنيهم رياضي ونزهتي
وهم أينما كانوا نهايةَ مقصدي وهم أينما حلوا مرادي وبغيتي
وهم نورُ أنواري وسرُّ حقائقي وهم أنسُ تأنيسي ومأمنُ خيفتي
ترى يشتفي قلبي برؤيتهم على رياضِ الهنا يومًا وتبردُ غلتي
وتحيا بهم روحي حياةً هنيئةً مسرمدةَ التنعيمِ في روضِ جنَّةِ
إذا سمحوا لي نظرةً من جمالِهم فقد نلت من رضوانهم كلَّ وصلةِ
عليهم سلامُ اللهِ ما هبت الصَّبا وما ناحت الأطيارُ شوقًا وحنَّتِ
وقد آن أن أبدي خفايا صبابتي وأظهرَ للعذالِ أصلَ رزيتي
وأبكي على من كان يجمعُ شملَنا على طاعةِ الرحمنِ في كلِّ لمحةِ
وأندبُ أحزاني بما قد أصابني وأنثرُ اشجاني بنظمِ قصيدتي
فقدت إمامًا كان أوحدَ عصرِهِ وقد فجعت فيه جميعُ البريةِ
فقدت إمامًا لم يزل متوكلا على الله لا يصغي إلى غير سنَّةِ
فقدت إمامًا كان بالعلم عاملا وكان حقيقًا قامعًا كلَّ بدعةِ
[ ٨٣ ]
أتى بكتابِ اللهِ والسنَّةِ التي علت وارتقت حقًا على كلِّ ملةِ
أتى بأحاديثِ الرسولِ وشرحِهَا وعمن رواها بالمتونِ الصحيحةِ
أتى بعلومِ العالمينَ جميعِهَا بزهدٍ وتأييدٍ ودينٍ وقوةِ
أتى بأصولِ الدينِ والفقهِ مجملا وفصَّلها تفصيلَ من غيرِ شبهةِ
أتانا بأحوالِ الرسولِ حقيقةً وسيرتِهِ تسمو على كلِّ سيرةِ
أتانا بأحوالِ الصحابةِ كلِّهم والتابعينَ الملةِ المستقيمةِ
أتانا بأوصافِ الأئمةِ كلِّها وصنَّف كتبًا في صفاتِ الأئمةِ
أتانا بوصفِ الصالحين وحالِهم وما هم عليه من جميلِ العقيدةِ
وعلَّمنا شرعَ الرسولِ ودينَهُ بأفصحِ ألفاظٍ وأصدقَ لهجةِ
وأعلمنا أن النجاةَ من الهوى تمسكُنَا بالسُّنَّةِ النبويةِ
وحذرنا من كل زيغٍ وبدعةٍ وعن كلِّ طاغٍ خارجٍ عن محجَّةِ
وناظرَ أربابَ العقائدِ كلَّهم وبيَّن من قد ضلَّ من كلِّ فرقةِ
وردَّ على أهلِ الضلالِ جميعِهم بأوضحِ برهانٍ وأبلغِ حجةِ
وبيَّن تكذيبَ اليهودِ وخبثَهم وما بدَّلوا في الملةِ الموسويةِ
وأخبرهم عن سرِّ أسبابِ كفرِهم فتعسًا لهم من أمةٍ غضبيَّةِ
وأظهر أيضًا للنصارى ضلالَهم وما أحدثوا في الملةِ العيسويةِ
وباحثَهم حتى تبينَ أنهم سكارى حيارى بالطباعِ الخبيثةِ
وردَّ على كتبِ الفلاسفةِ الأولى بمنقولِ أحكامٍ ومعقولِ حكمةِ
وقرر إثباتَ النبواتِ عندهم وجال عليهم كرةً بعدَ كرةِ
وردَّ على جهمٍ وجعدِ بنِ درهمٍ وبشرِ المريس عمدةِ الجهميّةِ
زنادقةٌ كم أهلكوا من عوالمٍ بسوءِ اعتقاداتِ النفوسِ السقيمةِ
[ ٨٤ ]
