هو الإمام المتضلع الجهبذ، والجبل الراسخ، والأصولي الفقيه النحوي البياني المبرز، أكبر تلامذة الشيخ -﵀-، وأجل أصحابه بلا مدافعة اللهم إلا المزي فيُتَوقَّفُ عِنْدَئِذٍ.
سمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدايم، وجماعة.
وتفقه في المذهب وغيره، وأفتى وصنف وبرع، وحصل الكتب والمجامع، وحاز العلوم وتقدم، لازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية من سنة اثنتي عشرة، وأخذ عنه واكتسب سمته وشرح مذهبه وتقلد مسائله، ودافع عنه، ورتب أقواله، وأكثر النقل عنه في كتبه.
قال ابن رجب:" كان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى".
[ ١٣٦ ]
وقال الذهبي:" عنى بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل في الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفي الأصلين. وقد حبس مدة، لإِنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل، وتصدى للأشغال، وإقراء العلم ونشره".
وقال ابن رجب تلميذه:" كان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشفف بالمحبة، والإِنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والإنكسار له، والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أرَ في معناه مثله. وقد امتحن وأوفي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردًا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القراَن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه (قصيدته النونية الطويلة) في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره".
[ ١٣٧ ]
وقال ابن كثير:" سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين ولما عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا وكثرة الابتهال، وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدًا ولايؤذيه ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدًّا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك﵀-".
وقال ابن حجر:" كان جرئ الجنان واسع العلم عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه، ونشر علمه، وكان له حظ عند الأمراء المصريين".
قلت: بل كان يخالفه أحيانًا، ولكنّها قليلة، وهي بإسهاب في ما سطره المعاصرون في درياتهم حياة الإمام ابن القيم، كدراسة بكر بن عبد الله أبي زيد﵀-.
[ ١٣٨ ]
وقال في تقريظ الرد الوافر:" لو لم يكن للشيخ تقي الدين إلا تلميذه الشيخ شمس الدين ابن القيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته"انتهى
وقال أبو بكر بن المحب: قلت لشيخنا الحافظ المزي: ابن القيم في درجة ابن خزيمة؟ فقال: هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه.
وقال القاضي برهان الدين الزرعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
وله في الشيخ ابن تيمية ما لا يحصى من المدائح النثرية والنظمية، ومنها قوله في قصيدته النونية:
وإذا أردتَ ترى مصارعَ منْ خَلَا مِن أُمَّةِ التعطيلِ والكُفْرَانِ
وتراهمُ أسرى حقيرٌ شأنُهُم أيديهُمُ غُلَّتْ إلى الأَذْقَانِ
وتراهُمُ تَحْتَ الرِّماحِ دَرِيئةً ما فيهم من فارسٍ طَعَّانِ
وتراهُمُ تحتَ السِّيوفِ تنوشهم من عن شمائِلِهم وعن أيمانِ
وتراهم انسلخوا من الوحيينِ والعـ ـقلِ الصحيحِ ومقتضى القرآنِ
وتراهُمُ واللهِ ضِحْكَةَ ساخرٍ ولطالما سَخِروا من الإيمانِ
قد أوحشت منهم ربوعٌ زادهـ ـها الجبَّارُ إيحاشًا مدى الأزمانِ
وخلت ديارُهُمُ وشُتِّتَ شملُهُم ما فيهمُ رجلانِ مجتمعانِ
