النديم أبو عبد الله:
_________________
(١) - ترجمة ابن سيد في إنباه الرواة ١: ٣٠ والوافي ٦: ١٩٨ وبغية الوعاة ١: ٢٩١ (وانظر الاشارات التالية إلى المصادر التي ينقل عنها المؤلف) . ولم ترد الترجمة في المختصر.
(٢) - ترجمة ابن حمدون النديم في إنباه الرواة ١: ٢٥ والوافي ٦: ٢٠٩ وبغية الوعاة ١: ٢٩١.
(٣) الصلة: ٧.
(٤) جذوة المقتبس: ١١، ٣٨١.
(٥) هو ابن حزم الظاهري أستاذ الحميدي وعنه كثير من مرويات الجذوة؛ وقد جرى ذكر ابن حزم لابن سيد في رسالته في فضل الأندلس (رسائل ابن حزم ٢: ١٨٢) حيث قال ذاكرا أهم كتب اللغة التي ألفها الأندلسيون، «ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد في اللغة المعروف بكتاب العالم نحو مائة سفر على الأجناس في غاية الايعاب بدأ بالفلك وختم بالذرة» .
[ ١ / ١٦٤ ]
ذكره أبو جعفر الطوسي في «مصنفي الإمامية» [١] وقال: هو شيخ أهل اللغة ووجههم، وأستاذ أبي العباس ثعلب، قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرّج به مديدة [٢]، وكان خصيصا بأبي محمد الحسن بن علي [٣] ﵉ وأبي الحسن قبله، وله معه مسائل وأخبار.
وله كتب منها: كتاب أسماء الجبال والمياه والأودية. كتاب بني مرة بن عوف.
كتاب بني نمر بن قاسط. كتاب بني عقيل. كتاب بني عبد الله بن غطفان. كتاب طيء. كتاب شعر العجير السلولي وصنعته. كتاب شعر ثابت قطنة.
قال الشابشتي [٤] وكان خصيصا بالمتوكل ونديما له، وأنكر منه المتوكل ما أوجب نفيه عن بغداد ثم قطع أذنه، وكان السبب في ذلك أن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه أشعار ذكرت بعضها في ترجمة الفتح، وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبّه الفتح، ونمي الخبر إلى المتوكل فاستدعى أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني ليس لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، فطلّق من كانت حرة من نسائه، وأعتق من كان مملوكا ولزمه حجّ ثلاثين سنة فكان يحج في كلّ عام. قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام فيها أياما، ثم جاءه زرافة [٥] في الليل على البريد فبلّغه ذلك، فظنّ أن المتوكل لما شرب بالليل وسكر أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله، فلما دخل إليه قال له: قد جئتك في شيء ما كنت أحبّ أن أخرج [٦] في مثله، قال: وما هو؟ قال: أمير المؤمنين أمر بقطع أذنك، وقال قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان، فرأى ذلك هينا في جنب ما كان توهّمه من إذهاب مهجته [٧] فقطع غضروف أذنه من خارج
_________________
(١) فهرس الطوسي: ٢٠ (كلكتا) ٥٥ (بيروت) .
(٢) كذا في الوافي، وفي م والطوسي: وتخرج من يده.
(٣) يعني به الحسن العسكري.
(٤) قصة نفي المتوكل له تجدها في الديارات: ٦ وما بعدها.
(٥) زرافة: اسم سياف المتوكل.
(٦) ر والديارات: أجيء.
(٧) الديارات: فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل.
