أبو إسحاق الكاتب: هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول مولى يزيد بن المهلب كنيته أبو إسحاق، مات في شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسامرا وهو يتولى ديوان النفقات والضياع، مولده سنة ست وسبعين ومائة وقيل: سنة سبع وستين. وكان صول رجلا تركيا، وكان هو وأخوه فيروز ملكي جرجان وتمجّسا بعد التركية وتشبّها بالفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فأسلم صول على يده، ولم يزل معه حتى قتل يزيد يوم العقر [٢] .
وكان يزيد بن المهلب لما دعا إلى نفسه لحق به صول وغيره فصادفه قد قتل. وذكر الصولي أن صولا [جدّه] شهد الحرب مع يزيد بن المهلب، وأن يزيد وجد مقتولا بلا طعنة ولا ضربة بل انسدّت أذناه ومنخراه وامتلأ فمه بغبار العسكر فمات، فلا يعرف مثله
_________________
(١) - ترجمته في بغية الوعاة ١: ٤٢٦ وسمّاه إبراهيم بن محمد، وذكر أنه كان موجودا في أول المائة الخامسة؛ ولم ترد هذه الترجمة في المختصر.
(٢) - ترجمة إبراهيم الصولي في الفهرست: ١٣٦ وتاريخ بغداد ٦: ١١٧ والأغاني ١٠: ٤٣ ومروج الذهب ٥: ٢٣- ٢٨ وابن خلكان ١: ٤٤ وإعتاب الكتاب: ١٤٦ والوافي ٦: ٢٤ والنجوم الزاهرة ٢: ٣١٥، وله أخبار منثورة في الكتب الأدبية، وديوانه مضمن في الطرائف الأدبية: ١٢٦- ١٩٤ بعناية العلامة الميمني ﵀.
(٣) انظر الترجمة رقم: ٣٠٩.
(٤) كان عمر بن عبد العزيز قد حبس يزيد بن المهلب في أموال لبيت المال قبله، فلما توفي عمر، خاف ابن المهلب أن ينكّل به يزيد بن عبد الملك، فهرب من سجنه وأعلن الخروج على الدولة الأموية، فقتل يوم العقر (مكان بين واسط وما أصبح يسمّى بغداد من بعد) سنة ١٠٢.
[ ١ / ٧٠ ]
قتيل غبار، قال: ومعه قتل صول وجماعة من أصحابه وغلمانه وقيل: بل انحاز إلى العباس بن الوليد في جماعة من غلمانه فأعطاه العباس أمانا وبعض أولاد المهلب معه، فلما حصلوا في يده غدر بهم وقتلهم جميعا، وكان [١] يقاتل كلّ من بينه وبين يزيد من جيوش بني أمية ويكتب على سهامه: صول يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فاغتاظ وجعل يقول: ويلي على ابن الغلفاء ما له وللدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيّه، ولعله لا يفقه صلاته. وكان محمد بن صول من رجال الدولة العباسية ودعاتها وكان يكنى أبا عمارة، وقتله عبد الله بن علي لما خالف مع مقاتل بن حكيم العكي. وكان بعض أهليهم ادّعوا أنهم عرب وأنّ العباس بن الأحنف الشاعر خالهم. وكان إبراهيم بن العباس وأخوه عبد الله من وجوه الكتّاب، وكان عبد الله أسنّهما وأشدّهما تقدما، وكان إبراهيم آدبهما وأحسنهما شعرا، وكان إذا قال شعرا اختاره وأسقط رذله وأثبت نخبته، فمن ذلك قوله [٢]:
ولكنّ الجواد أبا هشام وفيّ العهد مأمون المغيب
بطيء عنك ما استغنيت عنه وطلّاع عليك مع الخطوب
وهذا من نادر الشعر وجيده. ومن ذلك قوله لأخيه عبد الله [٣]:
ولكنّ عبد الله لما حوى الغنى وصار له من بين إخوانه مال
رأى خلّة منهم تسدّ بماله فساهمهم حتى استوت بهم الحال
وهذا يدل على أن قبله غيره، ولولا أن يكون قبله غيره لقال: «ألا إن الجواد أبا هشام» و«ألا إنّ عبد الله» أو يكون قصد الإيهام بمدح قد تقدم هذه الأبيات من جملته والله أعلم.
وكان إبراهيم كاتبا حاذقا بليغا فصيحا منشئا. وإبراهيم [٤] وأخوه عبد الله من
_________________
(١) يتفق مع ما في الأغاني ١٠: ٤٣ (مع بعض تفاوت قليل) .
