: الكاتب الأديب الفاضل، الشاعر الجواد المترسل، صاحب النظم الرائق والنثر الفائق، تولى الولايات الجليلة، ثم وزر للمعتمد على الله لما خرج من سرّ من رأى يريد مصر، ومات في سنة تسع وسبعين ومائتين وهو يتقلد للمعتضد ديوان الضياع ببغداد. وأصلهم من دستميسان، وكان يدّعي أنه من ضبّة. وأخوه أحمد [٢] من جلة [الكتاب] وأفاضلهم وكرامهم، وحسدته الكتاب على منزلته من السلطان فأغروه به حتى أخرجه إلى دمشق متوليا عليها وناظرا في تحصيل أموالها، وقتله ابن طولون في أمر قد ذكرته في كتابي التاريخ.
_________________
(١) - تجد بعض أخبار ابن المدبر في تاريخ الطبري (صفحات متفرقة)، وفي علاقاته بشعراء عصره، يمكن مراجعة ديوان البحتري وديوان ابن الرومي، وله أخبار منثورة في كتب الأدب، انظر نشوار المحاضرة ١: ٢٧٠- ٢٧٣ وله ترجمة في المقفى ١: ٣٠٩.
(٢) انظر المسالك والأنموذج: ٦٣.
(٣) تجد أخبارا لأحمد بن المدبر في وفيات الأعيان ٧: ٥٦ وخطط المقريزي ١: ٣١٤ والمغرب (قسم مصر) ١٢٣ وصفحات أخرى والنجوم الزاهرة ٣: ٤٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
وإبراهيم بن المدبر هو القائل في إبراهيم بن العباس الصولي يهجوه:
عزل الطويل عن الأزمّه لا ردّه ربّي بذمّه
إن كان طال فإنه من أقصر الثقلين همّه
هب كنت صولا نفسه من كان صول ناك أمّه
ومن شعره أيضا [١]:
يا كاشف الكرب بعد شدته ومنزل الغيث بعد ما قنطوا
لا تبل قلبي بشحط بينهم فالموت دان إذا هم شحطوا
من «كتاب نظم الجمان» للمنذري، قال العطوي الشاعر: أتيت إبراهيم بن المدبر فاستأذنت عليه فلم يأذن لي حاجبه، فأخذت ورقة وكتبت فيها:
أتيتك مشتاقا فلم أر جالسا ولا ناظرا إلّا بوجه قطوب
كأني غريم مقتض أو كأنني نهوض حبيب أو حضور رقيب
فسألت الحاجب حتى أوصلها إليه، فلما قرأها قال: ويحك أدخل عليّ هذا الرجل، فدخلت فأكرمني وقضى حوائجي.
قال أبو علي [٢]: سمعت أبا محمد المهلبي يتحدث وهو وزير في مجلس أنس أن رجلا كان ينادم بعض الكتاب الظراف، وأحسبه قال ابن المدبر، قال: كنت عنده ذات يوم فرجع غلام له أنفذه في شيء لا أدري ما هو، فقال له رب الدار: ما صنعت؟ فقال: ذهبت ولم يكن فقام ليجيء فجاء فلم يجىء فجئت، قال: فتبينت في ربّ الدار تغيّرا وهمّا، ولم يقل للغلام شيئا، فعجبت من ذلك، ثم أخذ بيدي وقال: قد ضيّق صدري ما جاء به هذا الغلام فقم حتى ندور في البستان الذي في دارنا ونتفرج فلعله يخفّ ما بي، فقلت: والله لقد توهمت أن صدرك قد ضاق بانقلاب كلام الغلام عليك، فأما وقد فهمته فهو ظريف، فقال: إن هذا الغلام من أحصف وأظرف غلام يكون، وذاك أنني ممتحن بعشق غلام أمرد، وهو ابن نجاد في جيراننا، والغلام يساعدني عليه، وأبوه يغار عليه ويمنعه مني، فوجّهت بهذا الغلام
_________________
(١) المقفى ١: ٣١٢.
(٢) يعني- في الأرجح- ابن مقلة.
[ ١ / ١٠٣ ]
وقلت له: إن لم يكن أبوه هناك فقل له يصير إلينا، فرجع، فلما رآك عندي ورآني احتشمك ردّ هذا الجواب الظريف الذي سمعته، فقلت: أعده عليّ أنت لأفهمه، فقال: إنه يقول ذهبت إلى الغلام ولم يكن أبوه هناك، فقام الغلام ليجيء، فجاء أبوه فلم يجىء الغلام، فجئت أنا. فقلت له: هذا الغلام يجب أن يكون أخا أو صديقا لا غلاما.
وقال مخلد بن علي الشامي الحوراني يهجو ابن المدبر:
على أبوابه من كلّ وجه قصدت له أخو مرّ بن أدّ
يعني ضبّة بن أد، يعني أبوابه مضببة باللؤم أو محكمة عن الخير، وكان ابن المدبّر ينسب إلى ضبة:
أخو لخم أعارك منه ثوبا هنيئا بالقميص لك الأجدّ
وأخو لخم يريد جذاما:
أبوك أراد أمك حين زفّت فلم توجد لأمّك بنت سعد
بنت سعد: يريد عذرة بن سعد بن هذيم القبيلة المعروفة.
وزبد في الهجاء بغير دال أحبّ إليك من عسل بزبد
رأيتك لا تحبّ الودّ إلا إذا ما كان من عصب وجلد
أراني الله عرّك في الجعبّى وعينك عين بشار بن برد
العر: الجرب، والجعبى الاست، وعين بشار يعني أعمى، لأن بشار بن برد كان أعمى.
- ٣٠-