: رأيت في فوائد أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي صاحب كتاب «المجمل» ما صورته: وجدت في تفسير أبي موسى محمد بن المثنى العنزي ولم أسمعه، حدثني أبو معاوية الضرير محمد بن حازم، حدثنا إسماعيل روى عن أبي صالح، هكذا أسماه، وقد سماه السلامي كما ذكرناه في الترجمة، والذي ترجمناه أصحّ لأني رأيته في مواضع أخر موافقا له، والله أعلم.
قال الازهري [٢]: كان طاهر بن عبد الله بن طاهر استقدمه من بغداد إلى خراسان وأقام بنيسابور وأملى بها المعاني والنوادر، ولقي أبا عمرو الشيباني وابن الأعرابي، وكان يلقى الأعراب الفصحاء الذين استوردهم ابن طاهر نيسابور فيأخذ عنهم وكان شمر [٣] وأبو الهيثم [٤] يوثّقانه.
_________________
(١) - هو من الخطاطين الذين لم تهتم بهم كثيرا كتب التراجم.
(٢) - ترجمة أبي سعيد الضرير في إنباه الرواة ١: ٤١ والوافي ٦: ٣٦٩ ونكت الهميان: ٩٦ وبغية الوعاة ١: ٣٠٥.
(٣) بعد هذا في الموجز رسالة من البديع الى مسكويه وسترد في ترجمة مسكويه.
(٤) تهذيب اللغة ١: ٢٤.
(٥) يعني شمر بن حمدويه الهروي اللغوي (وسيترجم له المؤلف رقم: ٥٨٩) .
(٦) هو أبو الهيثم الرازي النحوي قدم هراة قبل وفاة شمر (توفي سنة ٢٥٥) وكان أعلم بالنحو من شمر وله تصانيف (إنباه الرواة ٤: ١٨٢) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
ونقلت من كتاب «نتف الطرف» تأليف أبي علي الحسين بن أحمد السلامي البيهقي صاحب كتاب «ولاة خراسان» - وقد ذكرناه في بابه [١]- قال: خرّج أبو سعيد الضرير عن أبي عبيد من «غريب الحديث» جملة مما غلط فيه، وأورد في تفسيره فوائد كثيرة ثم عرض ذلك على عبد الله بن عبد الغفار وكان أحد الأدباء فكأنه لم يرضه، فقال لأبي سعيد: ناولني يدك فناوله يده فوضع الشيخ في كفّه متاعه وقال له:
اكتحل بهذا يا أبا سعيد حتى تبصر فكأنك لا تبصر.
ثم قال: سمعت أبا جعفر محمد بن سليمان الشرمقاني قال: سمعت أبا سعيد الضرير يقول: كان يقال إذا أردت أن تعرف خطأ أستاذك فجالس غيره.
وله تصانيف منها: كتاب الردّ على أبي عبيد في غريب الحديث. وكتاب الأبيات.
قال السلامي: حدثني أبو العباس محمد بن أحمد الغضاري قال حدثني عمي محمد بن الفضل، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة قال: لما قدم عبد الله بن طاهر نيسابور وأقدم معه جماعة من فرسان طرسوس وملطية وجماعة من أدباء الأعراب منهم عرّام وأبو العميثل وأبو العيسجور وأبو العجنّس وعوسجة وأبو العذافر وغيرهم فتفرّس أولاد قواده وغيرهم بأولئك الفرسان، وتأدبوا بأولئك الأعراب، وبهم تخرّج أبو سعيد الضرير، واسمه أحمد بن خالد، وكان وافى نيسابور مع عبد الله بن طاهر، فصار بهم إماما في الأدب. وقد كان صحب بالعراق أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأخذ عنه، فبلغ ابن الأعرابي أن أبا سعيد يروي عنه أشياء كثيرة مما يفتي فيه، فقال لبعض من لقيه من الخراسانية: بلغني أن أبا سعيد يروي عني أشياء كثيرة فلا تقبلوا منه من ذلك غير ما يرويه من أشعار العجاج ورؤبة، فإنه عرض ديوانهما عليّ وصحّحه.