(٢) مروج الذهب ٥: ٢٥ والطرائف الأدبية: ١٢٩.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٣٦.
(٤) قارن بالأغاني ١٠: ٤٤.
[ ١ / ٧١ ]
صنائع ذي الرياستين الفضل بن سهل، اتصلا به فرفع منهما، وتنقل إبراهيم في الأعمال الجليلة والدواوين إلى أن مات وهو متولّي ديوان الضياع والنفقات بسرّ من رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين للنصف من شعبان. وكان دعبل يقول: لو تكسّب إبراهيم بالشعر لتركنا في غير شيء، ويعجب من قوله [١]:
إنّ امرءا ضنّ بمعروفه عني لمبذول له عذري
ما أنا بالراغب في خيره إن كان لا يرغب في شكري
وكان إبراهيم صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيات فولي محمد الوزارة وإبراهيم على الأهواز فقصده ووجّه إليه بأبي الجهم أحمد بن سيف [٢] وأمره بكشفه، فتحامل عليه تحاملا شديدا، فكتب إبراهيم إلى محمد بن عبد الملك [٣]:
واني لأرجو بعد هذا محمدا لأفضل ما يرجى أخ ووزير
فأقام محمد على أمره، ولجّ أبو الجهم في التحامل عليه، فكتب [٤] إبراهيم إلى ابن الزيات يشكو إليه أبا الجهم ويقول: هو كافر لا يبالي ما عمل، وهو القائل لما مات غلامه يخاطب ملك الموت:
تركت عبيد بني طاهر وقد ملأوا الأرض عرضا وطولا
وأقبلت تسعى إلى واحدي ضرارا كأني قتلت الرسولا
فسوف أدين بترك الصلاة وأصطبح الخمر صرفا شمولا
فكان محمد لعصبيته على إبراهيم وقصده له يقول: ليس هذا الشعر لأبي الجهم وإنما إبراهيم قاله ونسبه إلى أبي الجهم.
وكتب [٥] إبراهيم إلى ابن الزيات يستعطفه: كتبت وقد بلغت المدية المحزّ، وعدت الأيام عليّ بعد عدواني بك عليها، وكان أسوأ ظنّي وأكثر خوفي أن تسكن في
_________________
(١) الطرائف الأدبية: ١٨٥.
(٢) يعني أن محمد بن عبد الملك هو الذي وجه بأبي الجهم.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٣٢.
(٤) قارن بالأغاني ١٠: ٥١- ٥٢.
(٥) الأغاني ١٠: ٥٧- ٥٨.
[ ١ / ٧٢ ]
وقت حركتها، وتكفّ عند أذاتها، فصرت أضرّ عليّ منها، فكفّ الصديق عن نصرتي خوفا منك، وبادر إليّ العدوّ تقربا إليك، وكتب تحت ذلك [١]:
أخ بيني وبين الدّهر صاحب أيّنا غلبا صديقي ما استقام وإن
نبا دهر عليّ نبا وثبت على الزمان به
فعاد به وقد وثبا ولو عاد الزمان لنا
لعاد به أخا حدبا
وكتب إليه [٢]: أما والله لو أمنت ودّك لقلت، ولكني أخاف منك عتبا لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمة لا تحتملها لي، وما قدّر فهو كائن، وعن كلّ حادثة أحدوثة، وما استبدلت بحالة كنت فيها مغتبطا حالا أنا في مكروهها وألمها أشدّ علي من أني فزعت إلى ناصري عند ظلم لحقني فوجدت من ظلمني أخفّ نية في ظلمي منه، وأحمد الله كثيرا، وكتب تحتها [٣]:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربا عوانا
وكنت أذمّ إليك الزمان فأصبحت فيك أذمّ الزمانا
وكنت أعدّك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا
قال [٤]: ثم وقف الواثق على تحامله عليه فرفع يده عنه، وأمره أن يقبل منه ما رفعه ويردّ إلى الحضرة مصونا، فلما أحسّ إبراهيم بذلك بسط لسانه في ابن الزيات وهجاه هجاء كثيرا، منه [٥]:
قدرت فلم تضرر عدوا بقدرة وسمت بها إخوانك الذلّ والرغما
وكنت مليا بالتي قد يعافها من الناس من يأبى الدنية والذما
_________________
(١) الطرائف الأدبية: ١٥٥.
(٢) الأغاني ١٠: ٥٨.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٦٦.
