قال علي بن أبي طالب ﵁ [١]: كفى بالعلم شرفا أنه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله، وكفى بالجهل خمولا أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه، فنظم بعض المحدثين ذلك فقال:
كفى شرفا للعلم دعواه جاهل ويفرح أن يدعى إليه وينسب
ويكفي خمولا بالجهالة أنني أراع متى أنسب إليها وأغضب
وقال ﵁: قيمة كل إنسان [٢] ما يحسن، فنظمه شاعر وقال [٣]:
لا يكون الفصيح مثل العييّ لا ولا ذو الذكاء مثل الغبيّ
قيمة المرء قدر ما يحسن المر ء قضاء من الإمام عليّ
وقال كرم الله وجهه [٤]: كلّ شيء يعزّ إذا نزر ما خلا العلم فإنه يعز إذا غزر.
ومرّ [٥] عمر بن الخطاب ﵁ على قوم يسيئون الرمي فقرّعهم فقالوا: إنا قوم
_________________
(١) المحاسن والمساوىء: ٣٩٩ وورد هنالك البيت الثاني المتصل بالخبر.
(٢) ر: امرىء.
(٣) قول علي ومعه البيتان في أدب الدنيا والدين: ٤٢ وورد البيتان منسوبين للخليل في قطعة طويلة في بهجة المجالس ١: ٦٥ وهما في جامع بيان العلم: ١٦٢ وكلمة عليّ في البيان والتبيين ١: ٨٣، ٢: ٧٧ والتذكرة الحمدونية ١: ٢٤١ وربيع الأبرار ٣: ١٩٢. وسترد الأبيات في ترجمة الخليل.
(٤) ورد القول دون نسبة في محاضرات الراغب ١: ٥١.
(٥) الخبر في محاضرات الراغب ١: ٦٧ (عن عثمان) .
[ ١ / ١٦ ]
متعلمين، فأعرض مغضبا وقال: والله لخطأكم في لسانكم أشدّ عليّ من خطأكم في رميكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رحم الله امرءا أصلح من لسانه» .
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما قرأ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
(الزخرف: ٧٧) أنكر عليه عبد الله بن عباس [١] فقال عليّ:
هذا من الترخيم في النداء، فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء، فقال علي: صدقت. فهذا يدل على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به.
استأذن رجل على إبراهيم النّخعيّ فقال: أبا عمران في الدار؟ فلم يجبه، فقال: أبي عمران في الدار؟ فناداه: قل الثالثة وادخل.
وكان الحسن بن أبي الحسن يعثر لسانه بشيء من اللحن فيقول: أستغفر الله، فقيل له فيه، فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءا وقال الله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
(النساء: ١١٠) .
وذكر أبو حيان في «كتاب محاضرات العلماء» حدثنا القاضي أبو حامد أحمد بن بشر [٢] قال: كان الفراء يوما عند محمد بن الحسن، فتذاكروا في الفقه والنحو، ففضّل الفراء النحو على الفقه، وفضّل محمد بن الحسن الفقه على النحو، حتى قال الفراء: قلّ رجل أنعم النظر في العربية وأراد علما غيره إلّا سهل عليه، فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية وأسألك عن باب من الفقه، فقال:
هات على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقول في رجل صلّى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو فسها فيهما؟ فتفكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: لم؟ قال: لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدة السهو تمام الصلاة وليس للتمام تمام، فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أن آدميا يلد مثلك.
_________________
(١) في ر عند ذكر علي يرد «﵇» وعند ذكر ابن عباس هنا: ﵁.
(٢) هو أحمد بن عامر بن بشر المروروذي (٣٦٢) أستاذ التوحيدي الذي يكثر النقل عنه في كتبه وبخاصة البصائر والذخائر (ابن خلكان ١: ٦٩ والتخريج) وكتاب المحاضرات مما لم يصلنا من كتب أبي حيان.
[ ١ / ١٧ ]
وحكي عن بعض الفقهاء أنه كان يقول: حبّ من الناس حبّ من الله، وما صلح دين إلا بحياء، ولا حياء الا بعقل، وما صلح حياء ولا دين ولا عقل إلا بأدب.
