بديع الزمان الهمذاني أبو الفضل: قال أبو شجاع شيرويه بن شهردار في «تاريخ همذان» إن أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر أبا الفضل الملقب ببديع الزمان سكن هراة، روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا وعيسى بن هشام الأخباري، وكان أحد الفضلاء والفصحاء، متعصبا لأهل الحديث والسنة، ما أخرجت همذان بعده مثله، وكان من مفاخر بلدنا، روى عنه أخوه أبو سعد ابن الصفار والقاضي أبو محمد عبد الله بن الحسين النيسابوري.
قال: وتوفي في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. قال شيرويه: ومحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر الصفار الفقيه أبو سعد أخو بديع الزمان أبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى لأبيه وأمه مفتي البلد. روى عن ابن لال وابن تركان وعبد الرحمن
_________________
(١) - ترجمة بديع الزمان في وفيات الأعيان ١: ١٢٧ (وص ٤٠٢) والوافي ٦: ٣٥٥ والشريشي ١: ٢٢ ومعاهد التنصيص ٣: ١١٣ وروضات الجنات ١: ٢٣٨ (وأكثرهم عالة على ما أورده الثعالبي في يتيمة الدهر ٤: ٢٥٦) وسير الذهبي ١٧: ٦٧ والنجوم الزاهرة ٤: ٢١٨. وقد كتبت حول مقاماته في العصر الحديث دراسات كثيرة تتطلب إفراد ببلبوغرافيا خاصة بها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
الامام وأبي بكر محمد بن الحسين الفراء وابن جائحان، وذكر جماعة وافرة.
قال: وأدركته ولم يقض لي عنه السماع، وكان في الحديث ثقة، ويتهم بمذهب الأشعرية، ويقال جنّ في آخر عمره إلى أن مات. وسمعت بعض أصحابنا يقول: كان يعرف الرجال والمتون، ولد في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ومات- ولم يذكره وذكره الثعالبي- في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكذا قال أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي في «تاريخ هراة» .
قال المؤلف: وقد رأيت ذكر البديع في عدّة تصانيف من كتب العلماء، فلم يستقص أحد خبره أحسن مما اقتصّه الثعالبي، وكان قد لقيه وكتب عنه، فنقلت خبره من كتابه ولخصته من بعض سجعه قال: بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصر، ولم نر نظيره في الذكاء وسرعة الخاطر وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس، ولم ندرك نظيره في طرف النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، وكان صاحب عجائب وبدائع، فمنها أنه كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتا، إلا مرة واحدة فيحفظها كلّها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم حرفا، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره، نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذّا ويسردها سردا، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان يقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة، وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه فيبتدىء بآخره ثم هلم جرا إلى أوله، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه، ويوشّح القصيدة الفريدة من قيله بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم النثر ويروي من النثر النظم، ويعطى القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويقترح عليه كلّ عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجله أسرع من الطرف، على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم ومسابقة اليد للفم. وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغريبة بالأبيات العربية، فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع، إلى عجائب كثيرة لا تحصى، ولطائف تطول أن تستقصى. وكان مع ذلك مقبول الصورة حسن العشرة، وفارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبل الشبيبة، غضّ الحداثة، وقد درس على أبي الحسين ابن
[ ١ / ٢٣٥ ]
فارس وأخذ عنه جميع ما عنده واستنفد علمه. وورد حضرة الصاحب ابن عباد فتزود من ثمارها وحسن آثارها، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكنافهم، واختصّ بالدهخداه [١] أبي سعد محمد بن منصور، ونفقت بضاعته لديه، وتوفر حظه من عادته المعروفة في إسداء الإفضال على الأفاضل. ولما أراد ورود نيسابور أعانه بما سيره إليها فوردها في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ونشر بها بزّه وأظهر طرزه، وأملى أربعمائة مقامة [٢] نحلها أبا الفتح الاسكندري في الكدية وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ثم شجر بينه وبين الأستاذ أبي بكر الخوارزمي ما كان سببا لهبوب ريح الهمذاني وعلوّ أمره، إذ لم يكن في الحساب أن أحدا من العلماء ينبري لمساجلته، فلما تصدى الهمذاني لمباراته وجرت بينهما مقامات ومبادهات ومناظرات، وغلّب قوم هذا وغلّب آخرون ذاك، طار ذكر الهمذاني في الآفاق، وشاع ذكره في الأفّاق، ودرّت له أخلاف الرزق، فلما مات الخوارزميّ خلا له الجوّ وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة، ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى ثمارها، ولا ملك له ولا وزير إلا واستمطر بنوئه وسرى في ضوئه، فحصلت له نعمة حسنة وثروة جميلة، وألقى عصاه بهراة فاتخذها دار قراره، وصاهر بها أبا علي الحسين بن محمد الخشنامي، وهو الفاضل الكريم الأصيل، وانتظمت أحواله بمصاهرته، واقتنى بمعونته ضياعا فاخرة، وحين بلغ أشدّه وأربى على أربعين سنة ناداه الله فلباه، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
وهذا أنموذج من رسائله:
فصل [٣] من رقعة كتبها إلى الخوارزمي، وهو أول ما كاتبه به: أنا لقرب الأستاذ: كما طرب النشوان مالت به الخمر [٤] .