(٤) الأغاني ١٠: ٥٨.
(٥) الطرائف الأدبية: ١٦٥.
[ ١ / ٧٣ ]
وقال أيضا فيه [١]:
أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة وقصّر قليلا عن مدى غلوائكا
فإن كنت قد أوتيت عزا ورفعة فإن رجائي في غد كرجائكا
وقال أيضا فيه [٢]:
دعوتك في بلوى ألمّت صروفها فأوقدت من ضغن عليّ سعيرها
وإني إذا أدعوك عند ملمة كداعية بين القبور نصيرها
ولما مات ابن الزيات قال إبراهيم [٣]:
لما أتاني خبر الزيات وأنه قد عدّ في الأموات
أيقنت أن موته حياتي
ولما انحرف [٤] محمد بن عبد الملك عن إبراهيم تحاماه الناس أن يلقوه، وكان الحارث بن بسخنّر الزريم المغني صديقا له مصافيا وهجره في من هجره من الإخوان، فكتب إليه [٥]:
تغيّر لي في من تغير حارث وكم من أخ قد غيرته الحوادث
أحارث إن شوركت فيك فطالما غنينا وما بيني وبينك ثالث
ومن مستحسن شعر إبراهيم بن العباس قوله [٦]:
خلّ النفاق لأهله وعليك فالتمس الطريقا
وارغب بنفسك أن ترى إلّا عدوا أو صديقا
ومنه [٧]:
أميل مع الصديق على ابن أمّي وأقضي للصديق على الشقيق
وأفرق بين معروفي ومنّي وأجمع بين مالي والحقوق
_________________
(١) الطرائف الأدبية: ١٦١.
(٢) الطرائف الأدبية: ١٨٤.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٨٢.
(٤) الأغاني ١٠: ٤٥.
(٥) الطرائف الأدبية: ١٨٢.
(٦) الطرائف الأدبية: ١٦١.
(٧) زهر الآداب: ١٠٢١ والطرائف الأدبية: ١٥٤.
[ ١ / ٧٤ ]
فإن ألفيتني حرّا مطاعا فإنك واجدي عبد الصديق
وكان [١] إبراهيم يهوى جارية لبعض المغنين بسرّ من رأى يقال لها ساهر [٢] شهر بها، وكان منزله لا يخلو منها، ثم دعيت في وليمة لبعض أهلها فغابت عنه ثلاثة أيام، ثم جاءته ومعها جاريتان لمولاها وقالت له: قد أهديت صاحبتيّ إليك عوضا عن مغيبي عنك، فقال:
أقبلن يحففن مثل الشمس طالعة قد حسّن الله أولاها وأخراها
ما كنت فيهنّ إلا كنت واسطة وكنّ دونك يمناها ويسراها
وجلس [٣] يوما مع إخوانه للشرب وبعث خلفها فابطأت عليه، وتنغّص عليه وعلى جلسائه يومه، وكان عندهم عدة من القيان، ثم وافت فسرّي عنه وطابت نفسه وشرب وطرب، وقال [٤]:
ألم ترنا يومنا إذ نأت ولم تأت من بين أترابها
وقد غمرتنا دواعي السرور بإشعالها وبالهابها
ونحن فتور إلى أن بدت وبدر الدجى تحت أثوابها
ولما نأت كيف كنّا بها ولما دنت كيف صرنا بها
فتغضبت [٥] فقالت: ما القصة كما ذكرت، وقد كنتم في قصفكم مع من حضر، وإنما تجملتم لي لما حضرت فقال [٦]:
يا من حنيني إليه ومن فؤادي لديه
ومن إذا غاب من بي نهم أسفت عليه
_________________
(١) الأغاني ١٠: ٤٨ والوافي ٦: ٢٥- ٢٦.
(٢) الأغاني: سامر؛ المختصر: ساهره.
(٣) الأغاني ١٠: ٤٦.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٤٠.
(٥) الأغاني: فتجنّت.
(٦) الطرائف الأدبية: ١٥٢.
[ ١ / ٧٥ ]
إذا حضرت فمن بى نهم أصبّ إليه من غاب غيرك منهم
فإذنه في يديه
فرضيت، فأقاموا يومهم على أحسن حال. ثم طال [١] العهد بينهما فملّها، وكانت شاعرة وكانت تهواه أيضا، فكتبت إليه تعاتبه:
بالله يا ناقض العهود بمن بعدك من أهل ودّنا نثق
وا سوءتا ما استحيت لي أبدا إن ذكر العاشقون من عشقوا
لا غرّني كاتب له أدب ولا ظريف مهذّب لبق
كنت بذاك اللسان تختلني دهرا ولم أدر أنه ملق
فاعتذر إليها وراجعها فلم تر منه ما تكره حتى فرّق الموت بينهما.