[ ١ / ١٦٥ ]
ولم يستقصه، وجعله في كافور كان معه وانصرف به، وبقي منفيا مدة، ثم أحدر إلى بغداد فأقام بمنزله مدة. قال أبو عبد الله: فلقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي ثمّ لما كفّ بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته، ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني، فجعل يسلّيني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين الخاصّ من ندمائه؟ قلت: محمد بن عمر البازيار، قال: من هذا الرجل وما مقدار علمه وأدبه؟ فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب:
حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها [١]:
بيضاء في وجناتها ورد فكيف لنا بشمّه
فسرّ المتوكل بذلك سرورا كثيرا شديدا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتطرح [٢] في حجره، وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله [٣] . قال له: فما بلغك من أدبه؟
فقال: أكثر ما يقول للخليفة أبقاك الله يا أمير المؤمنين إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير. فقال إسحاق: ويلك جزعت على أذنك وغمّك قطعها، لم؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال: لو أن لك مكّوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء؟! قال: ثم أعاده المتوكل إلى خدمته، وكان إذا دعا به قال له: يا عبيد على جهة المزاح. وقال له يوما: هل لك في جارية أهبها لك فأكبر ذلك وأنكره، فوهب له جارية يقال لها «صاحب» من جواريه حسنة كاملة إلا أن بعض الخدم ردّ الطشت [٤] على فمها وقد أرادت أن ترميه فصدع ثنيّتها فاسودّت فشانها ذلك عنده، وحمل كلّ ما كان لها وكان شيئا كثيرا عظيما، فلما مات أبو عبد الله تزوجت «صاحب» بعض
_________________
(١) هذا البيت مما فات جامع ديوانه.
(٢) ر: وتترك.
(٣) زاد هنا في م: وقبل.
(٤) الديارات: السبطانة، وهي من آلات الصيد.
[ ١ / ١٦٦ ]
العلويين، قال علي بن يحيى بن المنجم فرأيته في النوم وهو يقول:
أيا عليّ ما ترى العجائبا أصبح جسمي في التراب غائبا
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا
ومن شعر أبي عبد الله يعاتب فيه علي بن يحيى [١]:
من عذيري من أبي حسن حين يجفوني ويصرمني
كان لي خلا وكنت له كامتزاج الروح بالبدن
فوشى واش فغيّره وعليه كان يحسدني
إنما يزداد معرفة بودادي حين يفقدني
قال: واتصل بنجاح بن سلمة [٢] أن أبا عبد الله ابن حمدون يذكره بحضرة المتوكل ويتنادر به، فلقيه نجاح يوما فقال له: يا أبا عبد الله قد بلغني ذكرك لي بغير الجميل في حضرة أمير المؤمنين، أتحبّ أن أنهي إليه قولك إذا خلوت: «أتراني أحبه وقد فعل بي ما فعل؟! والله ما وضعت يدي على أذني الا تجدّدت له عندي بغضة»، فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكره بغير ما يحبه أبدا.
وكان [٣] أبوه إبراهيم- وأظنّ أنه الملقب بحمدون- ينادم المعتصم ثم الواثق بعده، وكان يعابث المتوكل في أيام أخيه الواثق، وجاءه مرّة بحيّة وأخرج رأسها من كمه تعريضا بأمّه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق. ولما مات الواثق نادم حمدون المتوكل، فلما كان في بعض الأيام أمر المتوكل باحضار «فريدة» جارية أخيه الواثق، فأحضرت مكرهة ودفع إليها عود فغنّت غناء كالنّدبة، فغضب المتوكل وأمرها أن تغني غناء، فغنّت بتحزّن وشجى، فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة التي تداخلته، فغضب المتوكل ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزنا عليه، وكان
_________________
(١) ورد الشعر في الديارات.
(٢) نجاح أحد كتاب الدولة العباسية، قتل ستة ٢٤٥ (انظر فهرست تاريخ الطبري) والنصّ في الديارات.
(٣) النقل عن الديارات: ١١.
[ ١ / ١٦٧ ]
يبغض كلّ من مال إليه، فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلاثمائة سوط، فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك، وأقام منفيا ثلاث سنين، وتزوج المتوكل «فريدة» بعد ذلك فولدت له ابنه أبا الحسن.
