: نقلت من كتاب أبي بكر الخطيب قال:
إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي، ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين في ذي الحجة، ودفن في بيته في شارع باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا. وكان قد سمع أبا نعيم الفضل بن دكين وعفّان بن مسلم وعبيد الله بن محمد بن عائشة وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وعبيد الله القواريري وخلقا من أمثالهم. روى عنه موسى بن هارون الحافظ ويحيى بن صاعد وأبو بكر ابن أبي داود والحسين المحاملي ومحمد بن مخلد وأبو بكر الأنباري النحوي وأبو عمر الزاهد صاحب ثعلب وخلق كثير غيرهم. وكان إماما في العلم رأسا في الزهد، عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، حافظا للحديث مميزا لعلله، قيما بالأدب جماعا للغة، وصنّف كتبا كثيرة منها: كتاب غريب الحديث [٢]، وأصله من مرو؛ وكان يقول أمي تغلبية وأخوالي نصارى أكثرهم. وقيل: لم سمّيت إبراهيم
_________________
(١) - ترجمة إبراهيم الحربي في تاريخ بغداد ٦: ٢٧ وعنه ينقل ياقوت وعن ياقوت ينقل الوافي ٥: ٣٢٠ والفوات ١: ١٤ وبغية الوعاة ١: ٤٠٨؛ وانظر الفهرست وإنباه الرواة ١: ١٥٥ وطبقات السبكي ٢: ٢٥٦ وطبقات الشيرازي: ١٧١ وصفة الصفوة ٢: ٢٢٨ وطبقات أبي يعلى ١: ٨٦ وتذكرة الحفاظ: ٥٨٤ وسير أعلام النبلاء ١٣: ٣٥٦ وعبر الذهبي ٢: ٧٤ والبلغة: ٤ والشذرات ٢: ١٩٠ وانظر مقدمة كتاب «المناسك» بتحقيق صديقنا العلامة الشيخ حمد الجاسر ففيها دراسة عن الحربي ومؤلفاته ص ٩- ٢٥٦ (وفي حاشية سير أعلام النبلاء مزيد من التخريج) .
(٢) صاحبته يعني الفرس؛ المحوص: السريعة العدو، أو الشديدة الخلق. ناء بها: أتعبها؛ الرهيص: المرهوصة وهي التي أثر فيها الحصى فأوهن حوافرها.
(٣) طبع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء بتحقيق الدكتور سليمان بن إبراهيم بن محمد العايد، جامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤٠٥/١٩٨٥.
[ ١ / ٤١ ]
الحربي؟ فقال: صحبت قوما من الكرخ على الحديث وعندهم ما جاز القنطرة العتيقة من الحربية [١] فسموني الحربي بذلك.
وحدّث [٢] أحمد بن عبد الله بن خالد بن ماهان المعروف بابن أسد قال:
سمعت إبراهيم الحربيّ يقول: أجمع عقلاء الأمة أنه من لم يجر مع القدر لم يهنأ بعيشه، كان يكون قميصي أنظف قميص وإزاري أوسخ إزار، ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، وفرد عقبي الآخر صحيح، أمشي بهما وأدور بغداد كلّها هذا الجانب وذاك الجانب، لا أحدّث نفسي أني أصلحهما، وما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي قطّ حمّى وجدتها؛ الرجل هو الذي يدخل غمه على نفسه ولا يغمّ عياله، كان بي شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين [٣] في اليوم والليلة إن جاءتني بهما امرأتي أو إحدى بناتي أكلت وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الأخرى، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كان برنيا، أو نيفا وعشرين إن كان دقلا [٤] . ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهرا فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف. ودخلت الحمام واشتريت لهم صابونا بدانقين فقام نفقة شهر رمضان كلّه بدرهم وأربعة دوانيق ونصف، ولا تروّحت [٥] ولا روّحت قطّ ولا أكلت من شيء واحد في يوم مرتين.
وحدث [٦] أحمد بن سليمان القطيعي قال: أضقت إضاقة شديدة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثّه ما أنا فيه، فقال لي: لا يضيق [٧] صدرك فإنّ الله من وراء المعونة. وإني أضقت مرة حتى انتهى أمري في الإضافة إلى أن عدم عيالي القوت،
_________________
(١) في م: صحبت قوما من الحربية، وما هنا مطابق للمختصر وتاريخ بغداد.