وحدث [٢] علي بن الحسن الاسكافي قال: كان لإبراهيم ابن قد يفع وترعرع وكان به معجبا، فاعتلّ علة لم تطل حتى مات، فرثاه مراثي كثيرة وجزع عليه جزعا شديدا، فمن مراثيه فيه [٣]:
أنت السواد لمقلة تبكي عليك وناظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
وقال أيضا فيه [٤]:
وما زلت مذلد أعطيته أدافع عنه حمام الأجل
أعوّذه دائبا بالقران وأرمي بطرفي إلى حيث حل
فأضحت يدي قصدها واحد إلى حيث حلّ فلم يرتحل
ومرّ [٥] إبراهيم برجل يستثقله فسلّم عليه فقال لبعض من معه: إنه جرميّ،
_________________
(١) الوافي ٦: ٢٦.
(٢) الأغاني ١٠: ٥٠.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٦٩.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٧٩.
(٥) الأغاني ١٠: ٥٣.
[ ١ / ٧٦ ]
فقال له: ما كان عندي إلا أنه من أهل السواد، فضحك إبراهيم وقال: إنما أردت قول الشاعر:
يسائل عن أخي جرم ثقيل والذي خلقه
وكتب [١] إبراهيم شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه: فلان ممن يزكو شكره.
ويعنيني أمره، والصنيعة عنده واجدة موضعها [٢] وسالكة طريقها:
وأفضل ما يأتيه ذو الدين والحجى إصابة شكر لم يضع معه أجر
ونظر [٣] إبراهيم إلى الحسن بن وهب وهو مخمور فقال له [٤]:
عيناك قد حكتا مبى تك كيف كنت وكيف كانا
ولربّ عين قد أرت ك مبيت صاحبها عيانا
قال [٥] ورفع أحمد بن المدبر على بعض عمال إبراهيم فحضر إبراهيم دار المتوكل فرأى هلال الشهر على وجهه ودعا له وضحك وقال له: إنّ أحمد بن المدبر رفع على عاملك كذا وكذا فاصدقني عنه، قال إبراهيم: فضاقت عليّ الحجة، وخفت أن أحقق قوله إن اعترفت ثم لا أرجع منه إلى شيء فيعود علي الغرم، فعدلت عن الحجّة إلى الحيلة فقلت: أنا في هذا يا أمير المؤمنين كما قلت فيك [٦]:
ردّ قولي وصدّق الأقوالا وأطاع الوشاة والعذّالا
أتراه يكون شهر صدود وعلى وجهه رأيت الهلالا
فقال: لا يكون ذلك والله، لا يكون ذلك أبدا، والتفت إلى الوزير وقال له:
كيف تقبل في المال قول صاحبه؟
_________________
(١) الأغاني ١٠: ٥٤.
(٢) الأغاني: واقعة موقعها.
(٣) الأغاني ١٠: ٥٥.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٧٥.
(٥) الأغاني: ٥٩- ٦٠ والوافي ٦: ٢٧.
(٦) الطرائف الأدبية: ١٤٩.
[ ١ / ٧٧ ]
وكان [١] أحمد بن يحيى ثعلب يقول: إبراهيم بن العباس أشعر المحدثين، وما روى شعر كاتب غيره، وكان يستجيد قوله [٢]:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ويفترّ عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ومن دوننا أن تستذمّ ذماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها وأيسر خطب يوم حقّ فناؤها
ويقول: والله لو أن هذا لبعض الأوائل لاستجيد له.
وقال [٣] إبراهيم في قينة كان يهواها:
وعلّمتني كيف الهوى وجهلته وعلّمكم صبري على ظلمكم ظلمي
وأعلم ما لي عندكم فيردّني هواي إلى جهلي فأرجع عن علمي
ومن أحسن ما قيل في قصر الليل قول إبراهيم بن العباس [٤]:
وليلة من الليالي الزّهر قابلت فيها بدرها ببدر
لم تك غير شفق وفجر حتى تولّت وهي بكر الدهر
وقال [٥] أبو العيناء: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا، فنقطت [من] القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فعجبت فقال: لا تعجب، المال فرع والقلم أصل، ومن هذا السواد جاءت هذه الثياب، والأصول أحوج إلى المراعاة من الفرع، ثم فكّر قليلا وقال [٦]:
إذا ما الفكر ولّد حسن لفظ وأسلمه الوجود إلى العيان
ووشّاه فنمنمه بيان فصيح في المقال بلا لسان
ترى حلل البيان منشّرات تجلّى بينها حلل المعاني
_________________
(١) الأغاني ١٠: ٦١ ومروج الذهب ٥: ٢٥.
