: حاذق مناظر، ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني فقال: هو من أهل هراة سكن بلخ، كان أديبا فاضلا عالما بأصول اللغة صائنا حسن السيرة، قدم بغداد حاجا سنة عشرين وخمسمائة ومات في الخامس والعشرين من شوال من سنة ست وثلاثين وخمسمائة. ولما ورد بغداد اجتمع إليه أهل العلم وقرأوا عليه الحديث والأدب، وجرى بينه وبين الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [١] ببغداد منافرة في شيء اختلفا فيه، فقال له الهروي: أنت لا تحسن أن تنسب نفسك، فإن الجواليقي نسبة إلى الجمع، والنسبة إلى الجمع بلفظه لا تصحّ. قال: وهذا الذي ذكره الهرويّ نوع مغالطة فإن لفظ الجمع إذا سمّي به جاز أن ينسب إليه بلفظه كمدائني ومعافريّ وأنماري وما أشبه ذلك.
قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا الاعتذار ليس بالقويّ لأن الجواليق ليس باسم رجل فيصحّ ما ذكره، وإنما هو نسبة إلى بائع ذلك، والله أعلم؛ وإن كان اسم رجل أو قبيلة أو موضع نسب إليه صحّ ما ذكره.
_________________
(١) ينقل ياقوت عن كتاب آخر للسمعاني غير الانساب، ونقل الصفدي هذه الترجمة في الوافي ٥: ٢٩٣ حتى قوله: «صحّ ما ذكره» وانظر بغية الوعاة ١: ٤٠٤ وما ورد في الإنباه ١: ٢٣٦ مشبه لما ذكره ياقوت. وقال القفطي إنه عاد إلى بلخ وتصدر للافادة بها حتى توفي.
(٢) ستأتي ترجمته رقم: ١١٦٩.
[ ١ / ٣٥ ]
وقال الحافظ الإمام السمعاني: سمعت أبا القاسم الطريفي يقول: سمعت أبا سعد الهرويّ المؤدب يقول: سئل سفيان الثوريّ عن التقوى فأنشد:
إني وجدت فلا تظنّوا غيره هذا التورّع عند هذا الدرهم
فإذا قدرت عليه ثم تركته فاعلم بأن هناك تقوى المسلم
وكان الرشيد محمد بن محمد بن عبد الجليل الملقب بالوطواط [١] كاتب الإنشاء لخوارزمشاه [٢] من تلاميذ الشيخ أبي سعد آدم بن أحمد الهروي وانتقل الرشيد من بلخ إلى خوارزم وأقام بها في خدمة خوارزمشاه أشهرا. وكان يكاتب الشيخ أبا سعد ويخضع له ويقر بفضله فمما كتب إليه رسالة نسختها [٣]:
كتابي وفي الأحشاء وجد على وجد إلى الصدر مولانا الأجلّ أبي سعد
أشمّ طويل الباع أصبح رافعا إلى قمة الأفلاك ألوية المجد
سراة بني الإسلام عقد جواهر وفيهم أبو سعد كواسطة العقد
سقى الله أيامنا بالعقيق ودهورنا [٤] باللوى، وأعوامنا بالخليصاء وشهورنا بالحمى؛ فإن هذه المعاني، لألفاظ المسرّات كالمعاني: جنينا [٥] فيه أثمار أطايب الأماني، من أشجار وصال الغواني؛ لا بل سقى مواقفنا ببلخ في المدرسة النظامية، واجتماعنا في المجالس الأجليّة الإمامية:
مجالس مولانا أبي سعد الذي به سعد الأيام والدين والدنيا
همام حوى يوم الفخار بنانه على رغم آناف العدى قصب العليا
_________________
(١) ستأتي ترجمته رقم: ١١٠٧.
(٢) لعلّ المعنيّ هنا هو سلطان شاه أبو القاسم محمود بن ايل أرسلان الذي تولى السلطنة سنة ٥٦٨ ولابنه أبي المظفر تكش ألف رشيد الدين «حدائق السحر في رقائق الشعر» حين كان- فيما يبدو- وليا للعهد، اذ إن رشيد الدين توفي سنة ٥٧٣ وجاء أبو المظفر إلى الحكم سنة ٥٨٩.
(٣) وردت الرسالة في مجموعة رسائل الوطواط (مصر ١٣١٥) ٢: ٢٩.
(٤) ر: ودهرنا.
(٥) جنينا: سقطت من م.
[ ١ / ٣٦ ]
الامام أبو سعد، وما أدراك ما الإمام أبو سعد، سعد كلّه، خير قوله وفعله، صاحب جيوش الفصاحة، ومالك رقاب البلاغة، وناظم عقد المحامد، وجامع شمل المكارم، وناشر أردية الفضل والكرم، وعامر أبنية الأدب والحكم:
لله درّ إمام كلّه أدب بفضله يتحلّى العجم والعرب [١]
الله يعلم أني وإن شطّ المزار، وشحطت الديار، لا أقطع أكثر أوقاتي، ولا أزجي أغلب ساعاتي، إلا في مدح معاليه، وشرح أياديه، لو أنفقت جميع عمري في ذلك، وسلكت طول دهري تلك المسالك:
لما كنت أقضي بعض واجب حقه ولا كنت أحصي من صنائعه عشرا
وكيف لا أبالغ في ثنائه، ولا أواظب على دعائه، وهو الذي رفع قدري وشرح للآداب صدري، وسقاني كؤوس العلم وأحشائي صادية، وكساني حلل الفضل وعوراتي بادية، اغترفت ما اغترفت من بحاره، واقتطفت ما اقتطفت من ثماره:
وأنت الذي عرفتني طرق العلا وأنت الذي هدّيتني كلّ مقصد
وأنت الذي بلّغتني كلّ رتبة مشيت إليها فوق أعناق حسّدي
عبد مجلسه الشريف أخي عمر، أيده الله، ورد من خراسان ذاكرا لما يجري على لسانه الكريم في المجالس والمحافل، بين أيدي الأكابر والأماثل، من مدحي وثنائي، وتقريظي وإطرائي، فما استبدعت ذلك من خصائص [٢] كرمه، ولا استغربته من لطائف شيمه. وكانت كلماته حاملة إياي على هذا التصديع، لمجلسه الرفيع، ورأيه في سحب ذيل العفو على هذا التجاسر، وتبليغ تحيتي الى القارئين عليه والمختلفين إليه من أبناء جنسي، وشركاء درسي، يقتضي الشرف، والسلام.
_________________
(١) ر: العرب والعجم.
(٢) ر: خصيص.
[ ١ / ٣٧ ]
- ٢-