(٢) تاريخ بغداد ٦: ٣٠- ٣١ وقارن بسير الذهبي ١٣: ٣٦٧.
(٣) م: برغيف.
(٤) البرني: نوع جيد من التمر، والدقل رديء.
(٥) هو كذلك في تاريخ بغداد وسير الذهبي: ٣٦٧، وفي ر: تزوجت ولا زوجت.
(٦) تاريخ بغداد: ٣١- ٣٢ وسير الذهبي: ٣٦٨.
(٧) كذا هو أيضا في تاريخ بغداد وسير الذهبي، والأصوب: لا يضق؛ وقارن بإنباه الرواة ١: ١٥٦- ١٥٧.
[ ١ / ٤٢ ]
فقالت لي الزوجة: هب أني وإياك نصبر فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه، فضننت بذلك وقلت: اقترضي لهما شيئا وأنظريني بقية اليوم والليلة، وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي، فكنت أجلس فيه للنسخ والنظر، فلما كان في تلك الليلة إذا داقّ يدقّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من الجيران، فقلت: ادخل، فقال أطف السراج حتى أدخل، فكببت على السراج شيئا وقلت: ادخل، فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف، فكشفت عن السراج ونظرت فإذا منديل له قيمة وفيه أنواع من الطعام وكاغد فيه خمسمائة درهم، فدعوت الزوجة وقلت: أنبهي الصبيان حتى يأكلوا. ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم. وكان [وقت] [١] مجيء الحاجّ من خراسان، فجلست على بابي من غد تلك الليلة، وإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي، فانتهى إليّ فقلت: أنا إبراهيم الحربي، فحطّ الحملين وقال: هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان، فقلت: من هو؟ فقال: قد استحلفني ألا أقول لك من هو.
وحدث [٢] أبو عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن [أمر] أمير المؤمنين تفرقة ذلك، فردّه وانصرف الرسول ثم عاد فقال له: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرّقة في جيرانك، فقال له: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا وإلّا تحوّلنا من جوارك.
وحدث أبو القاسم الجبّلي [٣] قال: اعتلّ إبراهيم بن إسحاق الحربيّ علة حتى أشرف على الموت، فدخلت عليه يوما فقال: يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع
_________________
(١) زيادة من تاريخ بغداد سقطت من ر.
(٢) تاريخ بغداد: ٣٢ وقارن بإنباه الرواة ١: ١٥٧.
(٣) هو الحافظ أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الجبلي (وجبل بليدة من سواد العراق) عاش ببغداد وكان يفتي بالحديث ويذاكر ولا يحدث، توفي سنة ٢٨١ (تاريخ بغداد ٦: ٣٧٨ وطبقات أبي يعلى ١: ١١٠ والوافي ٨: ٣٩٥ وسير أعلام النبلاء ١٣: ٣٤٣) والخبر عن تاريخ بغداد: ٣٣ وقارن بسير الذهبي: ٣٦٩ وإنباه الرواة ١: ١٥٧.
[ ١ / ٤٣ ]
ابنتي، ثم قال لها: قومي واخرجي إلى عمك، فخرجت وألقت على وجهها خمارها، فقال إبراهيم: هذا عمّك كلميه، فقالت لي: يا عمّ نحن في أمر عظيم لا في الدنيا ولا في الآخرة، والشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح، وربما عدمنا الملح، وبالأمس قد وجّه إلينا المعتضد مع بدر [١] بألف دينار فلم يأخذها، ووجّه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منها شيئا، وهو عليل، فالتفت الحربيّ إليها وتبسّم وقال: يا بنية إنما خفت الفقر؟ فقالت: نعم، فقال لها: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت فإذا كتب، فقال لها: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبته بخطي، إذا مت فوجّهي في كلّ يوم بجزء تبيعينه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس هو فقيرا.
وحدث أبو عمر الزاهد وابن المنادي [٢]: سمعت ثعلبا مرارا يقول: ما فقدت إبراهيم الحربي في مجلس لغة أو نحو خمسين سنة.
وحدث أبو بكر الشافعّي قال [٣]، قال إبراهيم الحربيّ: ما أخذت على علم قطّ أجرا إلّا مرة واحدة فإني وقفت على بقال فوزنت له قيراطا إلا فلسا، فسألني عن مسألة فأجبته فقال للغلام: أعط بقيراط ولا تنقصه شيئا، فزادني فلسا.