وأنشد أبو الفضل الرياشي [١]:
طلبت يوما مثلا سائرا فكنت في الشعر له ناظما
لا خير في المرء إذا ما غدا لا طالب العلم ولا عالما
وفي الخبر [٢]: ارحموا ثلاثة: عزيز قوم ذلّ، وغنيّ قوم افتقر، وعالما يلعب الجهال بعلمه؛ فنظمه شاعر فقال:
إني من النفر الثلاثة حقّهم أن يرحموا لحوادث الأزمان
مثر أقلّ وعالم مستجهل وعزيز قوم ذلّ للحدثان
ويقال: فقدان الأديب الطبع كفقدان ذي النجدة السلاح، ولا محصول لأحدهما دون الآخر. وقال [٣]:
نعم عون الفتى إذا طلب العلم ورام الآداب صحة طبع
فإذا الطبع فاته بطل السعي وصار العناء في غير نفع
ومما يقارب ذلك قول بعضهم [٤]:
من كان ذا عقل ولم يك ذا غنى يكون كذي رجل وليس له نعل
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى يكون كذي نعل وليس له رجل
_________________
(١) العقد ٢: ٢١٥ (أربعة أبيات) .
(٢) ورد في مسند الشهاب (رقم: ٤٨٦ ص: ٤٢٨): ارحموا ثلاثة وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ١: ٢٣٦ وانظر محاضرات الراغب ١: ٤٤ وأدب الدنيا والدين: ٧٦ يقوله الرسول حين قابلته ابنة حاتم.
(٣) ورد البيتان في روضة العقلاء: ٣٩.
(٤) ورد البيتان في روضة العقلاء: ٢٣.
[ ١ / ١٨ ]
وقال آخر:
أرى العلم نورا والتأدب حلية فخذ منهما في رغبة بنصيب
وليس يتمّ العلم في الناس للفتى إذا لم يكن في علمه بأديب
وأنشد أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني [١]:
إنّ الجواهر درّها ونضارها هنّ الفداء لجوهر الآداب
فإذا اكتنزت أو ادّخرت ذخيرة تسمو بزينتها على الأصحاب
فعليك بالأدب المزيّن أهله كيما تفوز ببهجة وثواب
فلربّ ذي مال تراه مبعدا كالكلب ينبح من وراء حجاب
وترى الأديب وإن دهته خصاصة لا يستخفّ به لدى الأتراب
وقال آخر [٢]:
ما وهب الله لامرىء هبة أحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى وإن فقدا ففقده للحياة أجمل به
وحدث أبو صالح الهروي قال: كان عبد الله بن المبارك يقول: أنفقت في الحديث أربعين ألفا، وفي الأدب ستين ألفا وليت ما أنفقته في الحديث أنفقته في الأدب، قيل له: كيف؟ قال: لأنّ النصارى كفروا بتشديدة واحدة خففوها، قال تعالى يا عيسى إني ولّدتك من عذراء بتول، فقال النصارى ولدتك [٣] .
شاعر [٤]:
ولم أر عقلا صحّ إلّا بشيمة ولم أر علما صحّ إلّا على أدب
_________________
(١) في م: سهل بن يحيى، وصوبناه اعتمادا على ما ورد في المصادر في ترجمته، انظر إنباه الرواة ٢: ٥٨ (وفي الحاشية ذكر لمصادر كثيرة) . وسيترجم له ياقوت رقم: ٥٧٦.
(٢) البيتان في عين الأدب والسياسة: ١٢٦.
(٣) انظر روضة العقلاء: ٢٢١- ٢٢٢ حيث ورد جانب من هذه القصة مرويا عن الأصمعي.
(٤) البيت في ربيع الأبرار ٣: ٢٦١ وروضة العقلاء: ٢٢٢.
