: قال الخطيب: كان من أهل الدين والفضل حسن الاعتقاد جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب،
_________________
(١) - ترجمته في الوافي ٥: ٣٢٤ ونكت الهميان: ٨٧ (نقلا عن ياقوت) وبغية الوعاة ١: ٤٠٧ والبلغة: ٦ ولم ترد هذه الترجمة في المختصر.
(٢) - ترجمته في إنباه الرواة ١: ١٥٨ وبغية الوعاة ١: ٤٠٨ ولم ترد الترجمة في المختصر. وكتاباه اللذان ذكرهما ياقوت مطبوعان.
(٣) - ترجمة الزجاج في الفهرست: ٦٦ وأخبار النحويين البصريين: ١٠٨ ومراتب النحويين: ١٣٦ وطبقات الزبيدي: ١١١- ١١٢ ووفيات الأعيان ١: ٤٩ وإنباه الرواة ١: ١٥٩ وتاريخ بغداد ٦: ٨٩ ونور القبس: ٣٤٢ ونزهة الألباء: ١٦٧ والمنتظم ٦: ١٧٦ وتاريخ أبي المحاسن: ٣٨ وعبر الذهبي ٢: ١٤٨ وسير الذهبي ١٤: ٣٦٠ والوافي ٥: ٣٤٧ والشذرات ٢: ٢٥٩ وروضات الجنات ١: ١٥٨ والمقفى ١: ١٥٥
(٤) وكان المجودين: مكرر أيضا في المصادر التي نقلت النص.
[ ١ / ٥١ ]
مات في جمادى الآخرة سنة أحدى عشرة وثلاثمائة. وحكى ابن مهذب في تاريخه [١] حدثني الشيخ أبو العلاء المعري أنه سمع عنه ببغداد أنه لما حضرته الوفاة سئل عن سنه فعقد لهم سبعين، وآخر ما سمع منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل.
وأبو إسحاق هو أستاذ أبي علي الفارسي، قال الخطيب [٢] باسناده قال أبو محمد عبد الله بن درستويه النحوي، حدثني الزجاج قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلّمه، وكان لا يعلّم مجانا ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها، فقال لي: أيّ شيء صناعتك، قلت: أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك في كلّ يوم درهما، وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال: فلزمته وكنت أخدمه في أموره مع ذلك وأعطيه الدرهم، فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مارمة [٣] من الصراة يلتمسون معلّما نحويا لأولادهم، فقلت له: أسمني لهم فأسماني، فخرجت فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كلّ شهر ثلاثين درهما وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه. ومضت مدة على ذلك، فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدبا لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلّا رجلا زجّاجا بالصراة مع بني مارمة، قال: فكتب إليهم عبيد الله فاستنزلهم عني فنزلوا له، فأحضرني وأسلم القاسم إليّ، فكان ذلك سبب غناي. وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كلّ يوم إلى أن مات ولا أخليه من التفقد بحسب طاقتي، قال: فكنت أقول للقاسم بن عبيد الله [٤] إن بلّغك الله مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟
فيقول: ما أحببت، فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيتي. فما
_________________
(١) هو أبو غالب همام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب التنوخي (وأسرة بني المهذب كانت من الأسر المرموقة في المعرة) وقد أكمل تاريخا بدأه جدّ والده، جمعه مما وجده بخط ذلك الجد وما سمعه ممن أدركهم من المعريين، وقد اعتمد عليه ابن العديم كثيرا في بغية الطلب؛ انظر شذرات من كتب مفقودة (٩١- ١٠٩، ٤٦١- ٤٦٣) .
(٢) تاريخ بغداد ٦: ٩٠ والوافي ٥: ٣٤٨ وإنباه الرواة ١: ١٥٩- ١٦٠ ونشوار المحاضرة ١: ٢٧٤.
