: وجدت بخطّ الحميدي فيما رواه عن التنوخي في كتاب «نشوار المحاضرة» قال: هو أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي.
ووجدت بخط بعض أدباء مصر قال: أبو رياش أحمد بن إبراهيم الشيباني، ولعل أبا هاشم كنية إبراهيم. مات فيما ذكره أبو غالب همام بن الفضل بن مهذب المعرّي في تاريخه في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
قال أبو علي المحسن بن علي التنوخي: ومن رواة الأدب الذين شاهدناهم
_________________
(١) - ترجمة أبي رياش في يتيمة الدهر ٢: ٣٥٢ وإنباه الرواة ١: ٢٥، ٤: ١١٨ والوافي ٦: ٢٠٥ وبغية الوعاة ١: ٤٠٩ ولم ترد ترجمته في المختصر.
(٢) ر: بعث.
(٣) ر: قتله بالسمّ.
[ ١ / ١٨١ ]
أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي، وكان يقال إنه يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة، وعشرين ألف بيت شعر، إلا أن أبا محمد المافروخي أبرّ عليه لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة، فتذاكرا أشعار الجاهلية، وكان أبو محمد يذكر القصيدة فيأتي أبو رياش على عيونها فيقول أبو محمد: لا، إلا أن تهذّها من أولها إلى آخرها، فينشد معه ويتناشدان إلى آخرها، ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها، وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة. حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما.
وحكى أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في كتابه المعروف ب «الرياش المصطنعي» أن أبا رياش كان طويل الشخص جهير الصوت يتكلّم بكلام البادية، ويظهر أنه على مذهب الزيدية، ويتزوج كثيرا ويطلق، وكان يقول: ولدت بالبادية، ولعبت بالخضرمة، وتأدبت بالبصرة- والخضرمة بستان في ناحية اليمامة له خاصية في عظم البصل. والريش والرياش حسن الهيئة والشارة.
وقال أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي في اليتيمة [١]: كان أبو رياش باقعة في حفظ أيام العرب وأنسابها وأشعارها، غاية بل آية في هذّ دواوينها وسرد أخبارها، مع فصاحة وبيان، وإعراب واتقان، ولكنه كان عديم المروءة وسخ اللبسة كثير التقشّف وقليل التنظف. وفيه يقول أبو عثمان الخالدي [٢]:
كأنما قمل أبي رياش ما بين صئبان قفاه الفاشي
وذا وذا قد لجّ في انتعاش شهدانج بدّد في خشخاش
وكان مع ذلك شرها على الطعام، رجيم شيطان المعدة حوتيّ الالتقام، ثعبانيّ الالتهام، سيء الأدب في المواكلة، دعاه أبو يوسف البريدي [٣] والي البصرة إلى مائدته، فلما أخذ في الأكل مدّ يده إلى بضعة لحم فانتهشها ثم ردّها إلى القصعة، فكان بعد ذلك إذا حضر مائدته أمر بأن يهيأ له طبق ليأكل عليه وحده. ودعاه يوما المهلبي الوزير
_________________
(١) تقدمت الاشارة إليه في مصادر الترجمة أعلاه (وهو داخل في ترجمة ابن لنكك) ونقله القفطي في ٤: ١١٨.
(٢) ديوان الخالديين: ١٣٧.
(٣) م: اليزيدي.
[ ١ / ١٨٢ ]
إلى طعامه فبينما هو يأكل إذ امتخط في منديل الغمر [١] وبصق فيه، ثم أخذ زيتونة من قصعة فغمزها بعنف حتى طفرت نواتها فأصابت وجه الوزير، فتعجّب من سوء أدبه، فاحتمله لفرط علمه، ففي شره أبي رياش يقول ابن لنكك:
يطير إلى الطعام أبو رياش مبادرة ولو واراه قبر
أصابعه من الحلواء صفر ولكنّ الأخادع منه حمر
وله فيه:
أبو رياش بغى والبغي مصرعه [٢] فشدّد الغين ترميه بآبدته
عبد ذليل هجا للحين سيّده تصحيف كنيته في صدغ والدته
وله فيه وقد ولّاه المافروخي عملا بالبصرة:
قل للوضيع أبي رياش لا تبل ته كلّ تيهك بالولاية والعمل
ما ازددت حين وليت إلا خسة كالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل [٣]
ولابن لنكك فيه أشعار كثيرة، بعضها في أخبار ابن لنكك من «كتاب الشعراء» .