_________________
(١) الدهخداه: سيد القرية أو رئيسها.
(٢) في هذا العدد مجال للنظر، إذ ليس لدينا منها إلا أربعون، ومنهم من جعلها إحدى وخمسين مقامة (بعدد رسائل إخوان الصفا الإسماعيلية الذين كان البديع يلابسهم ويداخلهم في جرجان) .
(٣) اليتيمة ٤: ٢٥٩ ورسائل البديع: ١٢٨.
(٤) من الواضح أنه يضمن رسالته أشطارا من الشعر، وقوله: «كما انتفض العصفور » عجز بيت، وصدره: وإني لتعروني لذكراك هزة.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ومن الارتياح للقائه: كما انتفض العصفور بلله القطر.
ومن الامتزاج بولائه: كما التقت الصهباء والبارد العذب.
ومن الابتهاج بمزاره: كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب.
ومن رقعة إلى غيره [١]:
يعزّ علي أن ينوب- أيد الله الشيخ- في خدمته قلمي عن قدمي، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرع الأنس به كتابي قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعليّ أن أسعى ولى س عليّ إدراك النجاح
وقد حضرت داره، وقبلت جداره، وما بي حبّ الحيطان، ولكن شغف بالقطّان، ولا عشق الجدران، ولكن شوق إلى السكان.
وقال البديع وأراد التحميض- كما يقول أهل بغداد- ومعناه عندهم غير ذلك كقوله [٢]:
ولقد دخلت ديار فارس مرة أبتاع ما فيها من الأعراض
فإذا فسا فيها رجال سادة لهفي على ذاك الزمان الماضي
فالسامع يرى أنه أراد فسا مدينة بفارس التي منها أبو علي الفسوي النحوي وإنما أراد فسا من الفسو، والضمير في «فيها» يريد به اللحية.
وذكر أبو إسحاق الحصري في كتاب «زهر الآداب» [٣] وقد ذكر أبا الفضل الهمذاني بديع الزمان فقال: وهذا اسم وافق مسمّاه ولفظ طابق معناه، كلامه غضّ المكاسر أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا والهوى يعشقه ظرفا. ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها إلى الأفكار والضمائر، في معارض حوشية، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثرها تنبو عن قبوله الطباع،
_________________
(١) اليتيمة: ٢٥٩ والرسائل: ١٠٣.
(٢) ديوان البديع: ٤٧.
(٣) زهر الآداب: ٢٦١.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ولا ترفع له حجب الأسماع، وتوسّع فيها، إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروب منصرفة، عارضه بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، عطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الاسكندري، وجعلهما يتهاديان الدرّ ويتنافثان السحر، في معان تضحك الحزين، وتحرّك الرصين، وتطالع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، وربما أفرد بعضهما بالحكاية، وخصّ أحدهما بالرواية.
[وقد ذكره] أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي في «تاريخ هراة» من تأليفه، وأنشد للبديع:
خرج الأمير ومن وراء ركابه غيري وعزّ عليّ أن لم أخرج
أصبحت لا أدري أأدعو طغمشي أم يكتليني أم أصيح بنذغجي
وبقيت لا أدري أأركب أبرشي أم أدهمي أم أشبهي أم ديزجي
يا سيد الأمراء ما لي خيمة إلا السماء إلى ذراها ألتجي
كتفي بعيري إن ظعنت، ومفرشي كمّي، وجنح الليل مطرح هودجي
وكتب بديع الزمان إلى مستميح عاوده مرارا وقال له: لم لا تديم الجود بالذهب، كما تديمه بالادب؟ فكتب البديع [١]: عافاك الله، مثل الإنسان في الإحسان، مثل الأشجار في الإثمار، وسبيل من ابتدأ بالحسنة، أن يرفّه إلى السنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيتعلق بالوفود [٢]، ولكنّ هذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الخلق الكريم، لا يحتمله الغريم، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، قد جهدت جهدي بالطباخ أن يطبخ لي من جيمية الشماخ [٣] لونا فلم يفعل، وبالقصّاب أن يذبح
_________________
(١) اليتيمة: ٢٦٢ والرسائل: ٢٢١.
(٢) ر: بالرفود.
(٣) جيمية الشماخ هي التي يقول فيها: وأشعث قد قدّ السفار قميصه يجرّ شواء بالعصا غير منضج
[ ١ / ٢٣٨ ]
«أدب الكتّاب» فلم يقبل، وأنشدت في الحمام ديوان أبي تمام فلم ينجع، ودفعت إلى الحجّام مقطّعات اللحام فلم يأخذ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت فأنشدت ألفا ومائتي بيت من شعر الكميت فلم تغن، ودفعت أرجوزة العجاج في توابل السكباج فلم تنفع، وانت لم تقنع فما أصنع؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليّ إفضالا منك عليّ، فراحتي ألّا تطرق ساحتي، وفرجي ألّا تجي، والسلام.