(٣) في بعض المصادر: مازمة؛ وفي بعض آخر: مارقة، وفي النشوار: مارية، وفي المقفى: مازن
(٤) وزر للمعتضد. وأقره المكتفي بعده على الوزارة ومات وهو وزير له؛ وهذه القصة في النشوار ١: ٧٥.
[ ١ / ٥٢ ]
مضت إلّا سنون حتى ولي القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له وصرت [٣] نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته، فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق لم أرك أذكرتني بالنذر، فقلت: عوّلت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار بنذر عليه في أمر خادم واجب الحقّ، فقال لي: إنه المعتضد ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكنّي أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا، فقلت: يا سيدي أفعل، فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستجعل [٢] عليها ولا تمتنع من مسألتي شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال النذر، قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا فيوقّع لي فيها، وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟
فأقول: كذا وكذا، فيقول لي غبنت، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد، فأراجع القوم، فلا أزال أماكسهم ويزيدوني حتى أبلغ الحدّ الذي رسمه. قال وعرضت عليه شيئا عظيما فحصلت عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مديدة، فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر؟ فقلت: لا، فسكت، وكنت أعرض عليه فيسألني في كلّ شهر أو نحوه حصل المال؟ فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل لي ضعف ذلك المال، وسألني يوما فاستحييت من الكذب المتّصل فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير، فقال: فرّجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قال: ثم أخذ الدواة فوقع إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة لي فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ولم أدر كيف أقع منه، فلما كان من الغد جئته وجلست على رسمي، فأومأ إليّ أن هات ما معك- يستدعي مني الرقاع على الرسم- فقلت: ما أخذت من أحد رقعة لأن النذر وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله أتراني أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدوّ ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظنّ ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك عندي، أعرض عليّ رسمك وخذ بلا
_________________
(١) المختصر: وأنا.
(٢) استجعل: اطلب جعلا أي مكافأة.
[ ١ / ٥٣ ]
حساب، فقبّلت يده وباكرته من غد بالرقاع، فكنت أعرض عليه كلّ يوم شيئا إلى أن مات وقد تأثّلت حالي هذه.
وحدث [١] أبو علي الفارسيّ النحوي قال: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير، فورد عليه خادم وسارّه بشيء استبشر له، ثم تقدم إلى شيخنا أبي إسحاق بالملازمة إلى أن يعود ثم نهض فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينه وبينه، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى المغنّيات فسمتها أن تبيعني إياها فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها أن تهديها إليّ رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما وردت أعلمني الخادم بذلك فنهضت مستبشرا لافتضاضها فوجدتها قد حاضت فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب:
فارس ماض بحربته حاذق بالطعن في الظّلم
رام أن يدمي فريسته فاتقته من دم بدم
وحدث [٢] أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، قال:
قال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: أتيت أبا العباس ابن يزيد المبرد حين دخل بغداد لأقرأ عليه الكتاب- يعني كتاب سيبويه- فقال لي: ما صنعتك؟ فقلت:
زجاج، فقال لي: كم تكسب في كلّ يوم؟ قلت: عشرة فما دونها، قال: جىء كلّ يوم بنصف ما تعمل فتطرحه في هذا الصندوق، وكان عنده صندوق معمول لهذا، قال: فبدأت بقراءة الكتاب، وكلما جئت بشيء طرحته في الصندوق، ولما فرغت من الكتاب وختمته رمى بمفتاح الصندوق إليّ وقال لي: افتح وخذ ما تركت فيه، ففتحت وأخذت جميع ما فيه وكان قد اجتمع شيئا كثيرا كبيرا، فرحم الله أبا العباس، فلقد آساني وأغناني وعلمني.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٦: ٩٢ وإنباه الرواة ١: ١٦٢ وابن خلكان ١: ٥٠.
(٢) هذه الفقرة كلها من المختصر (ر) ولم ترد في م.
