: أخذ عن البصريين والكوفيين، وأكثر أخذه عن ابن السكيت، وكان نحويا لغويا مهندسا منجما حاسبا، راوية ثقة فيما يرويه ويحكيه، مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وجدت ذلك على ظهر «كتاب النبات» من تصنيفه، ووجدت في كتاب عتيق: مات أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري قبل سنة تسعين ومائتين، ثم وجدت على ظهر النسخة التي بخط ابن المسيح بكتاب النبات من تصنيف أبي حنيفة: توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، ووجدت في «كتاب الوفيات» لأبي عبد الله محمد بن سفيان بن هارون ابن بنت جعفر بن محمد الفريابي البغدادي: مات أبو حنيفة أحمد بن داود بن ونند صاحب «كتاب النبات» في سنة إحدى وثمانين ومائتين.
قال أبو حيان في «كتاب تقريظ الجاحظ» [٢] ومن خطه الذي لا أرتاب فيه نقلت، قال: قلت لأبي محمد الأندلسي- يعني عبد الله بن حمود الزبيدي، وكان من غرر أصحاب السيرافي، وله في هذا الكتاب ذكر [٣]-: قد اختلف أصحابنا في مجلس أبي سعيد السيرافي في بلاغة الجاحظ وأبي حنيفة صاحب النبات ووقع الرضى بحكمك فما قولك؟ فقال: أنا أحقر نفسي عن الحكم لهما وعليهما، فقال لا بدّ من قول، قال: أبو حنيفة أكثر بداوة وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة
_________________
(١) - ترجمة أبي حنيفة الدينوري في إنباه الرواة ١: ٤١ والوافي ٦: ٣٧٧ وبغية الوعاة ١: ٣٠٦ وخزانة الأدب ١: ٦٠ والبلغة: ٢٠ وسير الذهبي ١٣: ٤٢٢ والفهرست: ٨٦.
(٢) ديوان جرير: ٩٦٢.
(٣) لم يصلنا هذا الكتاب من كتب أبي حيان.
(٤) ترجمته رقم: ٦٤٦.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بالنفس سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أغرب وأعرب وأدخل في أساليب العرب.
قال أبو حيان: والذي أقوله وأعتقده وآخذ به واستهام عليه أني لم أجد في جميع من تقدّم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها لما بلغوا آخر ما يستحقه كلّ واحد منهم، أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة وبسببه جشّمنا هذه الكلفة، أعني أبا عثمان عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كلّ فنّ ساق [١] وقدم ورواء وحكم [٢]، وهذا كلامه في «الأنواء» يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك، فأما كتابه في «النبات» فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدويّ وعلى طباع أفصح عربيّ، ولقد قيل لي إن له في القرآن كتابا يبلغ ثلاثة عشر مجلدا ما رأيته، وأنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره. وقد وقف الموفّق عليه وسأله وتحفّى به، والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي فإنه من لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظنّ أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفح كلامه في «كتاب أقسام العلوم» وفي «كتاب أخلاق الأمم» وفي «كتاب نظم القرآن» وفي «كتاب اختيار السيرة» وفي رسائله إلى إخوانه وجوابه عما يسأل عنه ويبده به، علم أنه بحر البحور، وأنه عالم العلماء. وما رئي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير، ولو تناصرت إلينا أخبارهما لكنا نحبّ أن نفرد لكلّ واحد منهما تقريظا مقصورا عليه، وكتابا منسوبا إليه، كما فعلت بأبي عثمان.
قرأت في كتاب ابن فورجة المسمى ب «الفتح على أبي الفتح» في تفسير قول المتنبي [٣]:
_________________
(١) ر: شان.
(٢) ر: وسلم.
(٣) انظر الفتح: ٢٤٥- ٢٤٧ وقد ذهب ابن جني إلى أن التشبيه بما يعني أن السائل يقول: بما يشبه فلان؟ فيقال: كأنه الأسد، وهذا ما يستنكره ابن فورجة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
فدع عنك تشبيهي بما وكأنه فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
وقال فيه ما لم يرضه ابن فورجة، ونسبه إلى أنه سأل عنه أبا الطيب، فأجاب بهذا الجواب، فأورد ابن فورجة هذه الحكاية: زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه قال له عيسى: أيها الشيخ ما الشاة المجثّمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها؟ فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة، فقال: هل من شاهد؟ قال: نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد نسمه إلا عنيز لجبة مجثّمه
فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل قال له: أيها الشيخ ما الشاة المجثّمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها وذبحت من خلف قفاها، فقال: كيف تقول وهذا شيخ أهل العراق- يعني أبا العباس المبرد- يقول هي مثل اللجبة، وهي القليلة اللبن، وأنشده البيتين، فقال أبو حنيفة: أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان البيتان إلا لساعتهما هذه، فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنيفة، فإنني أنفت أن أرد عليك من العراق وذكري ما قد شاع فأول ما تسألني عنه لا أعرفه، فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البهت. قال ابن فورجة: وأنا أحلف بالله العليّ إن كان أبو الطيب قطّ سئل عن هذا البيت فأجاب هذا الجواب الذي حكاه ابن جني، وإن كان إلّا متزيدا مبطلا في ما يدعيه، عفا الله عنه وغفر له، فالجهل والإقرار به أحسن من هذا.
وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال [١]: وله من الكتب المصنفة: كتاب الباه.
كتاب ما يلحن فيه العامة. كتاب الشعر والشعراء. كتاب الفصاحة. كتاب الأنواء.
كتاب في حساب الدور [٢] . كتاب البحث في حساب الهند. كتاب الجبر والمقابلة.
كتاب البلدان. كتاب النبات [٣] لم يصنّف في معناه مثله. كتاب الردّ على لغدة
_________________
(١) الفهرست: ٨٦.
(٢) ر: حساب الدينور.
(٣) طبعت من هذا الكتاب قطعتان.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الأصفهاني. كتاب الجمع والتفريق. كتاب الأخبار الطوال [١] . كتاب الوصايا.
كتاب نوادر الجبر. كتاب إصلاح المنطق. كتاب القبلة والزوال. كتاب الكسوف.
قال أبو حيان: وله كتاب في تفسير القرآن.
- ٨٢-