قد عطَّل الرحمنُ أفئدةً لهم من كلِّ معرفةٍ ومن إيمانِ
إذ عطَّلوا الرحمنَ من أوصافِهِ والعرشُ أخلوْهُ من الرحمنِ
بل عطلوه عن الكلامِ وعن صفا تِ كمالِهِ بالجهلِ والبهتانِ
[ ١٣٩ ]
فاقرأ تصانيفَ الامامِ حقيقةً شيخِ الوجودِ العالمِ الرَّبَّانِي
أعني أبا العباسِ أحمدَ ذلـ ـك البحرُ المحيطُ بسائرِ الخِلْجَانِ
واقرأ كتابَ العقلِ والنقلِ الذي ما في الوجودِ له نظيرٌ ثانِ
وكذاك منهاجٌ له في ردِّهِ قولَ الروافضِ شيعةِ الشيطانِ
وكذاك أهلُ الاعتزالِ فإنه أرداهُمُ في حُفْرَةِ الجبَّانِ
وكذلك التأسيسُ أصبحَ نقضُهُ أعجوبةً للعالمِ الرَّبَّانِي
وكذاك أجوبةٌ له مصريةٌ في ستِّ أسفارٍ كُتِبْنَ سمانِ
وكذا جوابٌ للنصارى فيه ما يشفي الصدورَ وإنَّه سِفْرَانِ
وكذاك شرحُ عقيدةٍ للأصبها ني شارحِ المحصولِ شرحَ بيانِ
فيها النبواتُ التي إثباتُهَا في غايةِ التقريرِ والتِبْيَانِ
واللهِ ما لأولي الكلامِ نظيرُهُ أبدًا وكُتْبُهُمُ بكلِّ مَكَانِ
وكذا حدوثُ العالمِ العلـ ـويِّ والسُّفليِّ فيه في أتمِّ بيانِ
وكذا قواعدُ الاستقامةِ إنَّها سفرانِ فيما بيننا ضخمانِ
وقرأتُ أكثرَهَا عليه فزادني واللهِ في علمٍ وفي إيمانِ
هذا ولو حدثتُ نفسي أنَّه قبلي يموتُ لكانَ هذا الشانِ
وكذاك توحيدُ الفلاسفةِ الألى توحيدُهُم هو غايةُ الكُفْرَانِ
سفرٌ لطيفٌ فيه نقضُ أصولِهِم بحقيقةِ المعقولِ والبرهانِ
وكذاك تسعينيةٌ فيها له ردٌّ على من قال بالنفسانِي
تسعونَ وجهًا بينت بطلانَهُ أعني كلامَ النفسِ ذا الوحدانِ
وكذا قواعدُهُ الكبارُ وإنها أوفى من المائتينِ في الحُسْبانِ
لم يتسعْ نظمي لها فأسوقَها فأشرتُ بعضَ إشارةٍ لبيانِ
[ ١٤٠ ]
وكذا رسائِلُهُ إلى البلدانِ والأ طرافِ والأصحابِ والإخوانِ
هي في الورى مبثوثةٌ معلومةٌ تبتاعُ بالغالي من الأثمانِ
وكذا فتاواه فأخبرني الذي أضحى عليها دائمَ الطَوَفَانِ
بلغ الذي ألفاهُ منها عدةً الأ يامِ من شَهْرٍ بلا نُقْصَانِ
سفرٌ يقابلُ كلَّ يومٍ والذي قد فاتني منها بلا حُسْبَانِ
هذا وليس يقصِّرُ التفسيرُ عن عشرٍ كِبارٍ ليس ذا نقصانِ
وكذا المفاريدُ التي في كل مسـ ـألةٍ فسفرٌ واضحُ التبيانِ
ما بين عشرٍ أو تزيدُ بضعفِهَا هي كالنجومِ لسالكٍ حَيْرَانِ
وله المقاماتُ الشهيرةُ في الورى قد قامها للهِ غيرَ جبانِ
نصر الإلهَ ودينَهُ وكتابَهُ ورسولَهُ بالسيفِ والبرهانِ
أبدى فضائِحَهم وبيّن جهلَهُم وأرى تناقضَهُم بكلِّ زَمَانِ
وأصارهم واللهِ تحت نعالِ أهـ ـلِ الحقِّ بعدَ ملابسِ التيجانِ
وأصارهم تحتَ الحضيضِ وطالما كانوا هم الأعلامُ للبُلْدَانِ
ومن العجائبِ أنَّه بسلاحِهِم أرداهُمُ تحتَ الحضيضِ الدَّانِي
كانت نواصينا بأيديهم فما منَّا لهم إلا أسيرٌ عَانِ
فغدت نواصيهم بأيدينا فما يلقوننا إلا بحبلِ أمانِ
وغدت ملوكهم ماليكًا لأنصـ ـارِ الرسولِ بمنةِ الرحمنِ
وأتت جنودُهُمُ التي صالوا بها منقادةً لعساكرِ الإيمانِ
يدري بهذا من له خبرٌ بما قد قاله في ربِّهِ الفئتانِ
والفَدْمُ يوحشُنا وليسَ هناكُمُ فحضورُهُ ومغيبُهُ سِيَّانِ
ومن ذلك قوله -أيضًا-:
[ ١٤١ ]
يا قومُ واللهِ العظيمِ نصيحةٌ من مشفقٍ وأخٍ لكُمْ مِعْوانِ
جرَّبتُ هذا كلَّه ووقعْتُ في تلك الشِّباكِ وكن ذا طيرانِ
حتى أتاحَ لي الإلهُ بفضلِهِ من ليس تجزيه يدي ولساني
حبرٌ أتى من أرضِ حرانٍ فيا أهلًا بمن قد جاءَ من حرَّانِ
فالله يجزيه الذي هو أهلُهُ من جَنَّةِ المأوى مع الرِّضْوانِ
أخذت يداه يدي وسار فلم يَرُم حتى أراني مطلعَ الإيمانِ