[ ١ / ٥٤ ]
قال: وجرى بين الزجاج وبين المعروف بمسينة [١]، وكان من أهل العلم، شرّ فاتصل ونسجه إبليس وأحكمه حتى خرج إبراهيم بن السريّ إلى حدّ الشتم فكتب إليه مسينة:
أبى الزجاج إلا شتم عرضي لينفعه فآثمه وضرّه
وأقسم صادقا ما كان حرّ ليطلق لفظة في شتم حره
ولو أني كررت لفرّ مني ولكن للمنون عليّ كرّه
فأصبح قد وقاه الله شرّي ليوم لا وقاه الله شرّه
فلما اتصل هذا الشعر بالزجاج قصده راجلا حتى اعتذر إليه وسأله الصفح؛ كل هذا من تاريخ الخطيب. أنبأنا زيد بن الحسين الكندي [٢] عن أبي منصور الجواليقي عن المبارك الصيرفي [٣] عن علي بن أحمد بن الدهان عن عبد السلام بن حسين البصري [٤] قال: كتب إلينا أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي [٥] من الموصل قال:
قال أبو إسحاق ابن السري الزجاج ﵀ [٦]: دخلت على أبي العباس ثعلب ﵀ في أيام أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وقد أملى شيئا من «المقتضب» فسلمت عليه وعنده أبو موسى الحامض وكان يحسدني شديدا ويجاهرني بالعداوة، وكنت ألين له وأحتمله لموضع الشيخوخة، فقال لي أبو العباس: قد حمل إليّ بعض
_________________
(١) مسينة: تضطرب صورته في المصادر، وفي حاشية على شرح بانت سعاد: بمسيبة، والحكاية والشعر في تاريخ بغداد ٦: ٩٢ وإنباه الرواة ١: ١٦٣.
(٢) هو أبو اليمن تاج الدين زيد بن الحسن الكندي النحوي الأديب، توفي سنة ٦١٣ بدمشق. (انظر ابن خلكان ٢: ٣٣٩ وإنباه الرواة ٢: ١٠ وذيل الروضتين: ٩٥ وطبقات الجزري ١: ٢٩٧ والخريدة (قسم الشام ١: ١٠٠ والجواهر المضية ١: ٢٤٦ وبغية الوعاة ١: ٥٧٠) . وستأتي ترجمته رقم: ٥٠٤.
(٣) الأرجح أنه المبارك بن عبد الجبار الصيرفي البغدادي المحدث، توفي سنة ٥٠٠ وكان أمينا صحيح الأصول (عبر الذهبي ٣: ٣٥٦) .
(٤) عبد السلام بن الحسين أمين دار الكتب ببغداد أيام المعري، وإليه أرسل المعري قصيدته التائية «هات الحديث عن الزوراء أو هيتا» وكانت وفاته سنة ٤٠٥ (إنباه الرواة ٢: ١٧٥ وتاريخ بغداد ١١: ٥٧ وطبقات الجزري ١: ٣٨٥) وهو من شرط المؤلف ولكن لم ترد له ترجمة.
(٥) توفي سنة ٣٧٧ وسيترجم له ياقوت رقم: ٨١٣.
(٦) نقلها السيوطي (المزهر ١: ٢٠٢- ٢٠٧) برواية أبي حفص الضرير عن أبي الفتح ابن المراغي.