(٢) زهر الآداب: ١٠٢٠ والطرائف الأدبية: ١٥٣.
(٣) الأغاني ١٠: ٦٢ والقينة هي ساهر (أو سامر) وزهر الآداب: ١٠٢٠ وانظر الطرائف: ١٥٠.
(٤) الأغاني ١٠: ٦٢ والطرائف: ١٤٥ والوافي ٦: ٢٧ وزهر الآداب: ٢٩٩.
(٥) الأغاني ١٠: ٦٣.
(٦) زهر الآداب: ٥١٨- ٥١٩ (باختلافات في الرواية) والطرائف الأدبية: ١٨٨.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال إبراهيم في الفضل بن سهل [١]:
يقضي الأمور على بديهته وتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردها فيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا ألمّت صعبة عظمت فيها الرزيئة كان صاحبها
المستقلّ بها وقد رسبت ولوت على الأيام جانبها
سست الخلافة إذ نصبت لها فحميتها ومنعت جانبها
وعدلتها بالعدل فاعتدلت ووسعت راغبها وراهبها
وإذا الحروب غلت بعثت لها رأيا تفلّ به كتائبها
رأيا اذا نبت السيوف مضى عزم به يسقي مضاربها
أجرى إلى فئة بدولتها وأقام في أخرى نوادبها
واذا الخطوب تأثّلت ورست هدّت فواضله نوائبها
وإذا جرت بضميره يده أبدت له الدنيا مناقبها
قال [٢] واجتمع هارون بن محمد بن عبد الملك بن الزيات وابن برد الخيار في مجلس عبيد الله بن سليمان، فجعل هارون ينشد من شعر أبيه محاسنه ويفضله ويقدمه، فقال له ابن برد الخيار: إن كان لأبيك مثل قول ابراهيم بن العباس الصولي [٣]:
أسد ضار إذا هيّجته وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
أو مثل قوله [٤]:
تلج السنون بيوتهم وترى لهم عن جار بيتهم ازورار مناكب
_________________
(١) الأغاني ١٠: ٦٤- ٦٥ والطرائف الأدبية: ١٢٨.
(٢) الأغاني ١٠: ٦٧.
(٣) الطرائف الأدبية: ١٣٣ مروج الذهب ٥: ٢٦ وزهر الآداب: ٣٩٩.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٢٩.
[ ١ / ٧٩ ]
وتراهم بسيوفهم وشفارهم مستشرفين لراغب أو راهب
حامين أو قارين حيث لقيتهم نهب العفاة ونهزة للراغب
فاذكره وفاخر به، وإلّا فأقلل، فخجل هارون.
قال [١]: ودخل عليه أحمد بن المدبر بعد خلاصه من النكبة مهنئا، وكان استعان به في أمر النكبة فقعد عنه وبلغه أنه كان يسعى ويحرّض عليه ابن الزيات [٢]:
وكنت أخي بالدهر حتى إذا نبا نبوت فلما عاد عدت مع الدهر
فلا يوم إقبالي عددتك طائلا ولا يوم إدباري عددتك من وتر
وما كنت إلا مثل أحلام نائم كلا حالتيك من وفاء ومن غدر
وله أيضا فيه [٣]:
لو قيل لي خذ أمانا من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانا إلا من الخلان
وأنا أستحسن قوله [٤]:
حتى متى أنا في حزن وفي غصص إذا تجدّد حزن هوّن الماضي
وقد غضبت فما باليتم غضبي حتى رجعت بقلب ساخط راضي
ومما كتب إبراهيم بن العباس إلى ابن الزيات [٥]:
من رأى في المنام مثل أخ لي كان عوني على الزمان وخلّي
رفعت حاله فحاول حطّي وأبى أن يعزّ إلّا بذلّي
_________________
(١) الأغاني ١٠: ٦٩.
(٢) الطرائف الأدبية: ١٥٨.