[ ١ / ١٩ ]
وقال آخر [١]:
لكلّ شيء حسن زينة وزينة العالم حسن الأدب
قد يشرف المرء بآدابه فينا وإن كان وضيع النسب
وقال آخر:
من كان مفتخرا بالمال والنسب فإنما فخرنا بالعلم والأدب
لا خير في رجل حرّ بلا أدب لا لا وإن كان منسوبا إلى العرب
قالوا [٢]: والفرق بين الأديب والعالم أن الأديب من يأخذ من كلّ شيء أحسنه فيألفه، والعالم من يقصد لفنّ من العلم فيعتمله [٣]، ولذلك قال علي كرّم الله وجهه [٤]: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كلّ شيء أحسنه.
شاعر:
ذخائر المال لا تبقى على أحد والعلم تذخره يبقى على الأبد
والمرء يبلغ بالآداب منزلة يذلّ فيها له ذو المال والعقد
وحدث سفيان، قال سمعت الخليل بن أحمد يقول: إذا أردت أن تعلم العلم لنفسك فاجمع من كلّ شيء شيئا، وإذا أردت أن تكون رأسا في العلم فعليك بطريق واحد، ولذلك قال الشعبي: ما غلبني إلا ذو فنّ.
شاعر:
لا فقر أكبر من فقر بلا أدب ليس اليسار بجمع المال والنّشب
ما المال إلا جزازات ملفّقة فيها عيون من الأشعار والخطب
ويقال: من أراد السيادة فعليه بأربع، العلم والأدب والعفة والأمانة.
_________________
(١) البيتان في غرر الخصائص: ١٤٤.
(٢) محاضرات الراغب ١: ٥١.
(٣) في ر: فيقتله، دون إعجام.
(٤) محاضرات الراغب ١: ٥١ (دون نسبة) .
[ ١ / ٢٠ ]
شاعر [١]:
كم من خسيس وضيع القدر ليس له في العزّ أصل ولا ينمى إلى حسب
قد صار بالأدب المحمود ذا شرف عال وذا حسب محض وذا نشب
وقال بزرجمهر [٢]: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعا، وبعد صوته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرا.
ويقال [٣]: عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر، ومؤنس في الحضر، وجليس في الوحدة، وجمال في المحافل، وسبب إلى طلب الحاجة.
ويقال [٤]: مروءتان ظاهرتان: الفصاحة والرياش.
وكلم شبيب بن شيبة رجلا من قريش فلم يحمد أدبه وقال [٥] .
وكم من ماجد أضحى عديما له حسن وليس له بيان
وما حسن الرجال لهم بزين إذا لم يسعد الحسن اللسان
وقال أبو نواس: ما استكثر أحد من شيء إلّا ملّه وثقل عليه، إلا الأدب فإنه كلما استكثر منه كان أشهى له وأخفّ عليه.
وقال: الشّره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة.
ويقال: الأديب نسيب الأديب، قال أبو تمام [٦]:
إن يكد مطّرف الإخاء فإننا نسري ونغدو في إخاء تالد
_________________
(١) ورد البيتان في غرر الخصائص: ١٤٥.
(٢) قول بزرجمهر في غرر الخصائص: ١٤٤ وهو دون نسبة في لباب الآداب: ٢٣٣ وفي عين الأدب والسياسة: ١٢٧.
(٣) قريب من هذا قول شبيب بن شيبة: اطلبوا الأدب فإنه عون على المروءة وزيادة في العقل وصاحب في الغربة وحلية في المجالس (بهجة المجالس ١: ١١٢) وعين الأدب والسياسية: ١٢٣ وقارن بروضة العقلاء: ٢٢٠.
(٤) البيان والتبيين ١: ٢٩٦ وعيون الأخبار ١: ٢٩٦ ونثر الدر ٣: ٢٥ والامتاع والمؤانسة ٢: ١٤٩ وشرح النهج ١٨: ١٢٩ ومحاضرات الراغب ٢: ٣٦٥ والتذكرة الحمدونية ١: ٢٥٤.
(٥) ورد الثاني في أدب الدنيا والدين: ٢٦٦ ومعه بيتان آخران. وكذلك في عين الأدب والسياسة: ١٢٢.
(٦) ديوان أبي تمام ١: ٤٠٧.