[ ١ / ٥٥ ]
ما أملاه هذا الخلدي [يعني المبرد] فرأيته لا يطوع لسانه بعبارة فقلت له: إنه لا يشكّ في حسن عبارته اثنان، ولكن سوء رأيك فيه يعيبه عندك، فقال: ما رأيته إلا ألكن متغلقا، فقال أبو موسى: والله إن صاحبكم ألكن- يعني سيبويه- فأحفظني ذلك. ثم قال: بلغني عن الفراء أنه قال: دخلت البصرة فلقيت يونس وأصحابه فسمعتهم يذكرونه بالحفظ والدراية وحسن الفطنة فأتيته فإذا هو أعجم لا يفصح، سمعته يقول لجارية له هات ذيك الماء من ذاك الجرة، فخرجت من عنده ولم أعد إليه. فقلت له: هذا لا يصحّ عن الفرّاء، وأنت غير مأمون في هذه الحكاية، ولا يعرف أصحاب سيبويه من هذا شيئا، وكيف تقول هذا لمن يقول في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية، وهذا يعجز عن إدراك فهمه كثير من الفصحاء فضلا عن النطق به؟
فقال ثعلب: قد وجدت في كتابه نحوا من هذا، قلت: ما هو؟ قال يقول في كتابه، في غير نسخة: «حاشا» حرف يخفض ما بعده كما تخفض حتى وفيها معنى الاستثناء، فقلت له: هذا كذا في كتابه وهو صحيح، ذهب في التذكير إلى الحرف وفي التأنيث إلى الكلمة، قال: والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد، قلت:
كلّ جيد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا
(الأحزاب: ٣١) وقرىء وتعمل صالحا وقال ﷿: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
(يونس: ٤٢) ذهب إلى المعنى ثم قال وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
(يونس: ٤٣) إلى اللفظ.
وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في الاثنين كان أجود، لأن كلّا جيد، فأما نحن فلا نذكر «حدود» الفراء لأنّ خطأه فيه أكثر من أن يعد، ولكن هذا أنت عملت «كتاب الفصيح» للمبتدىء المتعلم وهو عشرون ورقة، أخطأت في عشرة مواضع منه، قال لي: اذكرها، قلت له: نعم، قلت وهو عرق النّسا [١] ولا يقال عرق النسا كما لا يقال عرق الأبهر ولا عرق الأكحل، قال امرؤ القيس [٢] .
فأنشب أظفاره في النسا فقلت هبلت ألا تنتصر
_________________
(١) الفصيح: ٤٣.
(٢) ديوان امرىء القيس: ١٦١. والعقد الثمين: ١٢٧ والمختار من شعر بشار: ٢٢٦ وقال الأصمعي: لا تقول العرب عرق النسا إنما تقول النسا وأجاز غيره أن يقال: عرق النسا.
[ ١ / ٥٦ ]
وقلت حلمت في النوم أحلم حلما [١] [وحلم] ليس بمصدر وإنما هو اسم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ
(النور: ٥٨) وإذا كان للشيء مصدر واسم لم يوضع الاسم موضع المصدر، ألا ترى أنك تقول حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا والحسب المصدر والحساب الاسم، ولو قلت ما بلغ الحسب إليك ورفعت الحسب إليك لم يجز وأنت تريد ورفعت الحساب إليك وقلت: رجل عزب وامرأة عزبة [٢]: وهذا خطأ إنما يقال رجل عزب وامرأة عزب لأنه مصدر وصف به فلا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث، كما يقال رجل خصم وامرأة خصم. وقد أتيت بباب من هذا النوع في الكتاب وأفردت هذا منه قال الشاعر [٣]:
يا من يدلّ عزبا على عزب
وقلت كسرى بكسر الكاف [٤] وهذا خطأ إنما هو كسرى، والدليل على ذلك أنا وإياكم لا نختلف في النسب إلى كسرى يقال كسروي، بفتح الكاف، وليس هذا مما يغير بالنسب لبعده منها ألا ترى أنك لو نسبت إلى معزى لقلت معزوي وإلى درهم قلت درهمي ولا يقال معزوي ولا درهمي. وقلت وعدت الرجل خيرا أو شرا [٥] فإذا لم تذكر الشرّ قلت أوعدته بكذا نقضا لما أصّلت لأنك قلت بكذا، وقولك بكذا كناية عن الشر، والصواب أن تقول إذا لم تذكر الشر قلت أوعدته. وقلت: وهم المطوعة [٦] وإنما هم المطّوعة بتشديد الطاء كما قال الله تعالى: يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ
(التوبة: ٧٩) فقال: ما قلت إلا المّطوّعة، فقلت: هكذا قرأته عليك وقرأه غيري وأنا حاضر أسمع مرارا. وقلت: هو لرشدة وزنية كما قلت هو لغيّة [٧] الباب فيها واحد، لأنه إنما يريد المرة الواحدة، ومصادر الثلاثي إذا أردت المرة الواحدة لم
_________________
(١) الفصيح: ٣٣.
