وهو العالم المتفنن المتقن أخو شيخ الإسلام ابن تيمية، سمع من ابن أبي الخير، وابن أبي عمر، وابن الدرجي، سمع المسند والكتب الستة وأشياء أخرى، وكان فقيهًا فاضلًا على سبيل السلف في الأصول والفروع، استفاد من أخيه ونافح عنه وتقلد نصرته، ولم يعتن بالتصنيف.
[ ٩١ ]
قال ابن عبد الهادي:" كان ﵀ شديد الخوف والشفقة على أخيه شيخ الإسلام".
وكان الشيخ ابن تيمية يعظمه ويكرمه.
وقال ابن حجر:"كان علماء عصره يفضلونه على أخيه ابن تيمية..".
قلت: وهؤلاء الذين يحكي عنهم ابن حجر ذلك هم الأشاعرة الحاقدون على جهبذ وقته وما بعد وقته الشيخ أبي العباس، وإلا فإن شرف الدين كان يذبُّ عنه ويفضِّلُهُ على نفسه كما هو مذكور في ترجمة ابن عبد الهادي وغيره، وهذا عجيب من الحافظ أن ينقل ذلك ويسكت عليه، وهو إنما نقله عن الصفدي الذي ذكره عن بعض الفضلاء! فلا عجب لأنه يَعُدُّ من الفضلاء بل من أكابر الفضلاء التقي السبكي الذي هو وابنه من أشد الناس على ابن تيمية ﵀.
قال ابن رجب:" سمع " المسند " و" الصحيحين " وكتب السنن. وتفقه في المذهب حتى برع وأفتى. وبرع أيضًا في الفرائض والحساب، وعلم الهيئة، وفي الأصلين والعربية. وله مشاركة قوية في الحديث. ودرس بالحنبلية مدة.
وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير شريف النفس، شجاعًا مقدامًا، مجاهدًا زاهدًا، عابدًا ورعًا، يخرج من بيته ليلًا، ويأوي إليه ليلًا، ولا يجلس في مكان معين، بحيث يقصد فيه، لكنه يأوي إلى المساجد المهجورة خارج البلد، فيختلي فيها للصلاة والذكر. وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف"انتهى
[ ٩٢ ]
قلت: لعل ابن رجب نقل هذا عن ابن عبد الهادي فهذا بمعناه في ترجمة ابن تيمية له، وهو في هذا يشبه أخاه الشيخ تقي الدين فقد قال ابن عبد الهادي حكاية عنه:" كان ﵀ يقول ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني".
وقال ابن رجب:" كان له يد طولى في معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وهْي التواريخ المتقدمة والمتأخرة".
قلت: وليس له في لك كتابٌ، نقل ذلك الصفدي عن الذهبي كما في أعيان العصر له. ونقل عنه الحافظ الذهبي فوائد منها ما في تاريخ الإسلام، وكذلك الشيخ ابن القيم يذكر أنه من شيوخه ذكر له فوائد في كثير من كتبه منها طريق الهجرتين وغيره.
ولعله لم يؤلف كتابًا اكتفاء بلسان أخيه وكتبه، وهذه عادة أهل العلم إذا وجدوا من يكفيهم شأن دعوة الخلق والتصنيف في العلم، ولذا كان بعضهم يحرق كتبه إذا علَّمها الناس وتناقلوها، وهكذا كانت حال جهبذ المصريين الشيخ عبد الرزاق بن عفيفي فإنه لم يؤلف كتابًا مستقلًا في فن ولم يعتن بهذا الشأن، وسئل عن ذلك فأجاب بما حاصله أن الناس قد كفوه ذلك من معاصريه ومن قبلهم من العلماء، ﵀ ونفعنا بعلمه.
[ ٩٣ ]
وسئل عنه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني؟ فقال: هو بارع في فنون عديدة من الفقه، والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبارة، قوي في دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه، مليح البحث، صحيح الذهن، قوي الفهم رحمه الله تعالى.
وقال الذهبي:" كان بصيرًا بكثير من علل الحديث ورجاله، فصيح العبارة، عالمًا بالعربية، نقالًا للفقه، كثير المطالعة لفنون العلم، حلو المذاكرة، مع الدين والتقوى، وإيثار الانقطاع، وترك التكلف والقناعة باليسير، والنصح للمسلمين ﵁".
وقال:" كان إمامًا بارعًا، فقيهًا عارفًا بالمذهب وأصوله، وأصول الديانات، عارفًا بدقائق العربية، وبالفرائض والحساب والهيئة المحفوظ، له مشاركة جيدة في الحديث، ومشاهير الأئمة والحوادث، ويعرف قطعة كثيرة من السيرة. وكان متقنًا للمناظرة وقواعدها. والخلاف. وكان حلو المحاضرة متواضعًا، كثير العبادة والخير، ذا حظ من صدق وإخلاص وتوجه وعرفان، وانقطاع بالكلية عن الناس، قانعًا بيسير اللباس".
وقال الصفدي:" كان لسنًا فصيحًا، جزل العبارة مديد الباع فسيحًا، غزير مادة العلم كثير الإغضاء والحياء والعلم، بصيرًا بالقواعد، حاويًا لكثير من غرائب المسائل الأباعد، كثير الإنصاف إذا بحث، إذا سكت خصمه حضه على الكلام وحث، زائد التعفف قادرًا على التقشف مع الدين المتين، والإخلاص المبين،
[ ٩٤ ]
واسع قميص الزهد، مغتبطًا بما عنده من الجهد، منقبضًا عن الناس، منجمعًا عن مخالطة الأدناس، يتنقل في المساجد المهجوره، ويقيم فيها كثيرًا لا لضروره، يختفي فيها أياما، ويهجر بها ما عساه أن يهجر دوامًا، مع ما أحكمه من الفقه والعربية، والنكت الأدبية، وبرع فيه من معرفة السيرة وكثير من التاريخ وأسماء الرجال، وما يتسع في ذلك من المجال، ورأيت كثيرًا من الفضلاء يقول: هو أقرب من أخيه إلى طريق العلماء، وأقعد بمباحث الفضلاء، وكان أخوه العلامة تقي الدين يحترمه ويتأدب معه، ويحذر أن يخدعه"انتهى
قلت: مقالته (يحذر أن يخدعه) عجيبة جدًا أن تخرج من رجل تتلمذ على الشيخ ابن تيمية، وعلم فضله وجهاده وما أوتيه من القوى العلمية والأحوال الإيمانية.
وقال ابن المحب: بلغني أنه كان يقول:" يقول: أخي نادر الغلط، وكان أبو محمد من الناقدين حديثًا وفقهًا وعربية".
وقال ابن عبد الهادي:" توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادي الأولى من سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وصلى عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، وحمل إلى باب القلعة، فصلى عليه مرة أخرى، وصلى عليه أخوه وخلق من داخل القلعة، وكان الصوت بالتكبير يبلغهما، وكثر البكاء في تلك الساعة وكان وقتًا مشهودًا، ثم صلي عليه مرة ثالثة ورابعة، وحمل على الرؤوس والأصابع إلى مقبرة الصوفية، فدفن بها وحضر جنازته جمع كثير وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه".
****
[ ٩٥ ]