وحدث حمدون بن إسماعيل قال: دعاني المعتصم يوما فدخلت إليه وهو في بعض مجالسه، وإلى جنبه باب صغير، فحادثته مليا إلى أن رأيت الباب قد حرّك وخرجت منه جارية بيضاء مقدودة حسنة الوجه، وبيدها رطل وعلى عنقها منديل، فأخذ الرطل من يدها فشربه، ثم قال: اخرج يا حمدون، فخرجت فكنت في دهليز الحجرة، فلم ألبث أن دعاني، فدخلت وهو جالس على حاله، فحادثته مليا ثم حرك ذلك الباب فخرجت جارية كأحسن ما يكون من النساء سمراء رقيقة اللون بيدها رطل، فأخذه وشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة هناك، ثم دعاني فأتيته وحادثته ساعة، وحرك الباب فخرجت أحسن الثلاث بيدها رطل ومعها منديل، فأخذ الرطل فشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة، ثم دعاني فدخلت فقال لي: أتعرف هؤلاء؟ قلت: معاذ الله أن أعرف أحدا ممن هو داخل دار أمير المؤمنين، فقال: إحداهن ابنة بابك الخرّمي، والأخرى ابنة المازيار، والثالثة ابنة بطريق عمورية، افترعتهن الساعة، وهذا نهاية الملك يا حمدون.
وأما أبو محمد ابن حمدون فذكر جحظة أن مولده في سنة سبع وثلاثين ومائتين، وتوفي ببغداد في رمضان سنة تسع وثلاثمائة، ونادم المعتمد وخصّ به وكان من ثقاته المتقدمين عنده، وله معه أخبار. وأما أبو العنبس بن أبي عبد الله بن حمدون أحد المشهورين بجودة الغناء والصنعة فيه، وابنه إبراهيم بن أبي العنبس أيضا من المجيدين في الغناء وشجاء الصوت، فهؤلاء المعروفون بمنادمة الخلفاء من بني حمدون.
وحدث أحمد بن أبي طاهر أن ابن حمدون النديم حدثه أن الواثق بالله بسط جلّاسه وأمرهم أن لا ينقبضوا في مجلسه وأن يجروا النادرة على ما اتفقت عليه غير محتشمين، وان اتفق وقوعها عليه احتمل، قال: فغبرنا على ذلك مدة، وكان على إحدى عيني الواثق نكتة بياض، فلما كان في بعض الأيام أنشد الواثق أبيات أبي حية النميري:
[ ١ / ١٦٨ ]
نظرت كأني من وراء زجاجة إلى الدار من فرط [١] الصبابة أنظر
فقلت: وإلى غير الدار يا أمير المؤمنين، فتبسم ثم قال لوزيره: قد قابلني هذا الرجل بما لا أطيق أن أنظر إليه بعدها فانظر كم مبلغ جاريه وجرايته وأرزاقه وصلاته فاجمعها، وأقطعه بها إقطاعا بالأهواز، وأخرجه إليها ليبعد عن ناظري، ففعل.
قال: وأخرجت إليها وتبيّغ [٢] بي الدم، فالتمست حجاما كان في خدمتي، فقيل لم يخرج في الصحبة لعلّة لحقته، فقلت: التمسوا حجاما نظيفا حاذقا وتقدموا إليه بقلّة الكلام وترك الانبساط، فأتوني بشيخ حسن على غاية النظافة وطيب الريح، فجلس بين يديّ وأخذ الغلام المرآة، فلما أخذ في إصلاح وجهي قلت له: اترك في هذا الموضع واحذف في هذا الموضع وعدّل هذه الشعرات وسرّح هذا المكان، وأطلت الكلام وهو ساكت، فلما قعد للحجامة قلت له: اشرط في الجانب الأيمن اثنتي عشرة شرطة، وفي الجانب الأيسر أربع عشرة شرطة، فإن الدم في الجانب الأيسر أقلّ منه في الأيمن، لأن الكبد في الأيمن والحرارة هناك أوفر والدم أغزر، فإذا زدت في شرط الأيمن اعتدل