وحدث أبو الحسن ابن أبي القاسم البيهقي صاحب كتاب «وشاح الدمية» وقد ذكر أبا بكر الخوارزمي: وقد رمي بحجر البديع الهمذاني في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وأعان البديع الهمذاني قوم من وجوه نيسابور كانوا مستوحشين من أبي بكر، فجمع السيد نقيب السادة بنيسابور أبو علي بينهما [١]، وأراده على الزيارة، وداره بأعلى ملقباذ [٢]، فترفّع، فبعث اليه السيد مركوبه، فحضر أبو بكر مع جماعة من تلامذته، فقال له البديع [٣]: إنما دعوناك لتملأ المجلس فوائد، وتذكر الأبيات الشوارد، والأمثال الفوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسألنا فتسر بما عندنا
ونبدأ بالفنّ الذي ملكت زمامه وطار به صيتك، وهو الحفظ إن شئت، والنظم ان أردت، والنثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت، فهذه دعواك التي تملأ منها فاك، فأحجم الخوارزميّ عن الحفظ لكبر سنه ولم يجل في النثر قداحا وقال: أبادهك، فقال البديع: الأمر أمرك يا أستاذ، فقال له الخوارزمي: أقول لك ما قال موسى للسحرة (قال بل ألقوا) فقال البديع:
الشعر أصعب مذهبا ومصاعدا من أن يكون مطيعه في فكّه
والنظم بحر والخواطر معبر فانظر إلى بحر القريض وفلكه
فمتى توانى في القريض مقصر عرّضت أذن الامتحان لعركه
_________________
(١) قال البديع في رسائله (ص ٣٩) واتفق أن السيد أبا علي نشط للجمع بيني وبينه، فدعاني فأجبت، ثم عرض عليّ حضور أبي بكر فطلبت ذلك وقلت: هذه عدة كنت أستنجزها، وفرصة لا أزال أنتهزها، فتجشم السيد أبو الحسين وكاتبه يستدعيه فاعتذر أبو بكر بعذر في التأخر
(٢) هي ملقاباذ عند ياقوت.
(٣) الرسائل: ٤١- ٨٢، وما هنا مبني على الإيجاز والتلخيص (ومن الواضح أن ما يورده ياقوت إنما هو حكاية البديع للقصة، وهي من طرف واحد) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
قال: وهذه أبيات كثيرة فيها مدح الشريف أبي علي والمفاخرة وتهجين الخوارزمي، فقال الخوارزمي أيضا أبياتا ولكن ما أبرزها من الغلاف، فقال له البديع: أما تستحي أن يكون السنور أعقل منك لانه يجعر فيغطيه بالتراب، فقال لهما الشريف: انسجا على منوال المتنبي:
أرق على أرق ومثلي يأرق
فابتدا أبو بكر وكان إلى الغايات سباقا وقال:
فإذا ابتدهت بديهة يا سيدي فأراك عند بديهتي تتقلّق
ما لي أراك ولست مثلي في الورى متموها بالترّهات تمخرق
ونظم أبياتا ثم اعتذر فقال: هذا كما يجيء لا كما يجب، فقال البديع: قبل الله عذرك، لكن وقفت بين قافات خشنة كلّ قاف كجبل قاف، فخذ الآن جزاء عن قرضك وأداء لفرضك:
مهلا أبا بكر فزندك أضيق واخرس فإن أخاك حيّ يرزق
يا أحمقا وكفاك تلك فضيحة جرّبت نار معرّتي هل تحرق
فقال له أبو بكر: يا أحمقا لا يجوز فإنه لا ينصرف، فقال البديع: لا نزال نصفعك حتى ينصرف وتنصرف معه، وللشاعر أن يردّ ما لا ينصرف [إلى الصرف] وإن شئت قلت: يا كودنا. ثم قولك في البيت «يا سيدي» ثم قلت «تتقلق» مدحت أم قدحت؟ فإن اللفظين لا يركضان في حلبة، فقال لهما الشريف: قولا على منوال المتنبي:
أهلا بدار سباك أغيدها
قال البديع:
يا نعمة لا تزال تجحدها ومنة لا تزال تكندها
فقال أبو بكر: الكنود قلة الخير لا الكفران، فكذبه الجمع وقالوا: ما قرأت قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
(العاديات: ٦) أي لكفور، فقال له أبو بكر: أنا
[ ١ / ٢٤٠ ]
اكتسبت بفضلي [١] دية أهل همذان فما الذي اكتسبت أنت بفضلك [٢] فقال له البديع:
أنت في حرفة الكدية أحذق، وبالاستماحة أحرى وأخلق، فقطعه الكلام. ثم أنشد القوّال:
وشبهنا بنفسج عارضيه بقايا اللطم في الخدّ الرقيق
فقال الخوارزمي: أنا أحفظ هذه القصيدة، فقال البديع: أخطأت فإن البيت على غير هذه الصيغة وهي:
وشبهنا بنفسج عارضيه بقايا الوشم في الوجه الصفيق
فقال له أبو بكر: والله لأصفعنك ولو بعد حين، فقال البديع: أنا أصفعك اليوم وتضربني غدا، اليوم خمر وغدا أمر، وأنشد قول ابن الرومي [٣]:
رأيت شيخا سفيها يفوق كلّ سفيه
وقد أصاب شبيها له وفوق الشبيه
ثم أنشد البديع [٤]:
وأنزلني طول النوى دار غربة إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله
أحامقه حتى يقال سجية ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
فأمال النعاس الرؤوس، وسكنت الألحان والنفوس، وسلب الرقاد الجلوس، فنام القوم كعادتهم في ضيافات نيسابور، وأصبحوا فتفرقوا، وبعض القوم يحكم بغلبة البديع، وبعضهم يحكم بغلبة الخوارزمي، وسعى الفضلاء بينهما بالصلح ودخل عليه البديع واعتذر وتاب واستغفر مما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال له البديع: بعد الكدر صفو، وبعد الغيم صحو، فعرض عليه الخوارزمي الاقامة عنده سحابة يومه، فأجابه
_________________
(١) الرسائل: بعقلي.