[ ١ / ٢١ ]
أو نفترق نسبا يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدّر من غمام بارد [١]
وقال ابن السكيت: خذ من الأدب ما يتعلق بالقلوب وتشتهيه الآذان، وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من أخبار الناس وأقاويلهم وأحاديثهم ولا تولعنّ بالغثّ منها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل: كيف شهوتك للأدب؟ فقال أسمع الحرف منه لم أسمعه فتودّ أعضائي أنّ لها أسماعا تتنعم مثل ما تنعمت الآذان؛ قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلّة ولدها وليس لها غيره؛ قيل:
وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال.
وقال الأصمعي، قال لي أعرابي: ما حرفتك؟ قلت: الأدب، قال: نعم الشيء، فعليك به فإنه ينزل المملوك في حد الملوك.
وقال أرسطاطاليس: ليت شعري أيش [٢] فات من أدرك الأدب، وأي شيء أدرك من فاته الأدب.
وقال البحتري [٣]:
رأيت القعود على الإقتصاد قنوعا به ذلة في العباد
وعزّ بذي أدب أن يضيق بعيشته وسع هذي البلاد
إذا ما الأديب ارتضى بالخمول فما الحظّ في الأدب المستفاد
وقال عمر ﵁ [٤]: تعلموا العربية فإنها تثّبت العقل، وتزيد في المروءة.
وقال عبد الملك: ما الناس إلى شيء من العلوم أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتحاورون الكلام، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من
_________________
(١) الديوان: واحد.
(٢) ر: أي شيء.
(٣) لم أجدها في ديوانه.
(٤) نور القبس: ٢.
[ ١ / ٢٢ ]
مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها. إن الكلام قاض يجمع بين الخصوم، وضياء يجلو الظلام، وحاجة الناس إلى موادّه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية.
وقال الزهري [١] ما أحدث الناس مروءة أحبّ إليّ من تعلم النحو.
وقال شاعر يصف النحو:
اقتبس النحو ونعم المقتبس والنحو زين وجمال ملتمس
صاحبه مكرّم حيث جلس من فاته فقد تعمّى وانتكس
كأنما فيه من العيّ خرس شتّان ما بين الحمار والفرس
وقال آخر:
لولاكم كان يلقى كلّ ذي خطل للنحو مدعيا بين النحارير
لم لا أشدّ على من لا يقوم بها من وقعة السّمر والبيض المآثير
قرع رجل على الحسن البصري الباب وقال: يا أبو سعيد فلم يجبه، فقال:
أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل.
وحدث النضر بن شميل قال، أخبرنا الخليل بن أحمد قال: سمعت أيوب السختياني [٢] يحدّث بحديث فلحن فيه، فقال: استغفر الله، يعني أنه عد اللحن ذنبا.
وكان ابن سيرين يسمع الحديث ملحونا فيحدث به على لحنه، وبلغ ذلك الأعمش فقال: إن كان ابن سيرين يلحن فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن فقوّمه.
قال [٣]: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ، ووجد في كتاب عامل له لحنا فأحضره وضربه درة واحدة.
ودخل [٤] أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال: العجب يلحنون ويربحون.
وكان معاوية بن بجير عامل البصرة لا يلحن فمات بجير بالبصرة ومعاوية بفارس خليفة أبيه، فقال الفيج [٥] الذي جاء بنعيه مات بجيرا، فقال له لحنت لا أم لك، فقال
_________________
(١) بهجة المجالس ١: ٦٥ ونسب القول لابن سلام.
(٢) م: السجستاني.
(٣) انظر بهجة المجالس ١: ٦٤ والخبر فيه عن ابن عمر.
(٤) نور القبس: ٣ وعيون الأخبار ٢: ١٥٩ وتتمته: «ونحن لا نلحن ولا نربح» .
(٥) الفيج: الرسول أو عامل البريد.
