اليزيدي أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي: قد ذكر السبب الذي من أجله سمي باليزيدي في خبر أبيه، وكان إبراهيم عالما بالأدب شاعرا مجيدا نادم الخلفاء، وقدم دمشق صحبة المأمون، كذا ذكر ابن عساكر في «تاريخ دمشق» . مات فيما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في «كتاب المنتظم» سنة خمس وعشرين ومائتين.
قال ابن عساكر: وكان قد سمع أباه أبا محمد اليزيدي وأبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري والأصمعي، روى عنه أخوه أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك وابنا أخيه أحمد وعبيد الله ابنا محمد بن أبي محمد.
قال الخطيب: وهو بصريّ سكن بغداد، وكان ذا قدر وفضل وحظّ وافر من الأدب، وله كتاب مصنّف يفتخر به اليزيديون وهو «ما اتفق لفظه واختلف معناه» نحو من سبعمائة ورقة، رواه عنه ابن أخيه عبيد الله بن محمد بن أبي محمد، وذكر إبراهيم أنه بدأ بعمله وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إلى أن أتت عليه ستون سنة. وله كتاب مصادر القرآن، قال ابن النديم [٣]: بلغ فيه إلى سورة الحديد
_________________
(١) - ترجمة إبراهيم اليزيدي في تاريخ بغداد ٦: ٢٠٩ والأغاني ٢٠: ٢١٧ ونور القبس: ٨٩ ومصورة ابن عساكر ٢: ٥٦٧ وتهذيبه ٢: ٣١١ وإنباه الرواة ١: ١٨٩ ونزهة الألباء: ١١٤ وطبقات الجزري ١: ٢٩ والوافي ٦: ١٦٥ وبغية الوعاة ١: ٤٣٤. والمقفى ١: ٣٣٢.
(٢) هو نور الظرف ونور الطرف.
(٣) هذه العبارة تستوقف النظر. فإذا كان عبد القادر هو صاحب الخزانة فهي جملة مزيدة ألحقها بعض المعلقين. وقد طبع الكتاب باسم «جمع الجواهر» .
(٤) الفهرست: ٥٦.
[ ١ / ١٦٠ ]
ومات. وكتاب في بناء الكعبة وأخبارها. وكتاب النقط والشكل. وله كتاب المقصور والممدود.
حدث ابن عساكر [١] في تاريخه بإسناد رفعه إلى إبراهيم بن أبي أحمد عن أبيه قال: كنت مع أبي عمرو بن العلاء في مجلس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵇، فسأل عن رجل من أصحابه فقده، فقال لبعض من حضره: اذهب فاسأل عنه، فرجع فقال: تركته يريد أن يموت، فضحك منه بعض القوم وقال: في الدنيا إنسان يريد أن يموت؟! فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها عربية إذ يريد هاهنا بمعنى يكاد قال الله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ
(الكهف: ٧٧) قال: فقال أبو عمرو بن العلاء: لا نزال بخير مادام فينا مثلك.
وحدث أيضا قال، قال إبراهيم اليزيدي: كنت يوما عند المأمون وليس معنا إلا المعتصم، قال: فذكر كلاما فلم أحتمله منه- يعني من المعتصم- وأجبته، قال:
فأخفى ذلك المأمون ولم يظهره ذلك الإظهار، فلما صرت من غد إلى المأمون كما كنت أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك، فدعوت بدواة وقرطاس فكتبت [٢]:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت منّي الكاس بعض ما كرهت وما إن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذ كنت عند خليفة وفي مجلس ما إن يليق به اللغو
ولولا حميّا الكاس كان احتمال ما بدهت به لا شكّ فيه هو السرو
تنصّلت من ذنبي تنصّل ضارع إلى من لديه [٣] يغفر العمد والسّهو
فإن تعف عني ألف [٤] خطوي واسعا وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
_________________
(١) نقل السيوطي هذه القصة في الأشباه والنظائر ٦: ١٨٩ عن ياقوت.
(٢) الأبيات في الأغاني وابن عساكر والوافي والإنباه ونور القبس والمقفى.
(٣) ابن عساكر: إليه.
(٤) م ر: تلف.
[ ١ / ١٦١ ]
قال: فأدخلها الحاجب ثم خرج إليّ فأدخلني، فمدّ المأمون باعيه فأكببت على يديه أقبلهما [١] فضمني إليه وأجلسني.
قال المرزباني: إن المأمون وقّع على ظهر هذه الأبيات:
إنما مجلس الندامى بساط للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا من حديث ولذة رفعوه
وحدث أبو الفرج الأصبهاني في كتابه [٢] ورفعه إلى إبراهيم بن اليزيدي قال:
كنت مع المأمون في بلد الروم، فبينا أنا أسير في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبي قبة إذ برقت بارقة [٣] فإذا في القبة عريب المغنية جارية المأمون، فقالت:
إبراهيم بن اليزيدي؟ فقلت: لبيك، فقالت: قل في هذا البرق أبياتا أغني فيها، فقلت:
ماذا بقلبي من أليم الخفق إذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردنّ أو دمشق لأنّ من أهوى بذاك الأفق
فارقته وهو أعزّ الخلق عليّ والزّور خلاف الحق
ذاك الذي يملك منّي رقّي ولست أبغي ما حييت عتقي
فتنفّست نفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمها، فقلت: ويحك على من هذا؟! فضحكت وقالت: على الوطن، فقلت: هيهات ليس هذا كله للوطن، فقالت:
ويحك أفتراك ظننت أنك تستفزني؟ والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها أكثر من ثلاثين رئيسا، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت.
ووجدت في بعض الكتب أن إبراهيم اليزيديّ دخل يوما على المأمون وعنده يحيى بن أكثم القاضي، فأقبل يحيى على إبراهيم يمازحه وهم على الشراب، فقال له فيما قال: ما بال المعلمين ينيكون الصبيان؟ فرفع إبراهيم رأسه فإذا المأمون يحرّض
_________________
(١) م وابن عساكر: فقبلتهما، وما هنا رواية ر.
(٢) الأغاني ٢٢: ٢١٧ ونقله ابن عساكر. والمقريزي.
(٣) ابن عساكر: برقة.
[ ١ / ١٦٢ ]
يحيى على العبث به، فغاظ ذلك إبراهيم، فقال: أمير المؤمنين أعلم خلق الله بهذا، فإن أبي أدبه، فقام المأمون من مجلسه مغضبا، ورفعت الملاهي وكلّ ما كان بحضرته. فأقبل يحيى بن أكثم على إبراهيم فقال له: أتدري ما خرج من رأسك؟
إني لأرى هذه الكلمة سببا في انقراضكم يا آل اليزيدي، قال إبراهيم: فزال عني السكر وسألت من أحضر لي دواة ورقعة فأحضرهما وكتبت إليه معتذرا بقولي:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع
الأبيات المتقدمة، قال: فرضي وعفا عنه.
قال إبراهيم [١]: وكنت يوما بحضرة المأمون فقالت لي عريب على سبيل الولع: يا سلعوس، قال: وكان من يريد العبث بإبراهيم لقبه سلعوس، قال إبراهيم: فقلت لها:
قل لعريب لا تكوني مسلعسه وكوني كتتريف وكوني كمؤنسه
هذه أسماء جواري المأمون، قال: فقال المأمون على الفور:
فإن كثرت منك الأقاويل لم يكن هنالك شكّ أنّ ذلك وسوسه
فقال إبراهيم: كذا والله يا أمير المؤمنين قدّرت، وإياه أردت، وعجبت من فطنة المأمون وذهنه.
- ٤٤-