وجادلَ أهلَ الاعتزالِ جميعَهم وسلَّ عليهم سيفَه بالأدلةِ
يقولون: قولُ اللهِ من بعضِ خلقِهِ لقد كبكبوا في قعرِ نارِ حميّةِ
وباحثَ أشياخَ الروافضِ وانثنى يقاتلُهم بالدِّرةِ العُمَرِيَّةِ
لأنهمو عادوا خواصَ محمدٍ وسبّوا فهم في الأصلِ شرُّ الخليقةِ
بغوا وافتروا جهلًا فهم أنجسُ الورى وأكذبُ خلقِ اللهِ من كلِّ فرقةِ
وهم خصماءُ الله تبًّا لدينِهم وبعدًا لهم من عصبةٍ ثنويةٍ
فكم أحدثوا في ديننا من ضلالةٍ فلا مرحبًا بالفرقةِ القَدَرِيَّةِ
وردَّ على قومٍ تربت نفوسُهُم على النفيِ والتعطيلِ من غيرِ حجةِ
وردَّ على قومٍ وشتَّت شملَهم وهم أهلُ تشبيهٍ أتوا بكبيرةِ
وردَّ على أهلِ التناسخِ عندما تجروا وخاضوا في أمورٍ عظيمةِ
ومزَّقهم في كلِّ وادٍ لأنَّهم يقولون لا شيءٌ سوى البرزخيةِ
وقد أنكروا أمرَ المعادِ بقولِهم نفوسٌ نأت عنا وفي الغيرِ حلَّتِ
وجاهدَ أهلَ الاتحادِ وردَّهم إلى أشرفِ المسرى وأهدى طريقةِ
وأنقذَهم من ظلمةِ الجهلِ والعَمَى بنورٍ وبرهانٍ ودينِ النصيحةِ
وردَّ على أهلِ الحُلولِ فإنَّهم يرون تجلي الحقِّ في كلِّ صورةِ
وقد زعموا أن التجلي مظاهرٌ ولا سيما في صورةٍ أمرديةِ
فمن أجل هذا يرقصون ديانةً وفي رقصِهم جاءوا بكلِّ قبيحةِ
يرون شهود المردِ والرقصَ قربةً فيا ويلَهم من خزي يومَ الفضيحةِ
وردَّ على أتباعِ إبليسَ عندما رآهم وقد مالوا إلى الجبريةِ
وكم قد طوى في علمِهِ من طوائفٍ حروريةٍ منهم على حَشَويَّةِ
مطايا بنياتِ الطريقِ سرت بهم إلى أن أناخوا في عراصِ القطيعةِ
[ ٨٥ ]
وفي بحر آراء العقائدِ أغرقوا رمتهم خيالاتُ العقولِ السخيفةِ
وكم قد أراهم كلَّهم سبلَ الهدى وكم قد نهاهم مرةً بعدَ مرةِ
فمن كان قطبَ الكونِ في حالِ عصرِهِ سواه ومن قد فاز بالبدليةِ
شجاعٌ همامٌ بارعٌ في صفاتِهِ يرومُ مرامًا في المراقي العليةِ
تزهَّدَ في كلِّ الوجودِ وغيرِهِ يدورُ على الدنيا بنفسٍ دنيةِ
يجود على المسكينِ في حالٍ عسرِهِ بأطمارِهِ في حبِّ باري البريّةِ
ويلقى لمن يلقاه بالبشرِ والرضا بأوصافِهِ الحسنى ونفسٍ زكيةِ
ويدعو لمن قد نال من ثلم عرضِهِ ولم ينتقم ممن أتى بالأذيةِ
يسارعُ في الخيراتِ سرًّا وجهرةً ويلهو عن اللذاتِ في كلِّ طرفةِ
يجاهدُ في اللهِ الكريمِ بجهدِهِ بصدقٍ وإخلاصٍ وعزمٍ ونيةِ
ويأمرُ بالمعروفِ حبًّا لربِّهِ وينهى عن الفحشاءِ نهيًا بهمةِ
تقيٌّ نقيٌّ طاهرُ الذيلِ مذ نشا كريمُ السجايا ذو صفاتٍ حميدةِ