(٢) الرسائل: بعقلك.
(٣) ديوان ابن الرومي ٦: ٢٦٣٤ (في هجاء خالد القحطبي) .
(٤) البيتان في البيان والتبيين ١: ٢٤٥، ٢: ٤٢٣٥: ٢١ وعيون الأخبار ٣: ٢٤ والأول منهما في بهجة المجالس ١: ٢٣٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
البديع وأضافه الخوارزمي. وكان بعض الرؤساء مستوحشا من الخوارزمي، وهيأ مجمعا في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير، وكان أبو القاسم فاضلا ملء إهابه، وحضر أبو الطيب سهل الصعلوكي والسيد أبو الحسين العالم، فاستمال البديع قلب السيد أبي الحسين بقصيدة قالها في مدائح أهل البيت أولها:
يا معشرا ضرب الزما ن على معرّسهم خيامه
ثم حضر المجلس القاضي أبو عمر البسطامي وأبو القاسم ابن حبيب والقاضي أبو الهيثم والشيخ أبو نصر ابن المرزبان، ومع الامام أبي الطيب الفقهاء والمتصوفة، وحضر أبو نصر [١] الماسرجسي مع أصحابه والشيخ أبو سعد [٢] الهمذاني، ودخل مع الخوارزمي جمع غفير من أصحابه، فقيل لهما أنشدا على منوال قول أبي الشيص [٣]:
أبقى الزمان به ندوب عضاض ورمى سواد قرونه ببياض
فابتدر الخوارزمي فقال:
يا قاضيا ما مثله من قاض أنا بالذي تقضي علينا راض
منها:
ولقد بليت بشاعر متهتك لا بل بليت بناب ذئب غاض
فقال البديع: ما معنى قولك ذئب غاض؟ فقال أبو بكر: ما قلته، فشهد عليه الحاضرون أنه قاله، فقال أبو بكر: الذئب الغاضي الذي يأكل الغضا، فقال البديع:
استنوق الذئب، صار الذئب جملا يأكل الغضا. ثم دخل الرئيس أبو جعفر والقاضي أبو بكر الحيري [٤] والشيخ أبو زكريا [٥] والشيخ أبو الرشيد المتكلم [٦]، فقال الرئيس قولا على هذا النمط:
_________________
(١) الرسائل: أبو الحسن
(٢) الرسائل: أبو سعيد.
(٣) أشعار أبي الشيص: ٧١.
(٤) الرسائل: القاضي أبو بكر الحربي.
(٥) الرسائل: أبو زكريا الحيري.
(٦) الرسائل: مع عدة من الأراذل فيهم أبو رشيدة.