ورأيتُ أعلامَ المدينةِ حَوْلَهَا نُزُلُ الهدى وعساكرُ القرآنِ
ورأيت آثارًا عظيمًا شأنُهَا محجوبةً عن زُمْرَةِ العُمْيانِ
ووردت رأسَ الماءِ أبيضَ صافيًا حصباؤه كلآلئِ التيجانِ
ورأيت أكوازًا هناك كثيرةً مثلَ النجومِ لواردِ ظَمْآنِ
ورأيتُ حوضَ الكوثرِ الصافي الذي لا زال يشخُبُ فيه ميزابانِ
ميزابُ سنَّتِهِ وقولِ إلهِهِ وهما مدى الأيامِ لا ينيانِ
والناسُ لا يردونه إلا من الآ لافِ أفرادًا ذوي إيمانِ
وله من التصانيف ما لا يوصف وأكثره ما ذكره ابن رجب فقال:" فمن تصانيفه: كتاب " تهذيب سنن أبي داود " وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة مجلد، كتاب " سفر الهجرتين وباب السعادتين " مجلد ضخم، كتاب " مراحل السائرين بين منازل " إياكَ نَعْبُدُ وإياكَ نَسْتَعِين " مجلدان، وهو شرح " منازل السائرين " لشيخ الإِسلام الأنصاري، كتاب جليل القمر، كتاب " عقد محكم الأحباء، بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء " مجلد ضخم، كتاب " شرح أسماء الكتاب العزيز " مجلد،
[ ١٤٢ ]
كتاب " زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدى خاتم الأنبياء " مجلد، كتاب " زاد المعاد في هدى خير العباد " أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدًا، كتاب " جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام " وبيان أحاديثها وعللها مجلد، كتاب " بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل " مجلد، كتاب " نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول " مجلد، كتاب " إعلام الموقعين عن رب العالمين " ثلاث مجلدات، كتاب " بدائع الفوائد " مجلدان " الشافية الكافية في إلانتصار للفرقة الناجية " وهي " القصيدة النونية في السنة " مجلدان، كتاب " الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة لما في مجلدات، كتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " وهو كتاب " صفة الجنة " مجلد، كتاب " نزهة المشتاقين وروضة المحبين " مجلد، كتاب " الداء والدواء " مجلد، كتاب " تحفة الودود في أحكام المولود " مجلد لطيف، كتاب " مفتاح دار السعادة " مجلد ضخم، كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية " مجلد، كتاب " مصائد الشيطان " مجلد، كتاب " الفرق الحكمية " مجلد " رفع اليدين في الصلاة " مجلد. كتاب " نكاح المحرم " مجلد " تفضيل مكة على المدينة " مجلد " فضل العلماء " مجلد " عدة الصابرين " مجلد كتاب " الكبائر " مجلد " حكم تارك الصلاة " مجلد، كتاب " نور المؤمن وحياته " مجلد، كتاب " حكم إغمام هلال رمضان "، " التحرير فيما يحل، ويحرم من لباس الحرير "، " جوابات عابدي الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان "، " بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا " مجلد " الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه " مجلد " الكلم الطيب والعمل الصالح " مجلد لطيف " الفتح القدسي "، " التحفة المكية " كتاب " أمثال القرآن " "شرح الأسماء الحسنى"، " أيمان القرآن "، " المسائل
[ ١٤٣ ]
الطرابلسية " ثلاث مجلدات " الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم " مجلدان، كتاب " الطاعون " مجلد لطيف"انتهى
وقال ابن رجب:" وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين -﵀- في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة -﵀-"انتهى
قلت: ونحو هذا سبق من كلام الحافظ المزي.
