: وأبوه أبو أيوب سليمان بن وهب الوزير وعمه الحسن بن وهب معروفان مشهوران مذكوران في هذا الكتاب [٣]، ونسب هذا البيت مستقصى في ترجمة الحسن بن وهب. مات في ما ذكره أبو عبيد الله في كتاب «معجم الشعراء» في سنة خمس وثمانين ومائتين، وكان أبو الفضل هذا بارعا فاضلا ناظما ناثرا قد تقلد الأعمال ونظر للسلطان في جباية الأموال،
_________________
(١) - ترجمته في تاريخ بغداد ٤: ١٧٧ والوافي ٦: ٤٠٥.
(٢) - ترجمته في الوافي ٦: ٤٠١.
(٣) م: المباشر، وأثبت ما في تاريخ الخطيب.
(٤) م: بقنينة؛ تاريخ بغداد: بابن قتيبة.
(٥) ترجمة الحسن رقم: ٣٥٧ ولم ترد لسليمان ترجمة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وأخوه عبيد الله بن سليمان والقاسم بن عبيد الله وزيرا المعتضد والمكتفي.
ولأحمد من التصنيفات كتاب ديوان شعره وكتاب ديوان رسائله.
حدث الصولي قال: وجدت بخطّ بعض الكتاب أن أحمد بن سليمان سأل صديقا له حاجة فلم يقضها له فقال:
قل لي نعم مرة إني أسرّ بها وإن عداني ما أرجوه من نعم
فقد تعودت لا حتى كأنك لا تعدّ قولك لا إلا من الكرم
قال: وحدثني الطالقاني [قال]: كنا عند أحمد بن سليمان على شرب ومعنا رجل من الهاشميين ورجل من الدهاقين، فعربد الهاشميّ على الدهقان فأنشد أحمد بن سليمان:
إذا بدأ الصديق بيوم سوء فكن منه لآخر ذا ارتقاب
وأمر باخراج الهاشمي، فقال له: أتخرجني وتدع نبطيا؟ فقال: نعم رأس كلب أحبّ إليّ من ذنب أسد.
وحدث عن الحسين بن إسحاق قال: كنت عند أحمد بن سليمان بن وهب ونحن على شراب، فوافته رقعة فيها أبيات مدح، فكتب الجواب فنسخته، ولم أنسخ الرقعة الواردة عليه، وكان جوابه: وصلت رقعتك- أعزك الله- فكانت كوصل بعد هجر، وغنى بعد فقر، وظفر بعد صبر، ألفاظها درّ مشوف، ومعانيها جوهر مرصوف، وقد اصطحبا أحسن صحبة، وتآلفا أقرب ألفة، لا تمجّها الآذان، ولا تتعب بها الأذهان. وقرأت في آخرها من الشعر ما لم أملك نفسي أن كتبت لجلالته عندي، وحسن موقعه من نفسي، بما لا أقوم به مع تحيّف الصهباء لبي وشربها من عقلي مقدار شربي، ولكني واثق منك بطيّ سيئتي ونشر حسنتي:
نفسي فداؤك يا أبا العباس وافى كتابك بعد طول الياس
وافى وكنت بوحشتي متفردا فأصارني للجمع والإيناس
وقرأت شعرك فاستطلت لحسنه فخرا على الخلفاء والجلّاس
عاينت منه عيون وشي سدّيت ببدائع في جانب القرطاس
[ ١ / ٢٧٠ ]
فاقت دقائقة وجلّ لحسنه عن أن يحدّ بفطنة وقياس
شعر كجري الماء يخرج لفظه من حسن طبعك مخرج الأنفاس
لو كان شعر الناس جسما لم يكن لكماله إلا مكان الراس
وكان لأحمد خادم يقال له عرّام، ويكنى أبا الحسام، وكان يهواه جدا، فخرج مرة إلى الكوفة بسبب رزقه مع إسحاق بن عمران، فكتب إلى إسحاق:
دموع العين مذروفه ونفس الصبّ مشغوفه
من الشوق إلى البدر ال ذي يطلع بالكوفه
فلما قرأ كتابه وفّاه رزقه وأنفذه إليه سريعا.
ومن كلامه: النعم- أيدك الله- ثلاث: مقيمة ومتوقّعة وغير محتسبة، فحرس الله لك مقيمها، وبلّغك متوقّعها، وآتاك ما لم تحتسب منها.
