: يعرف بالرقيق القيرواني، والرقيق لقب له، رجل فاضل أديب له تصانيف كثيرة في علم الأخبار ومنها كتاب تاريخ أفريقية والمغرب، عدة مجلدات. وكتاب النساء، كبير. وكتاب الراح والارتياح. وكتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك أربع مجلدات. وكتاب الاختصار البارع للتاريخ الجامع، عشر مجلدات.
وكان في سنة تسعين وثلاثمائة.
وذكره ابن رشيق فقال: هو شاعر سهل الكلام محكمه، لطيف الطبع قويه، تلوح الكتابة على ألفاظه، قليل صنعة الشعر، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التاريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس. وكاتب الحضرة منذ نيّف وعشرين سنة إلى
_________________
(١) - ترجمته في إنباه الرواة ١: ١٨٥ والفهرست: ٨٧ وبغية الوعاة ١: ٤٢٦ ولم ترد في المختصر وتأتي ترجمة أبيه رقم: ١٠٥٠.
(٢) - ترجمة الرقيق في الوافي ٦: ٩٢ (وضبط اسمه بأنه بقافين بينهما ياء آخر الحروف فعيل من الرقة) والفوات ١: ٤١ ومسالك الابصار ١١: ٣٣٣ وفيه نقل عن الأنموذج لابن رشيق (أنموذج الزمان: ٥٥) والمقفى ١: ٢٥٦. ومقدمة قطب السرور (القسم الثاني) بتحقيق أحمد الجندي، دمشق ١٩٦٩ ومقدمة المختار منه، تحقيق عبد الحفيظ منصور ١٩٧٦ ومقدمة قطعة من كتابه تاريخ المغرب والأندلس، تحقيق المنجي الكعبي، وهذه القطعة أعاد تحقيقها عز الدين عمر موسى وعبد الله الزيدان، دار الغرب الاسلامي، بيروت ١٩٩٠.
[ ١ / ٩٧ ]
الآن. ومن شعره جوابا عن أبيات كتبها إليه عمار بن جميل [١] وقد انقطع عن مجالس الشراب [٢]:
قريض كابتسام الرّو ض جمّشه نسيم صبا
كعقد من جمان الطلّ منظوم وما ثقبا ومنثور كنثر الد
رّ من أسلاكه انسربا فأهدى نشر زهرته
فتيت المسك منتهبا إذا أثماره جنيت
جنيت العلم والأدبا بهزل حين ينشده
كأنك منتش طربا حباك به أخ يرعى
من العهد الذي وجبا صديق مثل صفو الما
ء بالصهباء قد قطبا كنزت مودة منه
كفت أن أكنز الذهبا إذا عدّ امرؤ حسبا
فحسبي ذكره نسبا ألذّ من الحياة لد
يّ لكن قبله قلبا فهان عليه ما ألقى
وظنّ تجلدي لعبا جفوت الراح عن سبب
وكان لجفوتي سببا فصرت لوحدتي كلّا
على الإخوان مجتنبا وذاك لتوبة أمّلت أن أقضي بها أربا
فها أنا تائب منها فزرني تبصر العجبا
وكان قدم مصر في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بهدية من نصير الدولة باديس بن زيري إلى الحاكم، فقال قصيدة يذكر فيها المناهل ثم قال [٣]:
_________________
(١) عمار بن جميل: ترجم له ابن رثيق في الأنموذج: ٣٠٥ وقال: كان متوسط الطبع، مرّ المذاق، شرس الأخلاق، يتشبه بمحمد بن عبد الملك الزيات.
(٢) الأبيات في الأنموذج: ٥٥- ٥٦.
(٣) القصيدة في الأنموذج: ٥٧ (وتخريجها) .
[ ١ / ٩٨ ]
إذا ما ابن شهر قد لبسنا شبابه بدا آخر من جانب الأفق يطلع
إلى أن أقرّت جيزة النيل أعينا كما قرّ عينا ظاعن حين يرجع
يقول فيها بعد مدح كثير ووصف جميل:
هدية مأمون السريرة ناصح أمين إذا خان الأمين المضيّع
وما مثل باديس ظهير خلافة إذا اختير يوما للظهيرة موضع
نصير لها من دولة حاتمية إذا ناب خطب أو تفاقم مطمع
حسام أمير المؤمنين وسهمه وسمّ ذعاف في أعاديه منقع
قال: ومن مليح كلامه قوله من قصيدة [١]:
إذا ارجحنّت بما تحوي مآزرها وخفّ من فوقها خصر ومنتطق
ثنى الصّبا غصنا قد غازلته صبا على كثيب له من ديمة لثق
للشمس ما سترت عنّا معاجرها وللغزال احورار العين والعنق
مظلومة أن يقال البدر يشبهها والبدر يكسف أحيانا وينمحق
يجلل المتن وحف من ذوائبها جبينها تحت داجي ليله فلق
كأنها روضة زهراء حالية بنورها، ترتعي في حسنها الحدق
وقال ومن أعجب ما سمعت قوله من قصيدة يمدح محمد بن أبي العرب [٢]:
أظالمة العينين لحظهما [٣] سحر وإن ظلم الخدّان واهتضم الخصر
أعوذ ببرد من ثناياك قد ثنى إليك قلوبا حشو أثنائها [٤] جمر
لقد ضمنت [عيناك] أنّ ضمانتي ستبري عظامي بالنحول ولا تبرو
وما أمّ ساجي الطرف خفّاقة الحشا أطاع لها الحوذان والسّلم النضر
_________________
(١) الأنموذج: ٥٨.