(٢) الفصيح: ٦٦.
(٣) هو شطر من رجز لعمرة بنت الحمارس كما في عيون الأخبار ٢: ٢٧ والمختار من شعر بشار: ٢٣٧.
(٤) الفصيح: ٥٠.
(٥) الفصيح: ٢٥.
(٦) الفصيح: ٩١.
(٧) الفصيح: ٤٩- ٥٠.
[ ١ / ٥٧ ]
تختلف، تقول ضربته ضربة وجلست جلسة وركبت ركبة، لا اختلاف في ذلك بين أحد من النحويين، وإنما تكسر من ذلك ما كان هيئة حال فتصفها بالحسن والقبح وغيرهما فتقول: هو حسن الجلسة والسيرة والركبة وليس هذا من ذلك. وقلت أسنمة للبلدة [١] ورواه الأصمعي بضم الهمزة أسنمة، فقال: ما روى ابن الأعرابي وأصحابنا إلا أسمنة، فقلت: قد علمت أنت أن الأصمعيّ أضبط لما يحكي وأوثق فيما يروي.
وقلت إذا عزّ أخوك فهن [٢]، والكلام فهن، وهو من هان يهين إذا لان، ومنه قيل هين لين، لأنّ هن من هان يهون من الهوان، والعرب لا تأمر بذلك، ولا معنى لهذا الكلام يصحّ لو قالته العرب، ومعنى عزّ ليس من العزة التي هي المنعة والقدرة وإنما هو من قولك عزّ الشيء إذا اشتد، ومعنى الكلام: اذا صعب أخوك واشتدّ فذلّ من الذلّ له ولا معنى للذلّ هاهنا كما تقول اذا صعب أخوك فلن له. قال فما قرىء عليه «كتاب الفصيح» بعد ذلك علمي. ثم بلغني أنه سئم ذلك فأنكر كتاب الفصيح أن يكون له.
قال المؤلف: وهذه المآخذ التي أخذها الزجاج على ثعلب لم يسلّم إليه العلماء باللغة فيها، وقد ألفوا تآليف في الانتصار لثعلب يضيق هذا المختصر عن ذكرها.
وحدث الزجاج قال: أنشدنا أبو العباس المبرد:
فيّ انقباض وحشمة فإذا رأيت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها وجئت ما جئت غير محتشم
قال عبيد الله الفقير: وهذان البيتان يرويان لمحمد بن كناسة، وقد رواهما آخرون لأبي نواس.
قال الزجاج: فقلت له: أليس يقول الأصمعي الحشمة الغضب فقال:
الحشمة: الغضب، والحشمة الاستحياء، لأن الغضب والاستحياء جميعا نقصان في النفس وانحطاط عن الكمال فلذلك كان مخرجهما واحدا، قال فقلت له: أليس الحياء محمودا والغضب مذموما، وقد روي أن الحياء شعبة من الايمان، وقد قيل إذا لم تستح فاصنع ما شئت، فقال: الحياء محمود في الدين وفي اجتناب المحارم وفي
_________________
(١) الفصيح: ٤٧.
(٢) الفصيح: ٧٧.
[ ١ / ٥٨ ]
الإفضال، وأما في ترك الحقوق والنكوص عن الخصوم عند الحجاج فهو نقصان في النفس.
قال أبو العباس وسمعت المازني يقول: معنى قولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت، أي إذا صنعت ما لا تستحي من مثله فاصنع منه ما شئت، وليس على ما يذهب إليه العوامّ، وهذا تأويل حسن.