[ ١ / ٢٣ ]
أخوه عبد الله بن بجير:
ألم تر أنّ خير بني بجير معاوية المحقق ما ظننتا
أتاه مخبر ينعى بجيرا علانية فقال له لحنتا
وقال الجاحظ: عيوب المنطق التصحيف وسوء التأويل والخطأ في الترجمة، فالتصحيف يكون من وجوه من التخفيف والتثقيل ومن قبل الإعراب ومن تشابه صور الحروف، وسوء التأويل من الأسماء المتواطئة أي أنك تجد اسما لمعان فتتأول على غير المراد، وكذلك سوء الترجمة. واعلم أنّ مذاكرة العلم عون على أدائه وزيادة في الفهم، ولا بد للعالم من جهل أي أن يجهل كثيرا مما يسأل عنه، إما لأنه ما سمعه أو نسيه. وقد قال بعض الفرس: ليس يحسن الأشياء كلّها إنسان، ولكن يحسن كلّ إنسان شيئا.
ومن الأدب قول القائل:
إذا ما روى الراوي حديثا فلا تقل سمعنا بهذا قبل أن يتتمما
ولكن تسمّع للحديث موهّما بأنك لم تسمعه فيما تقدّما
وقال الأصمعي: من حق من يقبسك علما أن ترويه عنه.
قال أبو عمرو ابن العلاء: إنما سمي النحويّ نحويا لأنه يحرّف الكلام إلى وجوه الإعراب، واللحن مخالفة الاعراب.
واللحن على جهة أخرى أن يكلّم الرجل صاحبه بالكلام يعرفانه بينهما ولا يعرفه سواهما.
وأنشد الكلبيّ لمالك ابن أسماء [١]:
منطق صائب وتلحن أحيا نا وخير الحديث ما كان لحنا
أمغطّى مني على بصري بالحبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذّه هو ممّا ينعت الناعتون يوزن وزنا
وقد روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان لحنا أي فطنا.
_________________
(١) العقد ٢: ٤٨٠ والبيان والتبيين ١: ١٤٧، ١: ٢٢٨.
[ ١ / ٢٤ ]
وفي حديث أبي الزناد أن رجلا قرأ عند رسول الله ﷺ فلحن، فقال رسول الله ﷺ: أرشدوا صاحبكم.
وحدث أبو العيناء عن وهب بن جرير أنه قال لفتى من باهلة: يا بني اطلب النحو فإنك لن تعلم منه بابا إلّا تدرّعت من الجمال سربالا.
وفي حديث سعيد بن العاص [١] قال قال رسول الله ﷺ: ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن.
وعن ابن شهاب أنه قال: ما أحدث الناس مروءة أعجب إليّ من تعلّم الفصاحة.
وحدث يحيى بن عتيق قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته، قال: حسن يا بني، فتعلمها فإنّ الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها.
وعن سعيد بن سلم قال: دخلت على الرشيد فبهرني هيبة وجمالا فلما لحن خفّ في عيني.
وعن الشعبي قال [٢]: حلي الرجال العربية وحلي النساء الشحم.
وحدث التاريخي بإسناد [٣] رفعه إلى سلم [٤] بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة الأكبر قال: فجرى الحديث حتى ذكر العربية فقال: والله ما استوى رجلان دينهما واحد وحسبهما واحد ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن، إن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن، قال فقلت: أصلح الله الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الأخرة ما باله فضّل فيها؟ قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قلت: صدق الأمير وبرّ.
_________________
(١) بهجة المجالس ١: ١٠٩.
(٢) عيون الأخبار ٢: ١٥٧ (لابن سيرين) وروضة العقلاء: ٢١٩ (لابن شبرمة) .
(٣) روضة العقلاء: ٢٢٠.
(٤) سلم: لم ترد في م.
[ ١ / ٢٥ ]
وحدث عن أبي توبة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال [١]: تكلم أبو جعفر المنصور في مجلس فيه أعرابيّ فلحن، فصرّ الأعرابي أذنيه، فلحن مرة أخرى أعظم من الأولى، فقال الأعرابي: أفّ لهذا ما هذا؟ ثم تكلم فلحن الثالثة، فقال الأعرابي. أشهد لقد وليت هذا الأمر بقضاء وقدر.