وحدّث عن الغضاري عن عمه قال: اختصم بعض الأعراب الذين كانوا مع عبد الله بن طاهر في علاقة بينهم إلى صاحب الشرطة بنيسابور فسألهم بيّنة وشهودا يعرفون، فأعجزهم ذلك، فقال أبو العيسجور:
إن يبغ منا شهودا يشهدون لنا فلا شهود لنا غير الأعاريب
وكيف يبغي بنيسابور معرفة من داره بين أرض الحزن واللّوب
_________________
(١) ترجمته رقم: ٣٦٦.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قرأت [١] بخط عبد السلام البصري في كتاب محمد بن أبي الأزهر قال، حدثني وهب بن إبراهيم خال عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنا يوما بنيسابور في مجلس أبي سعيد المكفوف، وكان أبو سعيد عالما باللغة جدا، إذ هجم علينا مجنون من أهل قمّ، فسقط على جماعة من أهل المجلس، فاضطرب الناس لسقطته، ووثب أبو سعيد لا يشكّ أن آفة قد لحقتنا من سقوط جدار أو شرود بهيمة، فلما رآه المجنون على تلك الحال قال: الحمد لله ربّ العالمين، على رسلك يا شيخ لا ترع، آذاني هؤلاء الصبيان وأخرجوني عن طبعي إلى ما لا أستحسنه من غيري، فقال أبو سعيد:
امنعوا منه عافاكم الله، فوثبنا وشرّدنا من كان [يعبث به] ورجعنا، فسكت ساعة لا يتكلم، إلى أن عدنا إلى ما كنّا فيه من المذاكرة، وابتدأ بعضنا بقراءة قصيدة من شعر نهشل بن حري التميمي حتى بلغ قوله:
غلامان خاضا الموت من كلّ جانب فآبا ولم تعقد وراءهما يد
متى يلقيا قرنا فلا بدّ أنه سيلقاه مكروه [٢] من الموت أسود
فما استتم هذا البيت حتى قال [المجنون]: قف أيها القارىء، تتجاوز المعنى ولا تسأل عنه؟ ما معنى قوله ولم تعقد وراءهما يد؟ فأمسك من حضر عن القول، فقال: قل يا شيخ فإنك المنظور إليه والمقتدى به، فقال أبو سعيد: يقول إنهما رميا بأنفسهما في الحرب أقصى مراميها ورجعا موفورين لم يؤسرا فتعقد أيديهما كتفا [٣]، فقال: يا شيخ أترضى لنفسك بهذا الجواب؟ فأنكرنا ذلك على المجنون، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال أبو سعيد: هذا الذي عندنا فما عندك؟ فقال: المعنى يا شيخ آبا ولم تعقد يد بمثل فعلهما بعدهما لأنهما فعلا ما لم يفعله أحد، كما قال الشاعر:
قرم [٤] إذا عدّت تميم معا ساداتها عدّوه بالخنصر
_________________
(١) أورد السيوطي هذه القصة في الأشباه والنظائر ٦: ١٩١- ١٩٣ نقلا عن ياقوت.
(٢) م: مكروب.
(٣) كتفا: ربطا بالكتاف.
(٤) م: قوم.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ألبسه الله ثياب النّدى فلم تطل عنه ولم تقصر
أي خلقت له، وقريب من الأول قوله:
قومي بنو مذحج من خير الأمم لا يصعدون قدما على قدم
يعني أنهم يتقدمون الناس ولا يطأون على عقب أحد، وهذان فعلا ما لم يفعله أحد. فلقد رأيت أبا سعيد وقد احمرّ وجهه واستحيا من أصحابه، ثم غطّى المجنون رأسه وخرج وهو يقول: يتصدّرون ويغرّون الناس من أنفسهم. فقال أبو سعيد بعد خروجه: اطلبوه فإني أظنه إبليس، فطلبناه فلم نظفر به.
قال الشافعي حدثني أبو جعفر الشرمقاني قال: كان أبو سعيد الضرير مثريا ممسكا لا يكسر رأس رغيف له، إنما يأكل عند من يختلف إليهم، لكنه كان أديب النفس عاقلا، حضر يوما مجلس عبد الله بن طاهر فقدّم إليه طبق عليه قصب السكر، وقد قشر وقطّع كاللقم، فأمره عبد الله بن طاهر أن يتناول منه، فقال أبو سعيد: إن لهذا لفاظة ترتجع من الأفواه وأنا أكره ذلك في مجلس الأمير- أيده الله، فقال عبد الله: تناول فليس بصاحبك من احتشمك واحتشمته، أما إنه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كلّ رجل منهم عاقلا.