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في «كتاب الموازنة» [١]: كان الزجاج يزعم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف، وإن نقص حروف إحداهما عن حروف الأخرى، فإن إحداهما مشتقة من الأخرى، فيقول: الرجل مشتق من الرجل [٢]، والثور إنما يسمّى ثورا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمي ثوبا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلا، حسيبه الله كذا قال. قال: وزعم أن القرنان إنما سمي قرنانا لأنه مطيق لفجور امرأته كالثور القرنان أي المطيق لحمل قرنه، وفي القرآن وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(الزخرف: ١٣) أي مطيقين. قال: وحكى يحيى بن علي بن يحيى المنجم أنه سأله بحضرة عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم: من أي شيء اشتق الجرجير؟
قال: لأنّ الريح تجرجره، قال: وما معنى تجرجره؟ قال: تجرره، قال: ومن هذا قيل للحبل الجرير لأنه يجر على الأرض، قال: والجرة لم سميت جرة؟ قال: لأنها تجرّ على الأرض، فقال: لو جرت على الأرض لانكسرت، قال: فالمجرة لم سميت مجرة؟ قال: لأن الله جرها في السماء جرا، قال: فالجرجور الذي هو اسم المائة من الابل لم سميت به؟ قال: لأنها تجرّ بالأزمة وتقاد، قال: فالفصيل المجرّ الذي يشقّ طرف لسانه لئلا يرتضع أمه ما قولك فيه؟ قال: لأنهم جروا لسانه حتى قطعوه، قال: فان جروا أذنيه فقطعوه تسميه مجرا؟ قال: لا يجوز ذلك، فقال يحيى بن علي: قد نقضت العلة التي أتيت بها على نفسك، ومن لم يدر أنّ هذا مناقضة فلا حسّ له.
قال خيرة: وشهدت ابن العلاف الشاعر وعنده من يحكي عن كتاب الزّجاج
_________________
(١) نقله السيوطي في المزهر ١: ٣٥٤.
(٢) المزهر: الرحل من الرحيل.
[ ١ / ٥٩ ]
أشياء من شنيع الاشتقاق الذي فيه، ثم قال: إني حضرته وقد سئل عن اشتقاق القصعة، قال: لأنها تقصع الجوع أي تكسره، قال ابن العلاف: يلزمه أن يقول الخضض مشتق من الخضيض، والعصفر مشتق من العصفور، والدب مشتق من الدبّ، والعذب من الشراب مشتق من العذاب، والخريف من الخروف، والعقل مشتق من العاقول، والحلم مشتق من الحلمة، والاقليم مشتق من القلم، والخنفساء من الفساء، والخنثى من الأنثى، والمخنث من المؤنث، ضرط إبليس على ذا من أدب!! وقال ابن بشران [١]: كان أبو إسحاق الزجاج ينزل بالجانب الغربي من بغداد في الموضع المعروف بالدويرة وأنشدت له:
قعودي لا يردّ الرزق عني ولا يدنيه إن لم يقض شيّ
قعدت فقد أتاني في قعودي وسرت فعافني والسير ليّ
فلما أن رأيت القصد أدنى إلى رشدي وأن الحرص غيّ
تركت لمدلج دلج الليالي ولي ظلّ أعيش به وفيّ
حكي أن [٢] عبيد الله بن سليمان الوزير وجّه أبا إسحاق الزجاج إلى أبي خازم عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد المجيد وأبي عمر محمد بن يوسف يسألهما في رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ الزجاج بأبي خازم، فجاء إليه وقد علا النهار ودخل داره فقال أبو إسحاق للبواب: استأذن لإبراهيم الزجّاج، فقال: إن القاضي الآن دخل الدار، وليست العادة بعد أن يقوم من مجلسه ويدخل الدار أن يستأذن عليه حتى تصلّى العصر، فقال أبو إسحاق: تعلمه أنّ الزجاج بالباب، فقال: لو جاء الوزير الساعة لم أستأذن عليه، فانصرف أبو إسحاق وقعد في المسجد مغتاظا مما جرى، غير أنه لا يشتهي الانصراف إلى الوزير إلا بعد قضاء الحاجة، وقعد إلى وقت العصر، فخرج البواب وكنس الباب ورشّ الماء وقال للزجّاج: القاضي قد جلس،
_________________
(١) نقله الصفدي في الوافي ٥: ٣٥٠ والشعر في المقفى ١: ١٥٦.