[ ١ / ٢٤٢ ]
برز الربيع لنا برونق مائه فانظر لمنظر [١] أرضه وسمائه
والترب بين ممسّك ومعنبر من نوره بل مائه وروائه
ثم أنشد الخوارزمي على هذا النمط، فلما فرغ من انشاده قال البديع للوزير والرئيس: لو أن رجلا حلف بالطلاق أني لا أقول شعرا ثم نظم تلك الأبيات التي قالها الخوارزمي [هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا طلاق، ثم قلت: انقد عليّ في ما نظمت، واحكم عليه كما حكمت، فأخذ الابيات وقال:] [٢] لا يقال نظرت لكذا [٣] ويقال نظرت إلى كذا، وأنت قلت فانظر لمنظر، وشبهت الطير بالمحصنات، وهذا تشبيه فاسد، ثم شبهتها بالمغنيات حين قلت:
والطير مثل المحصنات صوادح مثل المغني شاديا بغنائه
المحصنات كيف توصف بالغناء؟ (ثم) قلت: «كالبحر في تزخاره والغيث في أمطاره» [٤] والغيث هو المطر، فقال البديع: الغيث المطر والسحاب، وصدقه الحاضرون وأنكروا على الخوارزمي. فقال الامام أبو الطيب: علمنا أي الرجلين أفضل وأشعر، فقام البديع وقبل رأس الخوارزمي ويده وقال: اشهدوا أن الغلبة له، قال ذلك على سبيل الاستهزاء، وتفرق الناس واشتغلوا بتناول الطعام، وأبو بكر ينطق عن كبد حرّى، والوزير يقول للبديع: ملكت فأسجح. فلما قام أبو بكر أشار إلى البديع وقال: لأتركنّك بين الميمات، فقال: ما معنى الميمات: فقال: بين مهدوم مهزوم مغموم محموم مرجوم محروم، فقال البديع: لأتركنك بين الهيام والسقام والسام والبرسام والجذام والسرسام، وبين السينات بين منحوس ومنخوس ومنكوس ومعكوس، وبين الخاءات من مطبوخ ومسلوخ ومشدوخ ومفسوخ وممسوخ، وبين الباءات بين مغلوب ومسلوب ومصلوب ومنكوب. فخرج البديع وأصحاب الشافعي
_________________
(١) الرسائل: لروعة.
(٢) زيادة ضرورية من الرسائل (ص: ٧٢) .
(٣) يشير الى قول البديع «فانظر لروعة (المنظر) أرضه وسمائه» .
(٤) يريد قول البديع: كالبحر في تزخاره والغيث في إمطاره والجو في أنوائه
[ ١ / ٢٤٣ ]
يعظمونه بالتقبيل والاستقبال، والاكرام والاجلال، وما خرج الخوارزمي حتى غابت الشمس، وعاد إلى بيته وانخزل انخزالا شديدا، وانكسف باله وانخفض طرفه، ولم يحل عليه الحول حتى خانه عمره وذلك في شوال سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
قال أبو الحسن البيهقي: وبديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين الحافظ كان يحفظ خمسين بيتا بسماع واحد، ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في كتاب نظرا خفيفا ويحفظ أوراقا ويؤديها من أولها إلى آخرها، فارق همذان في سنة ثمانين وثلاثمائة، وكان قد اختلف إلى أحمد بن فارس صاحب «المجمل» وورد حضرة الصاحب وتزود من ثمارهما، واختصّ بالدهخداه أبي سعد محمد بن منصور، ونفقت بضاعته لديه، ووافى نيسابور في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وبعد موت الخوارزمي خلا له الجوّ، وجرت بينه وبين أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي مصاهرة، وألقى عصا المقام بهراة، ثم فارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
وحدث الثعالبي في أخبار أبي فراس قال [١]: حكى أبو الفضل الهمذاني قال، قال الصاحب أبو القاسم يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزوّر على أبي فراس شعرا فقلت: من يقدر على ذلك، وهو الذي يقول:
رويدك لا تصل يدها بباعك ولا تغز السباع إلى رباعك
ولا تغر العدوّ عليّ إني يمين إن قطعت فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا فقد فعلت [٢] .
ويقال إن السبب في مفارقة البديع الهمذاني حضرة الصاحب أنه كان في مجلسه فخرجت منه ريح، فقال البديع: هذا صرير التخت، فقال الصاحب: أخشى أن يكون صرير التحت، فأورثه ذلك خجلا كان سبب مفارقته إياه ووروده إلى خراسان.
_________________
(١) اليتيمة ١: ١٠٢.
(٢) من الواضح أن البديع نظم البيتين على المكان وأنشدهما الصاحب، وجازت عليه نسبتهما إلى أبي فراس أو تظاهر بذلك.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وكانت أول رقعة كتبها البديع إلى الخوارزمي عند وروده نيسابور [١]: «أنا لقرب الأستاذ أطال الله بقاءه: كما طرب النشوان مالت به الخمر.
ومن الارتياح للقائه: كما انتفض العصفور بلله القطر.
ومن الامتزاج بولائه: كما التقت الصهباء والبارد العذب.
ومن الابتهاج بمزاره: كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب.
فكيف ارتياح الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان بل [ما بين] عتبتي الجبل ونيسابور، وكيف اهتزازه لضيف في بردة حمال وجلدة جمال:
رث الشمائل منهج الأثواب بكرت عليه مغيرة الأعراب
كمهلهل وربيعة بن مكدّم وعتيبة بن الحارث بن شهاب
وهو وليّ إنعامه بانفاذ غلامه الى مستقرّي، لأفضي إليه بما عندي إن شاء الله تعالى وحده.
ثم اجتمع إليه فلم يحمد لقيه فانصرف عنه وكتب إليه [٢]: الأستاذ- والله يطيل بقاءه، ويديم تأييده ونعماءه- أزرى بضيفه أن وجده يضرب آباط القلة في أطمار الغربة، فأعمل في ترتيبه أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكفّ، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ الكلام وتكلّفه لرد السلام، وقد قبلت هذا الترتيب صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا، فإن المرء بالمال وثياب الجمال، وأنا مع هذه الحال وفي هذه الأسمال أتقزز صفّ النعال، ولو حاملته العتاب وناقشته الحساب وصدقته المصاع لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح وراغية رواح، وقوما يجرّون المطارف ولا يمنعون المعارف [٣]:
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حقّ من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل
_________________
(١) ورد بعض هذه الرسالة في ما تقدم.