وحدث [٤] إبراهيم الحربي وقد سألوه عن حديث عباس البقال فقال: خرجت إلى الكبش [٥] ووزنت لعباس البقال دانقا إلا فلسا فقال لي: يا أبا إسحاق حدثني حديثا في السخاء فلعلّ الله يشرح صدري فأعمل شيئا، قال: قلت له نعم، روي عن الحسن بن عليّ ﵄ أنه كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود وبيده رغيف يأكل منه لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف، فقال له الحسن: ما
_________________
(١) بدر غلام المعتضد، ولي الشرطة حين بويع المعتضد سنة ٢٧٩ وكان ذا نفوذ في دولته (فهرسة تاريخ الطبري) .
(٢) هو أبو الحسين ابن المنادي، والخبر عن تاريخ بغداد ٦: ٣٣ وقد أفرد لثعلب رواية، ولابن المنادي رواية أخرى؛ وانظر إنباه الرواة ١: ١٥٨.
(٣) تاريخ بغداد: ٣٤.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) كان اسم شارع في بغداد يتفرع عن درب الأنبار داخل باب الأنبار نفسه مباشرة ويتجه نحو ضفة قناة الصراة الصغرى؛ والحيّ هنالك كان يعرف بحيّ الكبش والأسد (١٣٣.) .
[ ١ / ٤٤ ]
حملك على أن شاطرته فلم تغابنه فيه بشيء؟ فقال: استحيت عيناي من عينيه أن أغابنه، فقال له الحسن: غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال:
والحائط؟ فقال: لابان بن عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك، فمرّ اشترى الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، فقام قائما فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي، قال: وقد اشتريت الحائط وأنت حرّ لوجه الله تعالى، والحائط هبة منّي إليك، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. قال إبراهيم، فقال عباس البقال: حسن والله يا أبا إسحاق، يا غلام لأبي إسحاق دانق إلا فلسا أعطه بدانق ما يريد ولا تنقصه شيئا، فقلت: والله لا أخذت إلا بدانق إلا فلسا.
وحدث [١] عبد الله بن أحمد بن حنبل قال، كان أبي يقول لي: امض إلى إبراهيم الحربيّ يلقي عليك الفرائض. قال: ولما مات سعيد [٢] بن أحمد بن حنبل جاء إبراهيم الحربي إلى عبد الله فقام إليه عبد الله فقال: تقوم إليّ؟ فقال: لم لا أقوم إليك؟ والله لو رآك أبي لقام إليك، قال: والله لو رأى ابن عيينة أباك لقام إليه.
وقال إبراهيم الحربي [٣]: في كتاب «غريب الحديث» الذي صنّفه أبو عبيد ثلاثة وخمسون حديثا ليس لها أصل وقد أعلمت عليها في كتاب السروي، منها: أتت امرأة النبيّ ﷺ وفي يدها مناجد [٤]، ونهى النبيّ ﷺ عن لبس السراويلات المخرفجة [٥]، وأتى النبي ﷺ أهل قاهة [٦]، وقال عمر للنبي ﷺ: لو أمرت بهذا
_________________
(١) تاريخ بغداد ٦: ٣٥.
(٢) في م: سعد؛ انظر تاريخ بغداد ٩: ٩٦.
(٣) تاريخ بغداد ٦: ٣٥- ٣٦.
(٤) في الحديث أنه ﵇ رأى امرأة تطوف بالبيت عليها مناجد من ذهب فقال: أسرّك أن يحليك الله مناجد من نار؟ قالت: لا، قال: فأدي زكاتها. قال أبو عبيد: أراه أراد الحلي المكلل بالفصوص، وأصله من النجود وكل شيء زخرفته فقد نجدته (غريب أبي عبيد ٣: ١١٣) .
(٥) المخرفجة: الواسعة الطويلة.
(٦) في غريب أبي عبيد ٣: ١١٦ أن رجلا من أهل اليمن قال للرسول: إنّا أهل قاه، وشرح أبو عبيد القاه بأنه سرعة الإجابة وحسن المعاونة.
[ ١ / ٤٥ ]
البيت فسفروا [١]، عن النبي أنه قال للنساء [٢]: «إذا جعتنّ دقعتن وإذا شبعتن خجلتن» .