وقيل إن هذا الكلام جرى بين الضرير وبين أبي دلف في مجلسه.
وحدث قال حدثني الغضاري قال: كان أبو سعيد الضرير يختار المؤدبين لأولاد قواد عبد الله بن طاهر، ويبيّن مقدار أرزاقهم، ويطوف عليهم، ويتعهد من بين أيديهم من أولئك الصبيان. فاستقبله يوما في ميدان الحسين بعض أولئك المؤدبين فقال له: يا فلان من أين وجهك؟ قال: من شاذياخ، قال: زد فيه ألفا ولاما، فقال: من شاذياخال، فقال أبو سعيد: اللهم غفرا زدهما في أول الحرف ويلك، فقال: ألف لام شاذياخ، فقال: صمّ صداك، كم رزقك؟ قال: سبعين درهما، فقال: يصرف ويبدل به غيره وهو صاغر قميء [١] .
وحدث الحاكم في «كتاب نيسابور» سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبي يقول: لما قلّد المأمون عبد الله بن طاهر ولاية خراسان في سنة
_________________
(١) م: صدى.
[ ١ / ٢٥٦ ]
سبع عشرة ومائتين وناوله العهد بيده قال: حاجة يا أمير المؤمنين، قال: مقضية، قال: يسعفني أمير المؤمنين في استصحاب ثلاثة من العلماء، قال: من هم؟ قال:
الحسين بن الفضل البجلي وأبو سعيد الضرير وأبو إسحاق القرشي، فأجابه إلى ذلك، فقال عبد الله: وطبيب يا أمير المؤمنين، فليس في خراسان طبيب حاذق، قال:
من؟ قال: أيوب الرهاوي، فقال: يا أبا العباس لقد أسعفناك بما التمسته، وقد أخليت العراق من الأفراد. قال: فقدم الحسين بن الفضل نيسابور وابتاع بها دارا مشهورة بباب عزرة، فبقي يعلّم الناس العلم ويفتي إلى أن مات في شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائتين وهو ابن مائة سنة وأربع سنين، ودفن في مقبرة الحسين بن معاذ، قال: ولو كان في بني إسرائيل لكان من عجائبهم يعني الحسين بن الفضل، ذكر ذلك كله في ترجمة الحسين بن الفضل.
قرأت بخط الأزهري من كتاب «نظم الجمان» للمنذري، سمعت أبا عبد الله المعقلي المزني يقول، سمعت أبا سعيد الضرير يقول: كنت أعرض على ابن الأعرابي أصول الشعر أصلا أصلا، وعرض عليه وأنا أحضر شعر الكميت في المجالس التي كان يحضرها، قال: فحفظته بعرضه وحفظت النكت التي أفاد فيها، فقال لي ابن الأعرابي يوما: لم تعرض عليّ فيما عرضت شعر الكميت، فقلت له:
عرضه عليك فلان فحفظته بعرضه، وحفظت ما أفدت فيه من الفوائد والنكت والمعاني، وجعلت أنشده وأعرّفه من تلك النكت، فعجب.
وقال أبو سعيد الضرير [١]: سألني أبو دلف عن بيت امرىء القيس [٢]:
كبكر المقاناة البياض بصفرة
قال: أخبرني عن البكر هي المقاناة أم غيرها؟ قال قلت: هي هي، قال:
أفيضاف الشيء إلى صفته؟ قلت: نعم، قال: وأين؟ قلت: قد قال الله تعالى:
وَلَدارُ الْآخِرَةِ*
(يوسف: ١٠٩) فأضاف الدار إلى الآخرة وهي هي بعينها، والدليل على ذلك أنه قال في سورة أخرى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ*
(الأعراف: ١٦٩) قال: أريد
_________________
(١) هذه القصة نقلها السيوطي في الأشباه والنظائر ٦: ١٨٩.
(٢) عجز البيت: جواهرها في صرة لم تزيل.
[ ١ / ٢٥٧ ]
أشفى من هذا، فأنشدته لجرير [١]:
يا ضبّ إنّ هوى القيون أضلكم كضلال شيعة أعور الدجّال
- ٨١-