وله من المنظوم الشيء الكثير منه قصيدته النونية وهي أكبر مجمع منظوم لعقيدة السلف فيما أعلم أبياتها تتقرب من ستة آلاف، وله كذلك القصيدة الميمية وفيها حكم نافعة ومواعظ جامعة ومن عذب أبياتها قوله:
وللَّهِ أبصارٌ ترى الله جهرةً فلا الضيمُ يغشاها، ولا هي تسأمُ
فيا نظرةً أهدت إلي الوجهِ نضرةً أمِن بعدِها يسلو المحبُّ المتيَّمُ
وللَّهِ كم من خِيرة إن تبسمت أضاء لها نورُ من الفجرِ أعظمُ
فيا لذةَ الأبصارِ إذ هي أقبلت ويا لذةَ الأسماعِ حينَ تكلمُ
ويا خجلةَ الغصنِ الرطيبِ إذا انثنت ويا خجلةَ البحرينِ حينَ تبسمُ
فإن كنت ذا قلبٍ عليلٍ بحبِّهَا فلم يبقَ إلا وصلُها لك مَرْهَمُ
فحيَّ على جناتِ عدنٍ، فإنها منازلُكَ الأولى، وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبي العدوِ، فهل تُرى نعودُ إلى أوطانِنِا ونُسَلَّمُ؟
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى وشطَّت به أوطانُهُ فهو مُغرمُ
[ ١٤٤ ]
وأي اغترابٍ فوق غربتِنا التي لها أضحت الأعداءُ فينا تحَكَّمُ؟
وحيَّ على السوقِ الذي فيه يلتقي المحبوبُ، ذاك السوقُ للقومِ مَعْلمُ
فما شئت خذ منه بلا ثمنٍ له فقد أسلف التجارُ فيه وأسلموا
وحيَّ على يومَ المزيدِ الذي به زيارة َربِّ العرشِ، فاليوم مَوْسِمُ
وحيَّ على وادٍ هنالك أفيحٌ وتربتُهُ من أذفَرِ المسكِ أعظمُ
منابرُ من نورٍ هناك وفضةٌ ومن خالصِ العقيانِ لا تتفصَّمُ
وكُثبانِ مسكٍ قد جعلن مقاعدًا لمن دون أصحابِ المنابرِ يعلمُ
فبيناهم في عيشِهم وسرورِهم وأرزاقُهم تجري عليهم وتُقْسَمُ
إذا هم بنورٍ ساطعٍ أشرقت له بأقطارِها الجناتُ لا يُتَوهَّمُ
تجلى لهم ربُّ السمواتِ جهرةً فيضحكُ فوقَ العرشِ ثم يكلمُ
سلامٌ عليكم، يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمَهَ إذْ يُسَلّمُ
يقول: سلوني ما اشتهيتم، فكلُّ ما تريدون عندي، إنني أنا أرحمُ
فقالوا جميعًا: نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولى الجميلَ وترحمُ
فيعطيهم هذا ويشهدُ جمعَهُم عليه، تعالى الله، فاللهُ أكرمُ
فيا بائعًا هذا ببخسٍ مُعَجَّلٍ كأنك لا تدري، بلى، سوف تعلمُ
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري، فالمصيبةُ أعظمُ
ونقل ابن حجر في درره عنه في ذم نفسه:
بنيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذنوبُهُ فليس على من نال من عرضِهِ إثمُ
بنيُّ أبي بكرٍ غدا متصدرا يعلم علمًا وهو ليس له علمُ
بنيُّ أبي بكرٍ جهولٌ بنفسِهِ جهولٌ بأمرِ اللهِ أنَّى له العلمُ
[ ١٤٥ ]
بنيُّ أبي بكرٍ يرومُ ترقيا إلى جنةِ المأوى وليسَ له عزمُ
بنيُّ أبي بكرٍ لقد خاب سعيه إذا لم يكن في الصالحاتِ له سهمُ
بنيُّ أبي بكرٍ كما قال ربُّه هلوعٌ كنودٌ وصفُهُ الجهلُ والظلمُ
بنيُّ أبي بكرٍ وآمالُه غدت بفتواهم هذي الخليقةُ تأثمُ
وليس له في العلمِ باعٌ ولا التقى ولا الزهدِ والدنيا لديهم هي الهمُّ
بنيُّ أبي بكرٍ غدا متمنيًا وصال المعالي والذنوبُ له همُّ
قلت: واستبعد أن يكون هذا له، لأنه ليس من طريقته ولا عادته ذم نفسه بهذا النحو. والله أعلم.
وقال ابن حجر:" ومات في ثالث عشر شهر رجب سنة ٧٥١، وكانت جنازته حافلةً جدًّا، ورئيت له منامات حسنة".
****