(٢) الرسائل: ٣١.
(٣) ديوان زهير: ١١٣، ١١٤.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ولو طوّحت بالأستاذ أيدي الغربة إليهم لوجد منال البشر قريبا، ومحطّ الرّحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا، ورأيه- أيده الله، في أن يملأ من هذا الضيف أجفان عينه ويوسع أعطاف ظنه، ويجيبه بموقع هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله تعالى.
الجواب من الخوارزمي:
إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرّك مني من خلق
فهمت ما تناوله سيّدي من خشن خطابه ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا يخلو منه من نبا به دهر ومسّه من الأيام ضر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه. أما ما شكاه سيدي من مضايقتي إياه- زعم- في القيام وتكلّفي لردّ السلام، فقد وفّيته حقّه كلاما وسلاما وقياما على قدر ما قدرت عليه ووصلت إليه، ولم أرفع عليه غير السيد أبي القاسم [١]، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول وأمه البتول، وشاهداه التوراة والانجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبرائيل وميكائيل. وأما عدم الجمال ورثاثة الحال فما يضعان عندي قدرا ولا يضرّان نجرا، وإنما اللباس جلدة والزيّ حلية بل قشرة، وإنما يشتغل بالجلّ من لا يعرف قيمة الخيل، ونحن بحمد الله نعرف الخيل عارية من جلالها، ونعرف الرجال بأقوالها وأفعالها، لا بآلاتها وأحوالها. وأما القوم الذين صدر سيدي عنهم وانتمى اليهم ففيهم لعمري فوق ما وصف: حسن عشرة وسداد طريقة وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فنلت المراد وأحمدت المراد:
فإن أك قد فارقت نجدا وأهله فما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيتي للأحرار عامة [٢] ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على مرادي له ونيتي فيه بحسن العشرة بلغت له بعض ما في المنية [٣] وجاوزت مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي [٤] بالمعارضة وسوء المؤاخذة صرفت عناني عن
_________________
(١) الرسائل: الا السيد أبا البركات.
(٢) الرسائل: للأخوان كافة.
(٣) الرسائل: الفكرة.
(٤) الرسائل: عشرتي.
[ ١ / ٢٤٦ ]
طريق الاختيار بيد الاضطرار [١]:
فما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها
وعلى هذا فحبذا عتاب سيدي إذا صادف ذنبا واستوجب عتبا، فأما أن يسلفنا العربدة ويستكثر المعتبة والموجدة فتلك حالة نصونه عنها ونصون أنفسنا عن احتمال مثلها، فليرجع بنا إلى ما هو أشبه به وأجمل له، ولست أسومه أن يقول: اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
(يوسف: ٩٧) ولكن أسأله أن يقول: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(يوسف: ٩٢) .
رقعة البديع الثالثة إلى الخوارزمي [٢]:
أنا أرد من الأستاذ سيدي شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراي أن أكيله صاعا بصاع ومدّا عن مدّ، وإن كنت في الأدب دعيّ النسب ضعيف السبب ضيّق المضطرب سيء المنقلب، أمتّ إلى أهله بعشرة رشيقة [٣]، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة. ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الإخاء عادلا في الوداد، إذا زرت زار وإن عدت عاد، والأستاذ سيدي- أيده الله- ضايقني في القبول أولا وناقشني [٤] في الإقبال ثانيا، فأما حديث الاستقبال وأمر الإنزال والإنزال فنطاق الطمع ضيّق عنه غير متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هيّنة وفروض الودّ متعيّنة، وطرق المكارم بينة، وأرض العشرة لينة، فلم اختار قعود التعالي مركبا، وصعود التغالي مذهبا؟ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة إذا كان ذاق الحلو من ثمرها؛ وقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح، فهو شوق داعيته محاسن الفضل وجاذبته بواعث العلم، ولكنها مرّة مرة ونفس حرة، ولم تقد إلا بالإعظام ولم تلق إلا بالاكرام. وإذا استعفاني سيدي الأستاذ
_________________
(١) البيت لعمارة بن عقيل كما في الكامل للمبرد ١: ٢٩ وحماسة الخالديين ١: ٢٣٠ ومعجم المرزباني: ٧٨ والبصائر ٦ (رقم: ٦٣٢ ص ٢٠٥) من أبيات رائية، ووردت قافيته في الرسائل «معينها» .
(٢) الرسائل: ٣٥ (ويلاحظ بعض التباين بين النص في الرسائل والنص عند ياقوت وقد أشرت الى بعضه في ما تقدم، وسأقتصر في الاشارة فيما يلي على الفروق المهمة) .
(٣) الرسائل: أمت إلى عشرة أهله بنيقة.