قال: ودخل أحمد بن سليمان إلى صديق له ولم يره كما ظنّ من السرور، فدعا بدواة وكتب:
قد أتيناك زائرين خفافا وعلمنا بأنّ عندك فضله
من شراب كأنه دمع مرها ء أضاءت لها من الهجر شعله
ولدينا من الحديث هنات معجبات نعدّها لك جمله
إن يكن مثل ما تريد وإلا فاحتملنا فإنما هي أكله
ومن مشهور شعره الذي لا تخلو مجاميع أهل الفضل منه قوله يصف السرو من أبيات، وربما نسبوه إلى غيره:
حفّت بسرو كالقيان تلحّفت خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح حين تميلها تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل
وكتب في صدر كتاب إلى ابن أخيه الحسن بن عبيد الله بن سليمان:
يا ابني ويا ابن أخي الأدنى ويا ابن أبي والمرتدي برداء العقل والأدب
ومن يزيد جناحي من قواك به ومن إذا عدّ مني زان لي حسبي
[ ١ / ٢٧١ ]
ومن منثوره: كتب إلى ابن أبي الاصبع: لو أطعت الشوق إليك والنزاع نحوك لكثر قصدي لك وغشياني إياك، مع العلّة القاطعة عن الحركة، الحائلة بيني وبين الركوب، فالعلة إن تخلّفت مخلّفتي، وإيثار التخفيف يؤخّر مكاتبتي، فأما مودة القلب وخلوص النية ونقاء الضمير والاعتداد بما يجدده الله لك من نعمة ويرفعك إليه من درجة ويبلغك إياه من رتبة، فعلى ما يكون عليه الأخ الشقيق وذو المودة الشقيق.
وأرجو أن يكون شاهدي على ذلك من قلبك أعدل الشهود، ووافدي باعلامك إياه أصدق الوفود، وبحسب ذلك انبساطي إليك في الحاجة تعرض قبلك، ويعنى بالنجاح فيها عندك، وعرضت حاجة ليس تمنعني قلتها من كثير الشكر عليها، والاعتداد بما يكون من قضائك اياها، وقد حمّلتها يحيى [١] لتسمعها منه وتتقدم بما أحبّ فيها، جاريا على كرم سجيتك وعادة تفضلك [٢]، إن شاء الله.
وكتب الى أخيه الوزير عبيد الله وقد سافر ولم يودّعه: أطال الله بقاء الوزير مصحبا له السلامة الشاملة، والغبطة المتكاملة، والنعم المتظاهرة، والمواهب المتواترة، في ظعنه ومقامه، وحلّه وترحاله، وحركته وسكونه، وليله ونهاره، وعجّل إلينا أوبته، وأقرّ عيوننا برجعته، ومتّعها بالنظر إليه. كان شخوص الوزير- أعزه الله- في هذه المدة بغتة أعجل عن توديعه فزاد ذلك في ولهي وأضرم لوعتي، واشتدت له وحشتي، وذكرت قول كثير [٣]:
وكنتم تزينون البلاد ففارقت عشية بنتم زينها وجمالها
فقد جعل الراضون إذ أنتم بها بخصب البلاد يشتكون وبالها
والوزير- أعزه الله- يعلم ما قيل في يحيى بن خالد:
ينسى صنائعه ويذكر وعده ويبيت في أمثاله يتفكّر
_________________
(١) ر: فلان.
(٢) ر: فضلك.
(٣) ديوان كثير: ٧٥.
(٤) حاشية ر بخط مغاير: أكرم بذلك من ذكور ناس.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وكتب إلى صديق له: ليس عن الصديق المخلص والأخ المشارك في الأحوال كلّها مذهب، ولا وراءه للواثق به مطلب، والشاعر يقول [١]:
وإذا يصيبك والحوادث جمّة حدث حداك إلى أخيك الأوثق
وأنت الأخ الأوثق، والوليّ المشفق، والصديق الوصول، والمشارك في المكروه والمحبوب، قد عرّفني الله من صدق صفائك، وكرم وفائك، على الأحوال المتصرفة والأزمنة المتقلبة، ما يستغرق الشكر ويستعبد الحر. وما من يوم يأتي عليّ إلا وثقتي بك تزداد استحكاما، واعتمادي عليك يزداد توكّدا والتئاما، أنبسط في حوائجي، وأثق بنجح مسألتي، والله أسأل لك طول البقاء في أدوم النعمة وأسبغها، وأكمل العوافي وأتمها، وألّا يسلب الدنيا نضرتها بك، وبهجتها ببقائك، فما أعرف بهذا الدهر المتنكر في حالاته حسنة سواك، ولا حلية غيرك، فأعيذك بالله من العيون الطامحة، والألسن القادحة، وأسأله أن يجعلك في حرزه الذي لا يرام، وكنفه الذي لا يضام، وأن يحرسك بعينه التي لا تنام، إنه ذو المنّ والإنعام.
- ٩١-