أليس الذي قد شاع في الكون ذكرُهُ وعمَّ البرايا بالفتاوى العظيمةِ
فمن كان تاجَ العارفين لوقتنا وشيخَ الهدى قل لي بغير حميةِ
هو الحبرُ والقطبُ الذي شاع ذكره وفاح شذاه كالعبيرِ المفتَّتِ
إذا ما ذكرنا حالَهُ وصفاتِهِ كأنَّا حللنا في نعيمٍ وروضةِ
تهنأ أبا العباس بالقربِ والرِّضا لقد نلت ما ترجو بكل مسرةِ
ألا يا تقيَّ الدينِ يا فردَ عصرِهِ بروقك قد لاحت كشمسٍ مضيئةِ
وبانت لكلِّ الناسِ أوصافُك التي برزت بها مثلَ العيونِ الغزيرةِ
ظهرت بأنواعِ العلومِ وجنسِها وسارت بها الركبان في كلِّ بلدةِ
فأظهرتَ ما قد كان للناسِ خافيا بكلِّ معانٍ والفنونِ الغريبةِ
[ ٨٦ ]
وأوضحت إشكالًا وبينت مبهما وأبديت أسرارًا بنفسٍ عليمةِ
وكم غصت في بحرِ المعارفِ غوصةً ولججت فاستخرجت كلَّ يتيمةِ
ظهرت بإحسانٍ وحسنِ سماحةٍ ودينٍ وتوحيدٍ وكلِّ فضيلةِ
خرجت من السجنِ الذي كان ضيقا إلى دارِ فوزٍ في رياضٍ فسيحةِ
وقد نلت من مولاك ما كنت راجيا وأشهدك المعنى بعينٍ قريرةِ
حملت على النعشِ الذي كان تحته مئين ألوفًا في بكاءٍ وضجةِ
وصلى عليك الحاضرون جميعهم بحسن اعتقاد فيك يا شيخ قدوة
وأما النساءُ المؤمنات فإنهن خرجن حيارى فوجةً بعد فوجةِ
ومعهن أبكارٌ تحجبن بالتقى ينحن بأكبادٍ عليك حزينةِ
صبرت على الأحكامِ طوعًا وطاعةً وذقت من الآلامِ طعمَ البليّةِ
وكنت حمولًا للنوائب كلِّها صبورًا على الأقدارِ في دارِ غربةِ
وأوسعت صدرًا للمقاديرِ عندما شهدت جمالَ الحبِّ في كلِّ خلوةِ
ولاحت لك الأنوارُ بالمشهد الذي تطوفُ به الأنوارُ في روضِ جنّةِ
وعاينت موجودًا تعالت صفاتُه وشاهدت محبوبًا بعينِ البصيرةِ
فلا أوحش الرحمنُ منك ولا خلت ربوعُك من تلك العلومِ الجليلةِ
ولا أقفرت منك الطلولُ ولا نأت ديارُك من تلك الصفاتِ الجميلةِ
ولا سكنت يومَ الوداعِ دموعُنا ولااكتحلت فيك الجفونُ بغمضةِ
ولا احتجبت أسماعنا عنك ساعةً ولا أيست منك العيونُ بنضرةِ
لقد كنت روحًا للقلوبِ وراحةً وقوتًا وأنسًا للنفوسِ النفيسةِ
تمسكت بالدين الحنيفيِّ والهدى وبالعروةِ الوثقى وأصلِ الشريعةِ
ظهرت إلى الدنيا بأحسنِ مظهرٍ ورحت إلى الأخرى بأكملِ روحةِ
[ ٨٧ ]
وودعتنا توديعَ من غيرِ راجعٍ وفارقتنا والدارُ غيرُ بعيدةِ
شربت بكأسِ العارفين مدامةً حقيقُتها من سرِّ عينِ الحقيقةِ
وجدتَ بكأسِ الفضلِ منك تكرما على تابعين السنةِ الأحمديةِ