(٣) الأغاني ١٠: ٦٩ ومروج الذهب ٥: ٢٥ والطرائف: ١٦٦.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٤٦ وهو في تاريخ بغداد ٦: ١١٧ وزهر الآداب: ١٠٢٠.
(٥) خاص الخاص: ٩٩ وأحسن ما سمعت: ٣٣ والطرائف الأدبية: ١٦٣.
[ ١ / ٨٠ ]
وكتب إليه يستعطفه [١]:
فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن بالعفو منك لسوء ما جنيت به أهلا فأنت له أهل
ومن منثور كلامه: أتاني فلان في وقت أستثقل فيه لحظة الفرح.
وحدث [٢] الصولي عن العباس بن محمد قال: أنشدني إبراهيم بن العباس في مجلسه في ديوان الضياع:
ربما تجزع النفوس من الأمر لها فرجة كحلّ العقال
ونكت بقلمه ثم قال [٣]:
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنّها لا تفرج
قال فعجبنا من سرعة طبعه وجوده قريحته.
وحدث الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي قال: حدثني أبي قال [٤]: لما قرأ إبراهيم بن العباس على المتوكل رسالته إلى أهل حمص [٥] أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يرى من حقّ الله عليه مما قوّم به من أود، وعدّل به من زيغ، ولمّ به من منتشر، استعمال ثلاث يقدّم بعضهنّ أمام بعض: أولاهن ما يتقدم به من تنبيه وتوقيف، ثم [ما] يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التي لا ينفع لحسم الداء غيرها:
أناة فان لم تغن عقّب بعدها وعيدا فإن فلم يغن أغنت عزائمه
عجب المتوكل من حسن ذلك، وأومأ إلى عبيد الله: أما تسمع، فقال: يا أمير المؤمنين إن إبراهيم فضيلة خبأها الله لك واحتبسها على أيامك. وهذا أول شعر نفذ في كتاب عن خلفاء بني العباس.
_________________
(١) الطرائف الأدبية: ١٨٦- ١٨٧.
(٢) الخبر والشعر في أمالي المرتضى ١: ٤٨٦.
(٣) الوافي ٦: ٢٧ والطرائف، ١٧١.
(٤) قارن بالوافي ٦: ٢٥.
(٥) رسالة إبراهيم إلى أهل حمص في نثر الدر ٥: ١٠٤.
[ ١ / ٨١ ]
وحدث عن ميمون بن هارون عن أبيه قال قلت لإبراهيم بن العباس: إن فلانا يحبّ أن يكون لك وليا، فقال لي: أنا والله أحبّ أن يكون الناس جميعا إخواني، ولكني لا آخذ منهم إلّا من أطيق قضاء حقّه وإلا استحالوا أعداء، وما مثلهم إلا كمثل النار قليلها مقنع وكثيرها محرق.
وقال الحسين بن علي الباقطائي: شاورت أبا الصقر قبل وزارته في أمر لي فعرفني الصواب فيه، فقلت له: أنت أيدك الله كما قال إبراهيم بن العباس في هذا المعنى [١]:
أتيتك شتّى الرأي لابس حيرة فسدّدتني حتى رأيت العواقبا
على حين ألقى الرأي دوني حجابه فجبت الخطوب واعتسفت المذاهبا
فقال: لا تبرح والله حتى أكتب البيتين، فكتبتهما له بين يديه بخطي.
وحدث أبو ذكوان قال: لما توفي المعتصم بالله وقام ابنه الواثق خليفة بعده كتب إليه إبراهيم بن العباس يعزّيه بأبيه ويهنئه بالخلافة: إن أحقّ الناس بالشكر من جاء به عن الله، وأولاهم بالصبر من كان سلفه رسول الله، وأمير المؤمنين أعزّه الله وآباؤه نصرهم الله أولو الكتاب الناطق عن الله بالشكر، وعترة رسوله المخصوصون بالصبر، وفي كتاب الله أعظم الشفاء، وفي رسوله أحسن العزاء، وقد كان من وفاة أمير المؤمنين المعتصم بالله ومن مشيئة الله في ولاية أمير المؤمنين الواثق بالله ما عفّى على أوّله آخره، وتلافت بدأته عاقبته، فحقّ الله في الأولى الصبر، وفرضه في الأخرى الشكر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يستنجز ثواب الله بصبره ويستدعي زيادته بشكره، فعل، إن شاء الله تعالى وحده.