(٢) هذه القصة من المختصر، وسيرد جانب منها في ترجمة الحسن بن بشر الآمدي رقم: ٣١١.
[ ١ / ٦٠ ]
فإن كان لك رأي في الدخول إليه فقم. فقام أبو إسحاق فدخل على أبي خازم فسلّم عليه وتعرّف كلّ واحد منهما خبر صاحبه، غير أنه لم يكن منه من الإقبال ما كان أبو إسحاق يعتقد منه، فأدّى أبو إسحاق رسالة الوزير، فقال أبو خازم: تقرأ على الوزير- أعزّه الله- السلام وتقول له: إن هذا الرجل محبوس لخصمه في دينه وليس بمحبوس لي، فإن أراد الوزير إطلاقه فإما أن يسأل خصمه إطلاقه أو يقضي دينه، فإن الوزير لا يعجزه ذلك. قال أبو إسحاق: جئت إلى هاهنا قبل الظهر فامتنع البواب من الاستئذان على القاضي، فجلست إلى الآن للدخول عليك. (وهو يقصد بهذا أن ينكر القاضي على البواب) . فقال له: نعم، هكذا عادتي، إذا قمت من مجلسي ودخلت داري اشتغلت ببعض الحوائج التي تخصّني، فإن القاضي لا بدّ له من خلوة وتودّع. فاغتاظ أبو إسحاق من ذلك أكثر وقال له: كنت بحضرة الوزير في بعض الليالي، فأنشد بين يديه [١]:
أدلّ فيا حبذا من مدلّ ومن سافك لدمي مستحلّ
إذا ما تعزّز قابلته بذلّ وذلك جهد المقلّ
فسأل عن ذلك فقيل: إنها للقاضي- أعزه الله- فقال القاضي أبو خازم: نعم، هذه أبيات قلتها في والدة هذا الصبيّ- لغلام قاعد بين يديه، في يده كتاب من الفقه يقرأ عليه وهو ابنه- فإني كنت ضعيف الحال أوّل ما عرفتها، وكنت مائلا إليها، ولم يمكن إرضاؤها بالمال، فكنت أطيّب قلبها بالبيت والبيتين. فقام أبو إسحاق وودّعه ومضى إلى أبي عمر، فاستقبله حجّابه من باب الدار، وأدخلوه إلى الدار، فاستقبله القاضي من مجلسه خطوات وأجلسه في موضعه وأكرمه كما يكرم من يكون خصّيصا بوزير إذا جاء إلى ناظر من قبله، فقال له: في أيّ معنى وأي شيء ترسم؟ فأدّى إليه رسالة الوزير في باب الرجل المحبوس، فقال أبو عمر: السمع والطاعة لأمر الوزير، أنا أسأل صاحب الحقّ حتى يفرج عنه، فإن فعل وإلا وزنت الدين من مالي إجابة لمسألة الوزير- أعزه الله- فقام أبو إسحاق وودعه وانصرف إلى الوزير ضيّق الصّدر
_________________
(١) انظر نشوار المحاضرة ١: ٨٩- ٩٠.
[ ١ / ٦١ ]
من أبي خازم مسرورا بصنيع أبي عمر، فاستبطأه الوزير، فحكى ما جرى من كلّ واحد منهما، فقال له الوزير: فأيّ الرجلين أفضل عندك يا أبا إسحاق؟ فقال:
أبو عمر في عقله وسداده وحسن عشرته ومعرفته بحقوق الوزير (يغري بأبي خازم) فقال الوزير: دع هذا عنك، أبو خازم دين كله، وأبو عمر عقل كله.