خروج الدم من الجانبين، ففعل وهو مع ذلك ساكت، فعجبت من صمته وقلت للغلام: ادفع إليه دينارا، فدفعه إليه فردّه، فقلت: استقلّه ولعمري إن العيون إلى مثلي ممتدة والطمع مستحكم في نديم الخليفة وصاحب إقطاعه، أعطه دينارا آخر، ففعل فردّهما وأبى أن يأخذهما، فاغتظت وقلت: قبحك الله أنت حجّام سواد، وأكثر من يجلس بين يديك يدفع لك نصف درهم، وأنت تستقلّ ما دفعت اليك؟! فقال: وحقك ما رددتها استقلالا، ولكن نحن أهل صناعة واحدة، وأنت أحذق منّي وما كان الله ليراني وأنا آخذ من أهل صناعتي أجرة أبدا، فأخجلني وانصرف ولم يأخذ شيئا. فلما كان في العام القابل خرجت لمثل ما خرجت إليه في العام الماضي واحتجت إلى نقص الدم، فقلت لغلامي: اذهب فجئنا بذلك الحجام فقد عرف الخدمة، وقد انصرف تلك الدفعة ولم يأخذ شيئا، ولعله أيضا قد نسيها فيقع برّنا منه على حاجة منه إليه، قال: فلما جلس بين يديّ أصلح وجهي الإصلاح الذي كنت أوقفته عليه وحجمني أحسن حجامة فلما فرغ قلت: سبحان الله
_________________
(١) م: ماء.
(٢) تبيغ به الدم وتبوغ: هاج.
[ ١ / ١٦٩ ]
أنت صانع سواد، فمن أين لك هذا الحذق بهذه الصنعة؟ فقال: وحقّك ما كنت أحسن من هذا شيئا، ولكنّ حجام الخليفة اجتاز بنا بهذا الموضع في العام الماضي فتعلمت منه هذا، فضحكت منه وأمرت له بثلاثين دينارا مع ما تمّ له من معاريض كلامه في الدفعتين جميعا.
وأنشد جحظة في أماليه لنفسه يرثي حمدون النديم، كذا قال ولم يعينه:
أيعذب من بعد ابن حمدون مشرب لقد كدّرت بعد الصفاء المشارب
أصبنا به فاستأسد الضّبع بعده ودبّت إلينا من أناس عقارب
وقطّب وجه الدهر بعد وفاته فمن أيّ وجه جئته فهو قاطب
بمن ألج الباب السديد حجابه إذا ازدحمت يوما عليه المواكب
بمن أبلغ الغايات [١] أم من بجاهه أنال وأحوي كلّ ما أنا طالب
فأصبحت حلف البيت خلف جداره وبالأمر مني تستعيذ النجائب
وقال جحظة في أبي جعفر ابن حمدون، ولا أعرفه إلا أنه كذا أورده في أماليه:
أبا جعفر لا تنال العلا بتيهك في المجلس الحاشد
ولا بغلام كبدر التمام ركّب في غصن مائد
ولا بازيار إذا ما أتاك يخطر بالزّرق الصائد [٢]
فكيف وما لك من شاكر وكيف وما لك من حامد
أتذكر إذ أنت تحت الزمان وحيدا بلا درهم واحد
وتحدّث جحظة في أماليه قال، قال لي أبو عبد الله ابن حمدون: حسبت ما وصلني به المتوكل في مدة خلافته وهي أربع عشر سنة وشهور فوجدته ثلاثمائة وستين ألف دينار، ونظرت فيما وصلني به المستعين في مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف فكان أكثر مما وصلني به المتوكل، ثم خلع المستعين وحدر إلى واسط ومنع من كلّ شيء الا القوت، فاشتهى نبيذا فخرجت دايته إلى أهل واسط فتشكّت ذلك اليهم،
_________________
(١) الوافي: العلياء.
(٢) م: بالذر والصائد.
[ ١ / ١٧٠ ]
فقال لها رجل من التجار: له عندي كلّ يوم خمسة أرطال نبيذ دوشاب، فكانت تمضي إليه في كلّ يوم فتجيئه به سرا إلى أن حمل من واسط فقتل بالقاطول.
- ٤٧-