(٢) محمد بن أبي العرب الكاتب عمل على أفريقية أيام المنصور الصنهاجي وتوفي سنة ٣٩٦ (الكامل في التاريخ ٩: ٩٠، ١٥٢) وانظر الأبيات في الأنموذج: ٥٩.
(٣) في م: يخلطها.
(٤) المسالك: أثوابها.
[ ١ / ٩٩ ]
إذا ما دعاها نصّت الجيد نحوه أغنّ قصير الخطو في لحظه [١] فتر
بأملح منها ناظرا ومقلّدا ولكن عداني عن تقنّصها الهجر
يقول في مديحها:
تصبّاه أبكار العلا ليس أنها منعمة هيفاء أو غادة بكر
يخال بأن العرض غير موفّر عن الذمّ إلا أن يدال له الوفر
يقول فيها يصف بلاغته وكتابته:
يوشّح ديباج البلاغة أحرفا يكاد يري روضا يوشّحه الزهر
ويفصح لفظا خطّها من فصاحة ويشرق من تحبير ألفاظها الحبر
يصيب عيون المشكلات بديهه ويبدي له أعقاب ما غيّب الفكر
ثم ذكر الممدوح فقال:
وملمومة شهباء يسعى أمامها شهاب عزيم من طلائعه الذعر
يزجّي بنات الأعوجية شزّبا عليها بنو الهيجا دروعهم الصبر
أسود وغى تحت العجاجة غابها سريجّية بيض وخطّية سمر
صبحت بها دهماء قوم أرتهم وجوه الردى حمرا خوافقها الصّفر
قال: ومثل هذه القصيدة في الجودة قصيدة طويلة تشوق فيها إخوانه بمصر، وهي [٢]:
هل الريح إن سارت مشرّقة تسري تؤدّي تحياتي إلى ساكني مصر
فما خطرت إلّا بكيت صبابة وحمّلتها ما ضاق عن حمله صدري
تراني [٣] إذا هبّت قبولا بنشرهم شممت نسيم المسك في ذلك النشر
وما أنس من شيء خلا العهد دونه فليس بخال من ضميري ولا فكري
ليال أنسناها [٤] على غرّة الصّبا فطابت لنا إذ وافقت غرّة الدهر
_________________
(١) المسالك: عظمه.
(٢) وردت هذه القصيدة في المسالك وخطط المقريزي ١: ٣٧٠ وانظر الأنموذج: ٦١.
(٣) ر: لأني.
(٤) المسالك: لبسناها.
[ ١ / ١٠٠ ]
لعمري لئن كانت قصارا أعدّها فلست بمعتدّ سواها من العمر
أخادع دهري أن يعود بفرصة فينقذ روح الوصل من راحة الهجر
وترجع أيام خلت بمعاهد من اللهو لا تنفكّ مني على ذكر
فكم لي بالأهرام أو دير نهية مصايد غزلان المكانس [١] والقفر
إلى الجيزة الدنيا وما قد تضمّنت جزيرتها ذات المواخير والجسر
وبالمقس فالبستان للعين منظر أنيق إلى شاطي الخليج إلى القصر
وفي سردوس [٢] مستراد وملعب إلى دير مر حنّا إلى ساحل البحر
وكم بين بستان الأمير وقصره إلى البركة الزهراء من زهر نضر
تراها كمرآة بدت في رفارف من السندس الموشيّ ينشر للتّجر
وكم بتّ في دير القصير [٤] مواصلا نهاري بليلي لا أفيق من السكر
تباكرني بالراح بكر غريرة إذا هتف الناقوس في غرة الفجر
مسيحية خوطّية كلما انثنت تشكّت أذى الزنّار من دقة الخصر
وكم ليلة لي بالقرافة خلتها لما نلت من لذاتها ليلة القدر
سقى الله صوب القطر تلك مغانيا وإن غنيت بالنيل عن سبل القطر
وله أيضا في الغزل [٥]:
ريم إذا ما معاريض المنى خطرت أجلّه المتمنّي عن تمنّيه
يا إخوتي أأقاحي فيه أقبل لي أم خطّ راءين من مسك [٦] على فيه
أم حسن ذاك التراخي في تكلّمه أم حسن ذاك التهادي في تثنيه
_________________
(١) دير نهيا: بالجيزة قرب القاهرة؛ وفي م: المكابد.
(٢) سردوس: أحد فروع النيل.
(٣) دير مرحنا: كان يقع على شاطىء بركة الحبش.
(٤) دير القصير: كان قريبا من القاهرة.
(٥) قارن بالفوات ٦: ٩٣ والأنموذج: ٦٣.
(٦) المختصر (ر): أم خط آس على مسك.
[ ١ / ١٠١ ]
أم سخطه أم رضاه أم تجنّيه أم عطفه أم نواه أم تدانيه
نفسي فداؤك ما لي عنك مصطبر يا قاتلي كلّ معنى من معانيه
وقال يرثي [١]:
وهوّن ما ألقى وليس بهيّن بأن المنايا للنفوس بمرصد
وأني وإن لم ألقك اليوم رائحا لصرف رزاياها لقيتك في غد
فلا يبعدنك الله ميتا بقفرة معفّر خدّ في الثرى لم يوسّد
تردّى نجيعا حين بزّت ثيابه كأنّ على أعطافه فضل مجسد
مضاء سنان في سنان مذلّق وفتك حسام في حسام مهند
- ٢٩-