حدث أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي البصري قال: لما مات أبو العباس أحمد بن يحيى بكى أبو إسحاق الزجاج، فقلت: ما بكاؤك؟ فقال لي:
أين يذهب بك؟ أليس كان يقال أحمد بن يحيى جالس وإبراهيم الزجاج اليوم، فقال الزجاج ونفطويه وابن الأنباري: مات الناقد ونفقت البهارج.
وحدث المرزباني في كتابه المقتبس [١] ولم يذكر من خبره غير هذه القصة وذكرها ابن النديم في فهرسته [٢] قالا جميعا: كان السبب في اتصال أبي إسحاق الزجاج بالمعتضد أن بعض الندماء وصف للمعتضد «كتاب جامع النطق» الذي عمله محبرة النديم، (قال محمد بن إسحاق خاصة: واسم محبرة محمد بن يحيى بن أبي عباد ويكنى أبا جعفر، واسم أبي عباد: جابر بن زيد بن الصباح العسكري، وكان حسن الأدب ونادم المعتضد وجعل كتابه جداول) .
رجع الكلام إلى اتفاقهما: فأمر المعتضد القاسم بن عبيد الله أن يطلب من يفسّر تلك الجداول، فبعث إلى ثعلب وعرضه عليه، فلم يتوجه إلى حساب الجداول وقال: لست أعرف هذا، وإن أردتم كتاب العين فموجود ولا رواية له. فكتب ابن عبيد الله إلى المبرد أن يفسّرها فأجابهم إنه كتاب طويل يحتاج إلى تعب وشغل، وإنه قد كبر [٣] وضعف عن ذلك، وإن دفعتموه إلى صاحبي إبراهيم بن السريّ رجوت أن يفي بذلك. فتغافل القاسم عن مذاكرة المعتضد بالزجاج حتى ألحّ عليه المعتضد، فأخبره بقول ثعلب والمبرد وأنه أحال على الزجاج، فتقدم إليه بالتقدم إلى الزجاج بذلك، ففعل القاسم، فقال الزجاج: أنا أعمل ذلك على غير نسخة ولا نظر في جدول، فأمره بعمل الثنائي، فاستعار الزجاج كتب اللغة من ثعلب والعسكري وغيرهما
_________________
(١) لم ترد في نور القبس.
(٢) الفهرست: ٦٦.
(٣) الفهرست: أسن.
[ ١ / ٦٢ ]
لأنه كان ضعيف العلم باللغة، ففسر الثنائيّ كلّه وكتبه بخط الترمذي الصغير أبي الحسن وجلّده وحمله إلى الوزير، وحمله الوزير إلى المعتضد فاستحسنه وأمر له بثلاثمائة دينار وتقدم إليه بتفسيره كله، ولم يخرج لما عمله الزجاج نسخة إلى أحد إلا إلى خزانة المعتضد ووزيره. (وقال ابن النديم: ثم ظهر في كتاب [١] السلطان هذا التفسير منقطعا ورأيناه في طلحيّ لطيف) . وصار للزجاج بهذا السبب منزلة عظيمة وجعل له رزق في الندماء ورزق في الفقهاء ورزق في العلماء نحو ثلاثمائة دينار.
قال ابن النديم [٢]: وللزجاج من الكتب: كتاب ما فسره من جامع النطق. كتاب معاني القرآن (قرأت على ظهر كتاب المعاني: ابتدأ أبو إسحاق بإملاء كتابه الموسوم بمعاني القرآن في صفر سنة خمس وثمانين ومائتين وأتمه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثمائة) . كتاب الاشتقاق. كتاب القوافي. كتاب العروض. كتاب الفرق.
كتاب خلق الإنسان. كتاب خلق الفرس. كتاب مختصر النحو. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف [٣] . كتاب شرح أبيات سيبويه. كتاب النوادر.
- ١٠-