فسبحانَ من أعطاك من فضلِ جودِهِ لقد نلتَ قربًا لا ينالُ بحيلةِ
لقد عشت محبوبًا ومتَّ مكرما عليك من الرحمنِ أزكى تحيني
وما برحت تعلوك أنوارُ أنسِهِ وما زلت في عزٍّ وقربٍ ورفعةِ
ومأواك جناتُ النعيمِ مع الذي تفرد من بين الورى بالوسيلةِ
نبي الهدى خيرُ الورى صاحبُ اللوا شفيعٌ على الإطلاقِ في كلِّ أمةِ
عليه صلاةُ الحقِّ ثم سلامُه على عددِ الأنفاسِ في كلِّ طرفةِ
وبعد فللهِ المحامدُ كلُّها على ما أرانا من وضوحِ المحجةِ
وها أنا يا ربِّي عبيدٌ متيّمٌ عساك ترى حالي وتغفرُ زلتي
تمت وعدتها مائة وسبعة وعشرون بيتا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وله -أيضًا﵀ يرثي شيخ الإسلام ابن تيمية مرة أخرى:
لله عيشًا تقضّى بالثنياتِ مع جيرةٍ لذّ لي فيهم صباباتي
ما كان أهنا زماني في ربوعهمو والسعدُ يسعى بما فيها إراداتي
والكأسُ تجلى بأنواعِ السرورِ وفي قربَ الأحبةِ تبدو لي سعاداتي
إذا تجلوا على قلبي بحسبهم كأنَّني في نعيمٍ وسطَ روضاتي
قد كنت في قربِهم والوصلُ مقترني لم يخطرِ الصدُّ والهجرانُ في ذاتي
[ ٨٨ ]
واليومَ أصبحت أبكي بعدَ بُعْدِهِمُ لما تناءوا نأت عني مسراتي
وغاب مذ غاب عن عيني جمالهمو راحي وروحي وريحاني وراحاتي
ولا صفا بعدهم عيشي بمنهلةٍ ومذ تولوا تولى طيبُ لذاتي
يا سادةً ملكوا قلبي بلطفهم ما ضرَّهم لو أعادوا لي أويقاتي
همو مرادي وهم سمعي وهم بصري وهم نعيمي وروضاتي وجناتي
وهم حياتي وهم أنسي وهم شرفي وذكرهم لم يزل في القلبِ جلواتي
لهفي على زمنٍ ولي وما ظفرت روحي بما ترتجى يومَ الأثيلاتِ
لما سروا وفؤادي في هوادجهم ناديت من حرقي يا عظمَ لوعاتي
ما كنت أعلمُ قربي في محبتهم حتى رمتني إلى الأبعادِ راياتي
فاندب على ما مضى من عيشنا وصفا وابكِ على ما قد جرى يا قلبي العاتي
واذكر مصارعَ قومٍ كيفَ قد شربوا بعد الزلالِ بكاساتِ المنياتِ
فأصبحوا في الثرى تبلى وجوههم تحتَ الترابِ فيا عظمَ المصيباتِ
أأنت من بعدهم تسري كسيرهم إمّا بدارِ هوانٍ أو بجناتِ
أقولُ ما قاله العبدُ المنيبُ وقد أودى به السجنُ في بِرٍّ وطاعاتِ
أنا الذليلُ أنا المسكينُ ذو شجنٍ أنا الفقيرُ إلى ربِّ السمواتِ
أنا الكسيرُ أنا المحتاجُ يا أملي جد لي بفضلِك واعفُ عن خطياتي
أنا الغريبُ فلا أهلٌ ولا وطنٌ أنا الوحيدُ فكن لي في ملماتي
أنا العبيدُ الذي ما زلت مفتقرا إليك يا سيدي في كلِّ حالاتي