وحدث أبو العباس ابن مسروق قال [٣]، قال لي إبراهيم الحربي: لا تحدّث فتسخن عينك كما سخنت عيني، قلت له: فما أعمل؟ قال: تطأطىء رأسك وتسكت، قلت له: فأنت لم تحدث؟ قال: ليس وجهي من خشب.
وحدث محمد بن عبد الله الكاتب [٤] قال كنت يوما عند المبرد فأنشدنا:
جسمي معي غير أنّ الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أنّ لي بدنا لا روح فيه ولي روح بلا بدن
ثم قال: ما أظن أن الشعراء قالوا أحسن من هذا، قلت: ولا قول الآخر؟
قال: هيه، قلت: الذي يقول [٥]:
فارقتكم وحييت بعدكم ما هكذا كان الذي يجب
فالآن ألقى الناس معتذرا من أن أعيش وأنتم غيب
قال: ولا هذا، قلت: ولا قول خالد الكاتب [٦]:
روحان لي روح تضمنها بلد وأخرى حازها بلد
وأظنّ غائبتي كشاهدتي بمكانها تجد الذي أجد
قال: ولا هذا، قلت: أنت إذا هويت الشيء ملت إليه ولم تعدل إلى غيره، قال: لا ولكنّه الحق، فأتيت ثعلبا فأخبرته، فقال ثعلب: ألا أنشدته:
_________________
(١) غريب أبي عبيد ١: ٦٣ وفسّر سفر بمعنى كنس (عن الأصمعي)
(٢) غريب أبي عبيد ١: ١١٩ قال أبو عمرو: الدقع: الخضوع في طلب الحاجة والحرص عليها، وقال غيره: أخذ من الدقعاء وهو التراب، يعني أنكن تلصقن بالأرض من الخضوع؛ والخجل مأخوذ من الإنسان يبقى ساكنا لا يتحرك، وقيل خجلتن بمعنى بطرتنّ.
(٣) تاريخ بغداد: ٣٦.
(٤) تاريخ بغداد (٣٧) محمد بن عبيد الله الكاتب؛ والقصة في مصارع العشاق ٢: ٢٦٠- ٢٦١.
(٥) ورد البيتان في البصائر ٤ رقم: ٧٣٤ (ص: ٢٠٢) منسوبين لابن الجهم وهما في مصارع العشاق ٢: ٢٦٠.
(٦) لم يردا في الجزء الثاني من مجمع الذاكرة (في شعر خالد الكاتب) وهما في مصارع العشاق ٢: ٢٦٠.
[ ١ / ٤٦ ]
غابوا فصار الجسم من بعدهم لا تنظر العين له فيّا
بأيّ وجه أتلقاهم إذا رأوني بعدهم حيّا
يا خجلتي منهم ومن قولهم ما ضرّك الفقد لنا شيّا
قال: فأتيت إبراهيم الحربي فأخبرته، فقال: ألا أنشدته [١]:
يا حيائي ممن أحبّ إذا ما قلت بعد الفراق إني حييت
لو صدقت الهوى حبيبا على الصّحة لما نأى لكنت أموت
قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستغفر الله إلا هذين البيتين يعني بيتي إبراهيم.
قال [٢]: وأنشد رجل إبراهيم قول الشاعر:
أنكرت ذلّي فأيّ شيء أحسن من ذلّة المحبّ
أليس شوقي وفيض دمعي وضعف جسمي شهود حبّي
فقال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.
قال [٣]: وأنشد بعضهم لإبراهيم الحربّي:
هما [اثنان] إذا عدّا فخير لهما الموت
فقير ما له زهد وأعمى ما له صوت
وروي عن إبراهيم الحربي أنه قال: ما أنشدت شيئا من الشعر قط إلا قرأت بعده قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ثلاث مرات.
وحدث الطوماري قال: دخلت على إبراهيم الحربيّ وهو مريض، وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب وكان يجيء إليه ويعالجه [فجاءت الجارية] [٤] وردّت الماء وقالت: مات الطبيب، فقال:
_________________
(١) مصارع العشاق ٢: ٢٦١.
(٢) تاريخ بغداد: ٣٨ ومصارع العشاق ٢: ٢٦١.
(٣) تاريخ بغداد: ٣٩.