وحدث بإسناد رفعه إلى الواقدي قال: صلى رجل من آل الزبير خلف أبي جعفر المنصور وقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
(التكاثر: ١) فلحن في موضعين، قال: فلما سلم التفت الزبيري إلى رجل كان إلى جانبه فقال له: ما كان أهون هذا القرشيّ على أمله.
وقال بعض الشعراء [٢]:
النحو يبسط من لسان الألكن والمرء نعظمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلّها فأجلّها عندي مقيم الألسن
وقال آخر [٣]:
إما تريني وأثوابي مقاربة ليست بخزّ ولا من حرّ كتّان
فإنّ في المجد همّاتي وفي لغتي علويّة ولساني غير لحان
وحدث قال [٤]: قدم طاهر بن الحسين والعباس بن محمد بن موسى على الكوفة، فرادّه طساسيج من سوادها، فوجّه العباس كاتبه إليه، فلما دخل على طاهر قال له: أخيك أبي موسى يقرأ عليك السلام، قال: وما أنت منه؟ قال: كاتبه الذي يطعمه الخبز، قال: نعم عليّ بعيسى بن عبد الرحمن، قال: فجاء- وكان عيسى كاتب طاهر- فقال: اكتب وأنت قائم بصرف العباس بن محمد بن موسى عن
_________________
(١) ورد الخبر بإيجاز في عيون الأخبار ٢: ١٦٠.
(٢) عيون الأخبار ٢: ١٥٧ والعقد ٢: ٤٧٩ وبهجة المجالس: ١: ٦٦ والكامل للمبرد ١: ٢٤٨ وزهر الآداب: ٧٢٠ لإسحاق بن خلف البهراني وغرر الخصائص: ١٧٢ وعين الأدب والسياسة: ١٢٣ لبزرجمهر.
(٣) البيان والتبيين ١: ١٦٧ والمحاسن والمساوىء: ٤٢٦ وغرر الخصائص: ١٨٦ وعين الأدب والسياسة:
(٤) ١٢٣.
(٥) الخبر في كتاب بغداد: ٧٣.
[ ١ / ٢٦ ]
الكوفة إذ لم يتخذ كاتبا يحسن الأداء عنه.
وحدث في ما أسنده إلى الضحاك بن زمل السكسكي، وكان من أصحاب المنصور، قال [١]: كنا مع سليمان بن عبد الملك بدابق إذ قام إليه الشحاج الأزدي الموصلي فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أبينا هلك وترك مال كثير، فوثب أخانا على مال أبانا فأخذه، فقال سليمان: فلا رحم الله أباك ولا نيّح عظام أخيك [٢]، ولا بارك الله لك فيما ورثت، أخرجوا هذا اللحّان عني، فأخذ بيده بعض الشاكرية [٣] وقال: قم فقد آذيت أمير المؤمنين، فقال: وهذا العاضّ بظر أمه اسحبوا برجله.
وحدث قال، قال رجل للحسن [٤]: يا أبا سعيد ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ فقال له الحسن: ترك أباه وأخاه، فقال له: فما لأباه وأخاه فقال له الحسن: إنما هو فما لأبيه وأخيه، قال يقول الرجل للحسن: يا أبا سعيد ما أشدّ خلافك عليّ، قال: أنت أشدّ خلافا عليّ أدعوك إلى الصواب وتدعوني إلى الخطأ.
وحدث فيما رفعه عبد الله بن المبارك قال [٥]: بعث الحجاج إلى والي البصرة أن اختر لي عشرة ممن عندك فاختار رجالا منهم كثير بن أبي كثير، قال: وكان رجلا عربيا، قال كثير: وقلت في نفسي لا أفلت من الحجاج إلا باللحن، قال: فلما دخلنا عليه دعاني ما اسمك؟ قلت: كثير قال: ابن من؟ فقلت في نفسي: إن قلتها بالواو لم آمن أن يتجاوزها قال قلت: أنا ابن أبا كثير، فقال عليك لعنة الله وعلى من بعث بك، جؤوا [٦] في قفاه، قال: فأخرجت.