(٤) الرسائل: وصارفني.
[ ١ / ٢٤٧ ]
من معاتبته واستعادته، ومؤاخذته إذا جفا واستزادته، وأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرّعها، فلم أعره من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما رنّقت إلا إليه، ولا حلّقت إلا عليه [١]:
أحبّك يا شمس النهار وبدره وإن لا مني فيك السّها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر وليس لأن العيش عندك بارد
جواب الخوارزمي عنها:
شريعة ودّي لسيدي- أدام الله عزه- إذا وردها صافية، وثياب بري إذا قبلها ضافية، هذا ما لم يكدّر الشريعة بتعنته وتعصّبه، ولم تخرّق الثياب بتجنيه وتسحّبه، فأما الإنصاف في الإخاء فهو ضالّتي عند الأصدق، ولا أقول [٢]:
وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه
فإن قائل هذا البيت قاله والزمان زمان، والاخوان إخوان، وحسن العشرة سلطان، ولكني أقول: وإني لمشتاق إلى ظلّ:
رجل يوازنك المودّة جاهدا يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبّة خردل مالت مودّته مع الرجحان
وقد كان الناس يقترحون الفضل فأصبحنا نقترح العدل، وإلى الله المشتكى لا منه. ذكر الشيخ سيدي- أيده الله- حديث الاستقبال، وكيف يستقبل من انقضّ علينا انقضاض العقاب الكاسر، ووقع بيننا وقوع السهم العائر:
وتكليفك المرء ما لا يطيق يجوز على مذهب الأشعري
وقد زاد سيدي على أستاذه الأشعري، فإن أستاذه كلّف العاجز ما لا يطيق مع عجزه عنه، وسيدي كلّف الجاهل علم الغيب مع الاستحالة منه. والمنزل بما فيه قد عرضته عليه، ولو أطقت حمله لحملته إليه، والشوق الذي ذكره سيدي فعندي منه الكثير الكبير، وعنده منه الصغير اليسير، وأكثرنا شوقا أقلّنا عتابا وأليننا خطابا. ولو
_________________
(١) الشعر للمتنبي، انظر ديوانه. ٣١٤.
(٢) البيت لأبي العتاهية، الأغاني ١١: ٣٢٦ غنى فيه علويه للمأمون، وانظر الصداقة والصديق للتوحيدي:
(٣) ٥١.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أراد سيدي أن أصدّق دعواه في شوقه إليّ لغضّ من حجم عتبه عليّ، فإنما اللّفظ زائد واللحظ وارد، فإذا رقّ اللفظ دقّ اللحظ، وإذا صدق الحبّ ضاق العتاب والعتب:
فبالخير لا بالشرّ فارج مودتي وأيّ امرىء يقتال منه الترهّب
عتاب سيدي قبيح ولكنه حسن، وكلامه ليّن ولكنه خشن، أما قبحه فلأنه عاتب بريئا، ونسب إلى الإساءة من لم يكن مسيئا. وأما حسنه فلألفاظه الغرر، ومعانيه التي هي كالدرر، فهي كالدنيا ظاهرها يغرّ وباطنها يضرّ، وكالمرعى على دمن الثرى منظره بهيّ ومخبره وبيّ، ولو شاء سيدي نظم الحسن والإحسان، وجمع بين صواب الفعل واللسان:
يا بديع القول حاشا لك من هجو بديع
ولحسن القول عوّذ تك من سوء الصنيع
لا يعب بعضك بعضا كن مليحا في الجميع
رقعة أخرى للبديع إلى الخوارزمي:
أنا وإن كنت مقصّرا في موجبات الفضل من حضور مجلس الاستاذ سيدي فما أفري إلا جلدي، ولا أبري إلا قدحي، ولا أبخس إلا حظّي، وإن يكن ذاك جرما فكفى هذا عقابا، ومع ذاك فما أعمر أوقاتي إلا بمدحه ولا أطرّز ساعاتي إلا بذكره، ولا أركض إلا في حلبة وصفه حرس الله فضله. نعم وقد رددت «كتاب الأوراق» للصولي وتطاولت لكتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، وللأستاذ سيدي في الفضل والتفضل به رأيه.