ومن كلامه: ووجد أعداء الله زخرف باطلهم وتمويه كذبهم سرابا بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا، وكوميض برق عرض فأسرع، ولمع فأطمع، حتى انحسرت مشرّقة مغاربه، وتشعّبت مولّية مذاهبه، وأيقن راجيه وطالبه، ألّا ملاذ ولا وزر، ولا مورد ولا صدر، ولا من الحرب محيص، هنالك ظهرت عواقب
_________________
(١) الطرائف: ١٢٧.
[ ١ / ٨٢ ]
الحقّ منجية، وخواتم الباطل مردية، سنة الله فيما أزاله واداله، ولن تجد لسنّة الله تبديلا، ولا عن قضائه تحويلا.
وحدثني الصولي، قال حدثني يحيى بن البحتري قال: رأيت أبي يذاكر جماعة من شعراء الشام بمعان من الشعر، فمرّ فيها قلة نوم العاشق وما قيل في ذلك، فأنشدوا إنشادات فيها، فقال لهم أبي: فرغ من هذا كاتب العراق إبراهيم بن العباس فقال [١]:
أحسب النوم حكاكا إذ رأى منك جفاكا
منّي الصبر ومنك ال هجر فابلغ بي مداكا
كذبت همّة عين طمعت في أن تراكا
أوما حظّ لعين أن ترى من قد رآكا
ليت حظّي منك أن تعلم ما بي من هواكا
ثم قال البحتري: تصرفت هذه الأبيات في معان من الشعر أحسن في جميعها، قال: فكتبها عنه أجمعهم.
ومما روى له الصولي [٢]:
أولى البرية [٣] طرّا أن تواسيه عند السرور الذي واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
وروى له وهو في الحماسة [٣]:
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة نزوع نفس الى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها أرضا بأرض وجيرانا بجيران
_________________
(١) الخبر والشعر في أمالي المرتضى ١: ٤٨٣ وانظر الزهرة: ١٠١ والطرائف الأدبية: ١٤٨.
(٢) ينسبان لغيره أيضا؛ انظر عيون الأخبار ٣: ٢٠ ومروج الذهب ٥: ٢٦ وابن خلكان ١: ٤٦ والطرائف: ١٧٧.
(٣) هما في معاني العسكري ١: ١٩٢ وعيون الأخبار ١: ٢٣٤ وابن خلكان ١: ٤٦ وذكر أنه رآهما في ديوان مسلم بن الوليد، وانظر الطرائف: ١٥١- ١٥٢ والمرزوقي رقم: ٨٢.
[ ١ / ٨٣ ]
قال الصولي حدثني جرير بن أحمد بن أبي داود قال: كان إبراهيم أصدق الناس لأبي، فعتب على ابنه أبي الوليد في شيء فقال فيه أحسن قول: ذمّه ومدح أباه وما أحسن هذا من جهة جرير [١]:
عفّت مساو تبدّت منك واضحة على محاسن أبقاها [٢] أبوك لكا
لئن تقدمت أبناء الكرام به فقد تقدّم آباء الكرام بكا
وروي لإبراهيم في محمد بن عبد الملك [٣]:
إن كان رزقي عليك فارم به في ماضغي حيّة على رصد
لو كنت حرا كما زعمت وقد كررتني بالمطال لم أعد
لكنني عدت ثم عدت فإن عدت إلى مثلها إذا فعد
أعتقني سوء ما أتيت من الرقّ فيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسوء فيك وما أحسن سوء قبلي إلى أحد
وله فيه [٤]:
وقائل لا أبدا إن جدّ أو إن هزلا
فهو إذا اضطر إلى قول نعم قال بلى
تعودوا منه لما ضمت بلى من قول لا
ومما يستحسن من شعر إبراهيم بن العباس [٥]:
ابتداء بالتجني وقضاء بالتظني
واشتفاء بتجنى ك لأعدائك منّي
_________________
(١) البيتان عند ابن خلكان ١: ٨٩ وأمالي المرتضى ١: ٤٨٧ والطرائف: ١٦٢.
(٢) م: نقاها.
(٣) الثابت: أنها ليست للصولي بل هي لأبي الأسد، انظر معاني العسكري ٢: ٢٠٣.
(٤) الطرائف الأدبية: ١٦٤.
(٥) الطرائف الأدبية: ١٥١.