وحدث في ما أسنده إلى الأصمعي قال [٧]: سمعت مولى لعمر بن الخطاب
_________________
(١) نور القبس: ٣ وعيون الأخبار ٢: ١٥٩ والبيان والتبيين ٢: ٢٢٢ ومحاضرات الراغب ١: ٦٧ وصبح الأعشى ١: ١٦٩ (وهو في أكثر المصادر متصل بزياد بن أبي سفيان) والمحاسن والأضداد: ٦ ومصورة ابن عساكر ٨: ٤٠١.
(٢) أي لا صلبها ولا شدّ منها.
(٣) الشاكرية: الخدم.
(٤) قارن بالعقد ٢: ٤٨١ (والقول موجه لشريح) .
(٥) زهر الآداب: ٩٠٦.
(٦) جؤوا فعل أمر من «وجأ» .
(٧) عيون الأخبار ٢: ١٥٥ والمحاسن والأضداد: ٨٥.
[ ١ / ٢٧ ]
يقول: أخذ عبد الملك بن مروان رجلا كان يرى رأي الخوارج، رأي شبيب، فقال له: ألست القائل:
ومنا سويد والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب
قال: إنما قلت أمير المؤمنين أي يا أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيله.
قال التاريخي: حدثنا أبو بكر الدولابي حدثنا أبو مسهر قال: سألت سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن حديث إذا سمعته ملحونا فقال: اللحن يفسد الحديث، وذلك أنه يغيّر معناه، ولم يلف أحد من العلماء إلا مقوّم اللسان.
قال [١]: وقد كان عمر بن عبد العزيز أشدّ الناس في اللحن على ولده وخاصته ورعيته وربما أدّب عليه.
قال وقال نافع مولى ابن عمر [٢]: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن كما يضربهم على تعليم القرآن.
وحدث في ما أسنده إلى شريك عن جابر قال: قلت للشعبي أسمع الحديث بغير إعراب فأعربه؟ قال: نعم لا بأس به.
قال: قال حماد بن سلمة [٣]: مثل الذي يكتب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها.
وروي عن الشعبي أنه قال: لأن أقرأ وأسقط أحبّ إلي من أن أقرأ وألحن.
وقال محمد بن الليث [٤]: النحو في الأدب كالملح في الطعام فكما لا يطيب الطعام إلا بالملح لا يصلح الأدب إلّا بالنحو.
وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: تعلموا العلم شهرا والأدب شهرين.
وقال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا من ألسنتكم فإن الرجل تنوبه النائبة يحتاج أن يتجمل فيها فيستعير من أخيه دابة ومن صديقه ثوبا ولا يجد من يعيره لسانا.
_________________
(١) نور القبس: ٣.
(٢) يروى هذا عن عمر نفسه ﵁.
(٣) التذكرة الحمدونية ٢: ١٦٢ وروضة العقلاء: ٢٢٣.
(٤) قارن بعيون الأخبار ٢: ١٥٧.
[ ١ / ٢٨ ]
لما قال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول
فقال الحاضرون: أعزّ وأطول من ماذا؟ فتفكر الفرزدق فوافق ذلك قول المؤذن في الأذان: الله أكبر، فرفع الفرزدق رأسه فقال: يا فلان أكبر من ماذا؟
وقال الخطفى جد جرير [١]:
عجبت لإزراء العييّ بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعييّ وإنما صحيفة لبّ المرء ان يتكلما
وحدّث عن الأصمعي أنه قال [٢]: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، لأنه لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت عليه.
_________________
(١) في الأصل: جد الفرزدق، وانظر البيان والتبيين ١: ٢٢٠ (والحاشية) واللسان (خطف) وعيون الأخبار ١: ١٧٥، ٢: ٢٧٥ والعقد ٢: ٢٦٦ وبهجة المجالس ١: ٦٢ وتاريخ بغداد ١٤: ٢٤٨ (دون نسبة) ونسب البيتان في الموشى: ٩ للخطفى بن بدر.
(٢) روضة العقلاء: ٢٢٣.
[ ١ / ٢٩ ]