وجدت في موضع آخر من كتاب «نشوار المحاضرة» للقاضي التنوخي: كان أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي اليماميّ رجلا من حفاظ اللغة، وكان جنديا في أول أمره مع المسمعيّ برسم العرب، ثم انقطع إلى العلم والشعر وروايته لنا بالبصرة، وأنا حدث مع عمي حتى صرت رجلا وكتبت عنه وأخذت منه علما صالحا، وكان يتعصب على أبي تمام الطائي. وقال بعض الحاضرين لأبي إن من عيون شعر أبي رياش قوله في أبيات عند ذكر امرأة شبّب بها:
لها فخذا بختيّة تعلف النوى على شفة لمياء أحلى من التمر
_________________
(١) منديل الغمر: ما يستعمل لمسح الأيدي بعد الأكل.
(٢) اليتيمة: مهلكة.
(٣) نهاية النقل عن اليتيمة.
[ ١ / ١٨٣ ]
فغضب أبو رياش ونهض، فأمر أبي بإجلاسه وقال للحاضر القائل: ولا كلّ ذا، وترضّاه ووهب له دراهم صالحة القدر.
قال: وأخبرني من حضر مجلس أبي محمد المافروخيّ عامل البصرة، وقد تناظرا في شيء من اللغة اختلفا فيه، فقال أبو رياش: كذا أخبرتني عمتي أو جدتي في البادية عن العرب ووجدتها تتكلم به، فقال له أبو الحسين محمد بن محمد بن جعفر بن لنكك الشاعر، وكان حاضرا: اللغة لا تؤخذ عن البغيّات، فأمسك خجلا.
وكان أبو محمد المافروخي قد ولّاه الرسم على المراكب بعبادان بحار سابع [؟] وأحسن إليه واختاره عصبية منه للعلم والأدب، فقال ابن لنكك:
أبو رياش ولي الرسما وكيف لا يصفع أو يعمى
يا ربّ جدي دقّ في خصره ثم أتانا بقفا يدمى
قال: وحدثني أبو رياش قال مدحت الوزير المهلبي فتأخرت صلته وطال ترددي إليه، فقلت [١]:
وقائلة قد مدحت الوزير وهو المؤمّل والمستماح
فماذا أفادك ذاك المديح وهذا الغدوّ وذاك الرواح
فقلت لها ليس يدري امرؤ بأيّ الأمور يكون الصلاح
عليّ التقلب والإضطراب جهدي وليس علي النجاح
قال المؤلف: وأما أبو محمد المافروخي الذي تقدم ذكره مكررا فهو أبو محمد عبد العزيز بن أحمد المافروخي، كان يتقلّد عمالة البصرة، وكان من العلم والجلالة على ما تقدم ذكره، وكان مع ذلك تمتاما يكرّر الحرف في كلامه، وهو الذي تسميه العامة فأفاء، وكان مستغلقا جدا. فحدث التنوخي أنه اعترض جملا يسير في صحن الدار بحضرته ووقف ليخاطب عليه، فلم يرضه فقال: أخرجوه عني، وكرر أخ أخ لأجل عقلة لسانه، فبرك الجمل لأنه ظنّ أنه يقال له ذلك، كما يقال إذا أريد منه البروك. قال: وكان إذا أنشد الشعر أو قرأ القرآن قرأه وأورده على أحسن ما يكون من
_________________
(١) نشوار المحاضرة ٢: ١٥٨.
[ ١ / ١٨٤ ]
حسن الأداء وطيب الحنجرة، فقيل له: لو كان كلامك كله شعرا أو كقراءة القرآن تخلّصت من هذه الشدة، فقال: يكون ذلك طنزا. قال: وكان أحد خلفائه قد خرج إلى بعض الأعمال واستخلف بحضرته ابنا له كان مثل المافروخي في التمتمة، فخاطبه المافروخي أول ما دخل إليه في أمر شيء قال فيه ووو مرارا، فأجابه ذلك الابن بمثل كلامه، فقال: يا غلمان، قفاه، كأنه يحكيني، فصفع صفعا محكما حتى حضره أقوام وحلفوا له أن ذلك عادته، فأخذ يعتذر إليه، قال: الذنب لأبيه لما ترك في حضرتي مثله. فهذا خبر المافروخي لتعرفه.
- ٥٢-