ما لي سواك وما لي عنك منصرفٌ ذكراك في القلبِ قرآني وآياتي
أنت القديرُ على جبري بوصلك لي أنت العليمُ بأسراري الخفياتِ
أدعوك يا سيدي يا مشتكى حزني يا جابري يا مغيثي في مهماتي
[ ٨٩ ]
فانظر إلى عبرتي وارحم صبا جسدي يا راحمَ الخيرِ يا باري البرياتِ
ما زال مفتقرًا في بابَ سيِّدِهِ ما زال مبتليًا بالإمتحاناتِ
يهدي لسنّتِهِ يفتي بشرعتِهِ يرعى لحرمتِهِ في كلِّ ساعاتِ
قطبُ الزمانِ وتاجُ النّاسِ كلهمو روحُ المعاني حوى كلَّ العباداتِ
حبرُ الوجودِ فريدٌ في معارفِهِ أفنى بسيفِ الهدى أهلِ الضلالاتِ
حوى من المصطفى علمًا ومعرفةً وجاءه منه إمدادُ النّوالاتِ
ما جاء سائلٌ إلا ويمنحُهُ إمّا بجودٍ وإمّا بالمداراةِ
ماذا أقولُ وقولي فيه منحصرٌ في وصفِ أخلاقِهِ كلَّت عباراتي
في علمه ما علمنا من يناسبُهُ إلا أئمتَنَا أهلَ العناياتِ
في زهدِهِ ما سمعنا من يشاكلُهُ إلا رجالٌ مضوا أهلُ الكراماتِ
في جودِهِ ما وجدنا من يماثلُهُ غيرَ البرامكِ كانوا في سعاداتِ
يجودٍ وهو فقيرٌ إن ذا عجبٍ هو الذي ما سمعنا في الحكاياتِ
تلوح شمسُ المعالي في شمائلِهِ وفي صفا وجهِهِ نورُ الهداياتِ
بحرُ المعارفِ تاهوا في بدايتِهِ أهلُ المعاني وأربابُ النهاياتِ
قطبُ الحقائقِ حاروا في فضائلِهِ أهلُ التصوفِ أصحابُ الرِّياضاتِ
أعجوبةُ الدهرِ فردٌ في فضائلِهِ علامةُ الوقتِ في الماضي وفي الآتي
والهفَ قلبي على من كان يجمعُنا على فنونِ المعاني والإشاراتِ
فارقت من كان يرويني برؤيته إذ تبدى بدى سرُّ العباداتِ
يروي الأحاديثَ عن سكانِ كاظمةٍ فيَطْرَبُ الكونُ من طِيبِ الرواياتِ
ويطنبُ الذكرُ في إحسانِ حسنِهِمُ فيرقصُ القلبُ شوقًا نحوَ ساداتِ
أفضى إلى اللهِ والجناتُ مسكنُهُ عليه من ربِّه أزكى تحياتِ
[ ٩٠ ]
ثم الصلاةُ على خيرِ الأنامِ ومن قد خصَّهُ اللهُ من بين البرياتِ
اختاره ليلةَ الإسرا لحضرته حتى تجلى له ربُّ السمواتِ
فهو الشفيعُ الذي ترجى شفاعتُهُ عند الشدائدِ في يومَ المجازاةِ
عليه مني سلامُ الله ما همعت سحبٌ وجادت بالزياداتِ
والحمدُ لله حمدًا لا انقطاعَ له أرجو به من إلهي محوَ زلاتي
تمت وعدتها خمسة وخمسون بيتًا.
وسئل الناظم لهذه القصيدة عن عمره، فقال: نحو التسعين، ومولدي ببلاد الروم. وتوفي يوم الأربعاء سادس شعبان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، ودفن بباب الصغير -رحمه الله تعالى، ورضي عنه-.
****