وقال البديع يمدح الصحابة ويهجو الخوارزميّ ويجيبه عن قصيدة رويت له في الطعن عليهم:
وكّلني بالهمّ والكآبه طعّانة لعّانة سبّابه
للسلف الصالح والصحابه أساء سمعا فأساء جابه
تأملوا يا كبراء الشيعه لعشرة الاسلام والشريعه
أتستحلّ هذه الوقيعه في بيع الكفر وأهل البيعه
[ ١ / ٢٤٩ ]
فكيف من صدّق بالرساله وقام للدين بكلّ آله
وأحرز الله يد العقبى له ذلكم الصديق لا محاله
إمام من أجمع في السقيفه قطعا عليه أنه الخليفه
ناهيك من آثاره الشريفه في ردّه كيد بني حنيفه
سل الجبال الشمّ والبحارا وسائل المنبر والمنارا
واستعلم الآفاق والأقطارا من أظهر الدين بها شعارا
ثم سل الفرس وبيت النار من الذي فلّ شبا الكفار
هل هذه البيض من الآثار إلا لثاني المصطفى في الغار
وسائل الاسلام من قوّاه وقال إذ لم تقل الأفواه
واستنجز الوعد فأومى الله من قام لما قعدوا إلا هو
ثاني النبيّ في سني الولاده ثانيه في الغارة بعد العاده
ثانيه في الدعوة والشهاده ثانيه في القبر بلا وساده
ثانيه في منزلة الزعامه نبوة أفضت إلى إمامه
أتأمل الجنة يا شتّامه ليست بمأواك ولا كرامه
ان امرءا أثنى عليه المصطفى ثمّت والاه الوصيّ المرتضى
واجتمعت على معاليه الورى واختاره خليفة ربّ العلى
واتبعته أمة الأمّيّ وبايعته راحة الوصيّ
وباسمه استسقى حيا الوسميّ ما ضرّه هجو الخوارزميّ
سبحان من لم يلقم الصخر فمه ولم يعده حجرا ما أحمله
يا نذل يا مأبون أفطرت فمه لشدّ ما اشتاقت إليك الحطمه
[ ١ / ٢٥٠ ]
إن أمير المؤمنين المرتضى وجعفرا الصادق أو موسى الرضى
لو سمعوك بالخنا معرّضا ما ادخروا عنك الحسام المنتضى
ويلك لم تنبح يا كلب القمر ما لك يا مأبون تغتاب عمر
سيد من صام وحجّ واعتمر صرّح بإلحادك لا تمش الخمر
يا من هجا الصديق والفاروقا كيما يقيم عند قوم سوقا
نفخت يا طبل علينا بوقا فما لك اليوم كذا موهوقا
إنك في الطعن على الشيخين والقدح في السيّد ذي النورين
لواهن الظهر سخين العين معترض للحين بعد الحين
هلا شغلت باستك المغلومه وهامة تحملها مشؤومه
هلا نهتك الوجنة الموشومه عن مشتري الخلد ببئر رومه
كفى من الغيبة أدنى شمّه من استجاز القدح في الأئمه
ولم يعظم أمناء الأمه فلا تلوموه ولوموا أمه
ما لك يا نذل وللزكيّه عائشة الراضية المرضيّه
يا ساقط الغيرة والحميّه ألم تكن للمصطفى حظيه
من مبلغ عنّي الخوارزميا يخبره أن ابنه عليا
قد اشترينا منه لحما نيا بشرط أن يفهمنا المعنيا
يا أسد الخلوة خنزير الملا مالك في الحرّى تقود الجملا
يا ذا الذي يثلبني إذا خلا وفي الخلا أطعمه ما في الخلا
وقلت لما احتفل المضمار واحتفّت الأسماع والأبصار
سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتي أم حمار
[ ١ / ٢٥١ ]
وكتب البديع إلى معلمه جوابا [١]: الشيخ الإمام يقول: فسد الزمان، أفلا يقول متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها، أم في المدة المروانية وفي أخبارها:
لا تكسع الشّول بأغبارها انك لا تدري من الناتج
ام السنين الحربية:
والسيف يغمد في الطّلى والرمح يركز في الكلى
ومبيت حجر بالفلا والحرّتان وكربلا
أم الأيام العدوية، وصاحبها [يقول]: هل بعد البزول الا النزول، أم الأيام التيمية [وصاحبها] يقول طوبى لمن مات في نأنأة الاسلام، أم على عهد الرسالة وقيل اسكني يا فلانة فقد ذهبت الأمانة، أم في الجاهلية ولبيد يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
أم قبل ذلك وأخو عاد يقول:
بلاد بها كنا وكنا نحبها إذ الأهل أهل والبلاد بلاد
أم قبل ذلك وقد قال آدم ﵇:
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبرّ قبيح
أم قبل ذلك والملائكة تقول أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
(البقرة: ٣٠) واني على توبيخه لي لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، ما نسيته ولا أنساه، وإن له بكل كلمة علمنا منارا، ولكل حرف أخذته منه نارا، ولو عرفت لكلامي موقعا من قلبه لاغتنمت خدمته به، ولكني خشيت أن يقول هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
(يوسف: ٦٥) واثنتان قلما تجتمعان الخراسانية والانسانية، وإني وإن لم أكن خراسانيّ الطينة فإني خراساني المدينة، والمرء من حيث يوجد لا من حيث يولد، والانسان من حيث يثبت لا من حيث ينبت، فإذا انضاف إلى تربة خراسان ولادة همذان ارتفع القلم وسقط التكليف، والجرح جبار والجاني حمار، فليحملني
_________________
(١) الرسالة موجهة الى أستاذه أحمد بن فارس، انظر الرسائل: ٤١٤.
[ ١ / ٢٥٢ ]
على هناتي، أليس صاحبنا يقول:
لا تلمني على ركاكة عقلي إن تصورت أنني همذاني [١]
- ٧٩-