(٤) زيادة من تاريخ بغداد.
[ ١ / ٤٧ ]
إذا مات المعالج من سقام فيوشك للمعالج أن يموتا
ودخل عليه قوم يعودونه فقالوا: كيف تجدك يا أبا اسحاق؟ قال: أجدني كما قال [الشاعر] [١]:
دبّ في السقام سفلا وعلوا وأراني أذوب عضوا فعضوا
بليت جدّتي بطاعة نفسي وتذكرت طاعة الله نضوا
قال أبو الحسن الدارقطني [٢]: إبراهيم الحربي ثقة، وكان إماما يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه، وهو إمام مصنّف عالم بكلّ شيء، بارع في كلّ علم، صدوق، وذكر وفاته كما تقدم.
هذا آخر ما نقلته من تاريخ الخطيب.
نقلت [٣] من خط الإمام الحافظ أبي نصر عبد الرحيم بن وهبان صديقنا ومفيدنا قال، نقلت من خطّ أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، سمعت أبا المعالي ثابت بن بندار البقال يقول، حكى لنا البرقانّي ﵀ قال: كان إسماعيل بن إسحاق القاضي [٤] يشتهي رؤية إبراهيم الحربي، وكان إبراهيم لا يدخل عليه، يقول: لا أدخل دارا عليها بواب، فأخبر إسماعيل بذلك فقال: أنا أدع بابي كباب الجامع، فجاء إبراهيم إليه، فلما دخل عليه خلع نعليه، فأخذ أبو عمر محمد بن يوسف القاضي [٥] نعليه ولفّهما في منديل دبيقيّ وجعله في كمه، وجرى بينهما علم كثير، فلما قام إبراهيم التمس نعليه، فأخرج أبو عمر النعل من كمّه، فقال له إبراهيم: غفر الله
_________________
(١) هو أبو نواس، انظر ديوانه: ٩٨٧.
(٢) تاريخ بغداد ٦: ٤٠.
(٣) نقله الصفدي ٥: ٣٢١ وعنه الكتبي في الفوات.
(٤) أبو إسحاق اسماعيل بن إسحاق القاضي أصله من البصرة، جمع القراءات والحديث والفقه والمعرفة بالعربية، وكان مالكي المذهب، توفي ببغداد سنة ٢٨٢ (طبقات الشيرازي: ١٦٤- ١٦٥ وترتيب المدارك والديباج المذهب: ٩٢ وعبر الذهبي ٢: ٦٧ وسير الذهبي ١٣: ٣٣٩ وفي حاشيته تخريج مستفيض، وستأتي ترجمة اسماعيل في معجم الأدباء رقم: ٢٣٦.
(٥) أبو عمر محمد بن يوسف القاضي: هو ابن عم أبي اسحاق المذكور قبله، انظر طبقات الشيرازي: ١٦٥ والديباج المذهب: ٢٤١.
[ ١ / ٤٨ ]
لك كما أكرمت العلم، فلما مات أبو عمر القاضي رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أجيبت فيّ دعوة إبراهيم الحربي ﵀.
وحدثني [١] صديقنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار [٢] حرسه الله قال، حدثني أبو بكر أحمد بن سعيد بن أحمد الصباغ الأصبهاني بها قال، حدثنا أحمد بن عمر بن الفضل الحافظ الأصبهاني، ويعرف بجنك، إملاء قال، أخبرنا الحسن بن أحمد المقرىء يعني أبا علي الحداد [٣]، قال: أظنه عن أبي نعيم: إنه كان يحضر في مجلس إبراهيم الحربي جماعة من الشبان للقراءة عليه، ففقد أحدهم أياما، فسأل عنه من حضر فقالوا: هو مشغول، فسكت، ثم سألهم مرة أخرى في يوم آخر، فأجابوه بمثل ذلك، وكان الشاب قد ابتلي بمحبّة شخص شغله عن حضور مجلسه، وعظّموا إبراهيم الحربيّ أن يخبروه بجليّة الحال، فلمّا تكرّر السؤال عنه وهم لا يزيدونه على أنه مشغول قال لهم: يا قوم إن كان مريضا فقوموا بنا لعيادته [٤]، أو مديونا اجتهدنا في مساعدته، أو محبوسا سعينا في خلاصه، فخبّروني عن جليّة حاله [٥]، فقالوا: نجلّك عن ذلك، فقال: لا بدّ أن تخبروني، فقالوا: إنه رجل قد ابتلي بعشق صبّي، فوجم إبراهيم ساعة ثم قال: هذا الصبّي الذي ابتلي بعشقه مليح هو أم قبيح؟ فعجب القوم من سؤاله عن مثل ذلك مع جلالته في أنفسهم وقالوا: أيها الشيخ مثلك يسأل عن مثل هذا؟ فقال: إنه بلغني أنّ الانسان إذا ابتلي بمحبة صورة قبيحة كان بلاء يجب الاستعاذة من مثله، وإن كان مليحا كان ابتلاء يجب الصبر عليه واحتمال المشقة فيه، قال: فعجبنا مما أتى به.
