، يعرف بابن الافليلي: حدث عن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي بكتاب «النوادر» عن القالي، وكان متصدرا في العلم ببلده يقرأ عليه الأدب ويختلف إليه، وله كتاب شرح معاني شعر المتنبي حسن جيد.
قال الحميدي: وكان مع علمه بالنحو واللغة يتكلم في معاني الشعر وأقسام البلاغة والنقد لها، روى عنه جماعة. وحكي عنه باسناد له أنه قال: كان شيوخنا من أهل الأدب يتعالمون أنّ الحرف إذا كتب عليه صحّ- بصاد وحاء- أن ذلك علامة لصحة الحرف لئلا يتوهم متوهم عليه خللا ولا نقصا، فوضع حرف كامل على حرف صحيح، وإذا كان عليه صاد ممدودة دون حاء كان علامة على ان الحرف سقيم إذ وضع عليه حرف غير تام ليدلّ نقص الحرف على اختلال الحرف، ويسمى ذلك الحرف أيضا ضبة أي أن الحرف مقفل بها لم يتّجه لقراءة كما أن الضبة مقفل بها.
قال المؤلف: وهذا كلام عليه طلاوة من غير فائدة تامة، وإنما قصدوا بكتبهم على الحرف «صحّ» إن كان شاكّا في صحّة اللفظة، فلما صحّت له بالبحث خشي أن يعاوده الشكّ فكتب عليها «صح» ليزول شكّه فيما بعد ويعلم هو أنه لم يكتب عليها صح الا وقد انقضى اجتهاده في تصحيحها، وأما الضبّة التي صورتها (ص) فانما هو نصف «صح» كتبه على شيء فيه شكّ ليبحث عنه فيما يستأنفه، فإذا صحّت له أتمها
_________________
(١) - ترجمة ابن الافليلي في الجذوة: ١٤٢ وبغية الملتمس رقم: ٤٨٥ والصلة ١: ٩٣ والذخيرة لابن بسام ١/١: ٢٨١ وإنباه الرواة ١: ١٨٣ وابن خلكان ١: ٥١ والوافي ٦: ١١٤ وبغية الوعاة ١: ٤٢٦.
(٢) عند الزبيدي أنه توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.
[ ١ / ١٢٣ ]
بحاء فيصير صح، ولو علّم عليها بغير هذه العلامة لتكلّف الكشط وإعادة كتبة «صح» مكانها.
قال أبو مروان ابن حيان [١]: كان أبو القاسم المعروف بابن الإفليلي فريد أهل زمانه بقرطبة في علم اللسان العربي والضبط لغريب اللغة في ألفاظ الأشعار الجاهلية والاسلامية والمشاركة في بعض معانيها، وكان غيورا على ما يحمل من ذلك الفنّ كثير الحسد فيه راكبا رأسه في الخطأ البين إذا تقلده أو نشب فيه، يجادل عليه ولا يصرفه صارف عنه، وعدم علم العروض ومعرفته مع احتياجه إليه وإكمال صناعته به، ولم يكن له شروع فيه، وكان لحق الفتنة البربرية بقرطبة، ومضى الناس بين حائن وظاعن [٢]، فازدلف إلى الأمراء المتداولين بقرطبة من آل حمّود ومن تلاهم إلى أن نال الجاه، واستكتبه محمد بن عبد الرحمن المستكفي [٣] بعد ابن برد [٤] فوقع كلامه جانبا من البلاغة لأنه كان على طريقة المعلمين المتكلّفين، فلم يجر في أساليب الكتاب المطبوعين، فزهد فيه. وما بلغني أنه ألف في شيء من فنون المعرفة إلا كتابه في شعر المتنبي لا غير، ولحقته تهمة في دينه في أيام هشام المرواني [٥] في جملة من تتبع من الأطبّاء في وقته كابن عاصم والشبانسي [٦] والحمار [٧] وغيرهم، وطلب ابن الافليلي وسجن بالمطبق، ثم أطلق، وفيه يقول موسى بن الطائف [٨] من قصيدة:
_________________
(١) قارن بما جاء في الذخيرة.
(٢) قضت الفتنة البربرية على عمران قرطبة بين سنتي ٣٩٩- ٤٠٣ ولقي كثير من العلماء مصارعهم، كما ظعن عدد غير قليل منهم عن المدينة.
(٣) محمد بن عبد الرحمن المستكفي كان في غاية التخلف، بويع بالخلافة فأقام ستة عشر شهرا وأياما إلى أن خلع وهرب ومات مسموما سنة: ٤١٦.
(٤) يعني أبا حفص ابن برد الأصغر، وله ترجمة في الذخيرة ١/١: ٤٨٦ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
(٥) يعني هشام بن الحكم المستنصر الملقب بالمؤيد.
(٦) الشبانسي: هو قاسم بن محمد القرشي المرواني، ذكر ابن حزم أنه قرف وشهد عليه فسجن. الجذوة: ٣١٠ والبغية رقم: ١٢٩٦.
(٧) الحمار هو سعيد بن فتحون السرقسطي امتحن من قبل المنصور بن أبي عامر وسجن مدة، انظر الجذوة: ٢١٦ والبغية رقم: ٨١٣ وطبقات صاعد: ٦٨ والذيل والتكملة ٤: ٤٠.
(٨) موسى بن الطائف، كان شاعرا مشهورا أيام الحكم والمنصور بن أبي عامر، انظر الجذوة: ٣١٧ والبغية رقم: ١٣٢٥.
[ ١ / ١٢٤ ]
يا مبصرا عميت نواظر فهمه عن كنه عرضي في البديع وطولي
لو كنت تعقل ما جهلت مقاومي من ضاق فرسخه بخطوة ميلي
ولئن ثلبت الشعر وهو أباطل فلقد ثلبت حقائق التنزيل
وخلعت ربق الدين عنك منابذا ولبست ثوب الزيغ والتعطيل
فأقمت للجهال مثلك في الغبا علما مشيت أمامه برعيل
ومن المغايظ أن تكون مقلّدا علما ولو مقدار وزن فتيل
تعتلّ في الأمر الصحيح معاندا أبدا وفهمك علة المعلول
وتظن أنك من فنوني موسر وكثير شأنك لا يفي بقليلي
سيسلّ روحك من خبيث قراره تأثير هذا الصارم المصقول
وأخصّ سيف الدولة الملك الرضى ليعيد عقد رباطك المحلول
وأريك رأي العين أنك ذرّة عبثت بها منّي قوائم فيل
- ٣٥-