: أخذ عنه أبو الحسين المهلبي وجنادة اللغوي الهروي وكثير من أهل العلم، وكان مقامه بمصر، قال أبو سعد السمعاني: النّجيرميّ نسبة إلى نجيرم، ويقال نجارم، وهي محلّة بالبصرة.
قال المؤلف: لم يصب السمعانيّ في قوله، إلا أن يكون طائفة من أهل هذا الموضع أقاموا بموضع من محالّ البصرة فنسب إليهم، ونجيرم قرية كبيرة على ساحل بحر فارس بينها وبين سراف نحو خمسة عشر فرسخا، رأيتها، يسمونها أهلها والنجار نيرم فيسقطون الجيم تخفيفا أو تخلفا، وليس مثلها يحتمل أن يكون لأهلها محلة بالبصرة، وهم فرس من فرس الحال [١] أكثر أكلهم النبق والسمك.
حدثني بعض أهل مصر عند كوني بها في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال: حدثت أن الفضل بن عباس [٢] دخل على كافور الإخشيدي فقال له: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ، فخفض الأيام، فتبسم كافور إلى أبي إسحاق النجيرمي، فقال أبو إسحاق [٣]:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا وغصّ من هيبة بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته بين البليغ وبين القول بالحصر
فان يكن خفض الأيام عن دهش من شدّة الخوف لا من قلّة البصر
فقد تفاءلت في هذا لسيدنا والفأل نأثره عن سيّد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب وأن دولته صفو بلا كدر
_________________
(١) - ترجمة النجيرمي في إنباه الرواة ١: ١٧٠ والوافي ٦: ٣٤ وبغية الوعاة ١: ٤١٤ والنجوم الزاهرة ٤: ٣ وأورد له ابن سعيد في المغرب (قسم مصر: ١٦٧) رسالة طويلة كتبها عن الاخشيد إلى ملك الروم، وأعجب بها فنسخ منها عدة نسخ بعث بها إلى البصرة، كما أورد له الحصري في زهر الآداب: ٦١٧- ٦١٩ رسالة في وصف القلم، وانظر المقفى ١: ٢٣٩.
(٢) كذا، ولعل الصواب: من فقيري الحال.
(٣) في بعض المصادر: عياش.
(٤) وردت الأبيات أيضا في زهر الآداب: ٦١٩ والغيث الذي انسجم ١: ١٢٠ والمقفى.
[ ١ / ٨٧ ]
قال فأمر له بثلاثمائة دينار ولابن عباس بمثلها، هكذا أخبرني المصري في خبر هذا الشعر وأنه لأبي إسحاق النّجيرمي [١] .
ووجدت في أخبار رواها أبو الجوائز الواسطي قال، حدثني أبو الحسين ابن أذين النحوي، وكان شيخا قد نيف على الثمانين في سنة أربعمائة، قال: حضرت مع والدي وأنا طفل مجلس كافور الاخشيدي وهو غاصّ بأهله، فدخل رجل غريب فسلّم ودعا له، وذكر القصة ولم يذكر الفضل بن عباس، قال: فقام رجل فأنشد- ولم يذكر النجيرمي- وأنشد الشعر بعينه وجهل الرجلين.
قرأت في كتاب من إملاء النّجيرمي، قال كاتبه: أنشدني أبو إسحاق وهي له:
بدّلني الدهر أميرا معورا بسيّد كان خضمّا كوثرا [٢]
إذا شممت كفّه مذ أمّرا شممت منها غمرا مقتّرا [٣]
بما أشمّ مسكا وعنبرا يا بدلا كان لفاء أعورا [٤]
وأنشدهم أيضا لنفسه:
وأيّ فتى صبر على الأين والوجى إذا اعتصروا للّوح ماء فظاظها [٥]
إذا ضربوها ساعة بدمائها وحلّ عن الكوماء عقد شظاظها
_________________
(١) جاء في (ر) بعد حكاية اللحن هذه ما نصه: قال كاتبه عفا الله عنه: كتب أبو الفتح اسحاق بن أبي البركات بن الشويخ رأس مثيبة اليهود في زمن المستعصم بالله إلى تاج الدين معلى بن الدباهي، وهو يومئذ صدر المخزن رقعة تتضمن سؤالا لبعض يهود حربى فكتب على رأسها: «يجاب سؤال رافعوها» فلما وقف على هذا اللحن كتب إليه من نظمه: قد كان همكم في جبر منكسر أو رفد مفتقر أو بسط منقبض حذا يراعكم في الفعل مثلكم فليس ينكر منه رفع منخفض توفي سنة خمس وأربعين وستمائة.
(٢) المعور: الناقص؛ الكوثر: الرجل الكثير العطاء.
(٣) الغمر: السهك وريح اللحم؛ مقتر: ساطع الرائحة.
(٤) اللفاء: الخسيس؛ وفي المثل «بدل أعور» يضرب في المذموم يجيء بعد المحمود، انظر فصل المقال: ١٨٣ ومجمع الميداني ١: ٥٩.
(٥) الأين: التعب؛ الوجى: الألم الناشىء عن الحفاء؛ اللوح: العطش: الفظاظ: الكروش.
(٦) الكوماء: الناقة ذات السنام المرتفع؛ الشظاظ: العود الذي يدخل في عروة الجوالق.
[ ١ / ٨٨ ]
فانك ضحّاك إلى كلّ صاحب وأنطق من قسّ غداة عكاظها
إذا اشتغب المولى مشاغب مغشم فعروة فيها آخذ بكظاظها [١]
- ١٨-