قلت: هذه الحكاية مع الإسناد حدثنيه مفاوضة بحلب ولم يكن أصله معه فكتبته بالمعنى واللفظ يزيد وينقص.
_________________
(١) الصفدي ٦: ٣٢٢.
(٢) هو صاحب ذيل تاريخ بغداد؛ توفي سنة ٦٤٣ (انظر الفوات ٢: ٥٢٢ والوفيات ٥: ٩) وحاشيتيهما وسيترجم له ياقوت رقم: ١١١٤.
(٣) الحسن بن أحمد المقرىء أبو علي الحداد شيخ أصبهان في القراءات والحديث: كان ثقة صالحا جليل القدر، وتوفي سنة ٥١٥ (طبقات الجزري ١: ٢٠٦) .
(٤) الوافي والفوات: قوموا بنا لنعوده.
(٥) ر: أمره.
[ ١ / ٤٩ ]
وكان [١] فيه ملح وفكاهة، وربما جاء في أثناء كلامه أشياء سخيفة، منها، قال إبراهيم الحربي: كنت يوما جالسا فجاءني رجل فقال لي: هل يجوز أن يجامع الرجل حموه؟ فقلت: عساه يريد حماته، فقال: لا، تلك أعرف أنها حلال، إنما سؤالي عن الحمو، فقلت: اخرج قبحك الله؟ هكذا قاله حمو ملحونا.
وقال: جاءني يوما رجل آخر فقال لي: يا سيدي أنا شاب وطلبت نفسي الجماع حتى قام ذكري، فكشفته وجعلت ألعب به، فما أحسست إلا بصبي وقد قعد عليه، فلما أحسست بذلك أخذت بأكتافه ولم أزل حتى فرغت منه، أأكون زانيا؟ قال، فقلت له: أما زان أو غير زان فلا أقول فيه شيئا، ولكني أقول: إن أيرك هذا أير مرزوق.
ومن [٢] مصنفات إبراهيم الحربي: كتاب غريب الحديث. كتاب سجود القرآن.
كتاب مناسك الحج. كتاب الهدايا والسنّة فيها. كتاب الحمّام وآدابه. والذي خرج من تفسيره لغريب الحديث: مسند أبي بكر ﵁. مسند عمر ﵁.
مسند عثمان ﵁. مسند علي بن أبي طالب ﵁. مسند الزبير ﵁. مسند طلحة ﵁. مسند سعد بن أبي وقاص ﵁. مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁. مسند العباس ﵁. مسند شيبة بن عثمان ﵁. مسند عبد الله بن جعفر. مسند المسور بن مخرمة. مسند المطّلب بن ربيعة. مسند السائب. مسند خالد بن الوليد. مسند أبي عبيدة بن الجراح. مسند ما روي عن معاوية. مسند ما روي عن عاصم بن عمر. مسند صفوان ابن أمية. مسند جبلة بن هبيرة. مسند عمرو بن العاص. مسند عمران بن الحصين.
مسند حكيم بن حزام. مسند عبد الله بن زمعة. مسند عبد الرحمن بن سمرة. مسند عبد الله بن عمرو. مسند عبد الله بن عمر.
_________________
(١) هذه الفقرة والتي تليها من المختصر (ر) .
(٢) نقله الصفدي ٥: ٣٢٣ وعنه الكتبي؛ وانظر الفهرست: ٢٨٧ ففي ما ورد هنا زيادة، وأضاف ابن النديم أن له من الكتب: كتاب الأدب، كتاب المغازي، كتاب التيمم.
[ ١ / ٥٠ ]
- ٧-