[ ١ / ٨٤ ]
بأبي قل لي كي أعل م لم أعرضت عنّي قد تمنّى ذاك أعدا
ئي فقد نالوا التمني
وقال أبو زيد البلخي، وذكر إبراهيم بن العباس، فقال: كان من أبلغ الناس في الكتابة حتى صار كلامه مثلا، كتب كتاب فتح عجيبا، أثنى على الله وحمده، ثم قال في خلال ذلك: وقسم الله الفاسق أقساما ثلاثة: روحا معجلة إلى نار الله، وجثة منصوبة بفناء معلقه، وهامة منقولة إلى دار خلافته.
وحدث الجهشياري [١] عن وهب بن سليمان بن وهب قال: كنت أكتب لابراهيم بن العباس على ديوان الضياع، وكان رجلا بليغا ولم يكن له في الخراج تقدم، وكان بينه وبين أحمد بن المدبر تباعد، وكان أحمد مقدّما في الكتابة، فقال أحمد بن المدبر للمتوكل: قلدت إبراهيم بن العباس ديوان الضياع وهو متخلّف، آية من الآيات لا يحسن قليلا ولا كثيرا، وطعن عليه طعنا قبيحا، فقال المتوكل: في غد أجمع بينكما، واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول المكروه، وعلم أنه لا يفي بأحمد بن المدبر في صناعته، وغدا الى دار السلطان آيسا من نفسه ونعمته، وحضر أحمد فقال له المتوكل: قد حضر ابراهيم وحضرت، ومن أجلكم قعدت، فهات اذكر ما كنت فيه أمس فقال أحمد: أيّ شيء أذكر عنه، فإنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ولا يعلم ما في دساترهم من تقديراتهم وكيولهم وحمل من حمل منهم ومن لم يحمل، ولا يعرف أسماء النواحي التي تقلّدها، وقد اقتطع صاحبه بناحية كذا كذا ألفا، واختلّت ناحية كذا في العمارة، وأطال في ذكر هذه الأمور؛ فالتفت المتوكل إلى إبراهيم فقال: ما سكوتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين جوابي في بيتي شعر قلتهما، فإن أذن أمير المؤمنين أنشدتهما، فقال: هات، فأنشده البيتين المذكورين:
ردّ قولي وصدّق الأقوالا
فقال المتوكل: زه زه أحسنت، إيتوني بمن يعمل في هذا لحنا، وهاتوا ما
_________________
(١) سقطت الحكاية مع ما سقط من كتاب الجهشياري وأثبتها ميخائيل عواد في نصوص ضائعة ص: ٧٦- ٧٩.
[ ١ / ٨٥ ]
نأكل، وجيئوا بالنساء، ودعونا من فضول ابن المدبر، واخلعوا على إبراهيم بن العباس، فخلع عليه وانصرف الى منزله. قال الحسن: فمكث يومه مغموما، فقلت له: هذا يوم سرور وجذل بما جدّد الله لك من الانتصار على خصمك، فقال يا بنيّ الحقّ أولى بمثلي وأشبه، إني لم أدفع أحمد بحجة ولا كذب في شيء مما ذكر، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلجت برطازة ومخرقة، أفلا أبكي فضلا عن أن أغتمّ من زمان يدفع ذلك كلّه؟
وقال الجهشياري [١]: رأيت دفترا بخط إبراهيم بن العباس الصولي فيه شعر قاله وهو في حبس موسى بن عبد الملك يصف ما هو فيه من ضيق الحبس وثقل الحديد والقيد، ويذكر موسى في شعره، وكان يكنى بأبي الحسن فكناه بأبي عمران، فقال في قصيدة طويلة:
كم ترى يبقى على ذا بدني قد بلي من طول همّي وفني
أنا في أسر وأسباب ردى وحديد فادح يكلمني
وأبو عمران موسى حنق حاقد يطلبني بالإحن
ليس يشفيه سوى سفك دمي أو يراني مدرجا في كفني
وقد كتب أحمد بن مدبر بخطه في ظهر هذا الدفتر:
أبا إسحاق إن تكن الليالي عطفن عليك بالخطب الجسيم
فلم أر صرف هذا الدهر يجري بمكروه على غير الكريم
ولإبراهيم بن العباس من التصانيف فيما ذكره محمد بن إسحاق النديم: كتاب ديوان رسائله. كتاب ديوان شعره. كتاب الدولة كبير. كتاب الطبيخ. كتاب العطر [٢] .
ومات إبراهيم بن العباس الصولي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين في شعبان، وهو يتولى ديوان الضياع والنفقات بسامرّا.
_________________
(١) انظر نصوص ضائعة: ٧٩.
(٢) ر: القطر.
[ ١ / ٨٦ ]
- ١٧-