بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وبه الإعانة الحمد لله ذي القدرة القاهرة، والآيات الباهرة، والآلاء الظاهرة، والنّعم المتظاهرة، حمدا يؤذن بمزيد نعمه، ويكون حصنا مانعا من نقمه، وصلّى الله على خير الأولين والآخرين من النبيين والصدّيقين، محمد النبي، والرسول الأمّي، ذي الشرف العليّ، والخلق السنيّ، والكرم المرضيّ، وعلى آله الكرام، وأتباعه سرج الظلام، وشرّف وعظم وبجّل وكرم.
وبعد فما زلت منذ غذيت بغرام الأدب، وألهمت حبّ العلم والطلب، مشغوفا بأخبار العلماء، متطلعا إلى أنباء الأدباء، أسائل عن أحوالهم، وأبحث عن نكت أقوالهم بحث المغرم الصبّ، والمحبّ عن الحبّ، وأطوف على مصنّف فيهم يشفي الغليل، ويداوي لوعة العليل، فما وجدت في ذلك تصنيفا شافيا، ولا تأليفا كافيا؛ مع أنّ جماعة من العماء، والأئمة القدماء [١]، أعطوا ذلك نصيبا من عنايتهم وافرا، فلم يكن عن صبح الكفاية سافرا، كأبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي [٢]، وأرى أنه أول من أعارهم طرفه، وسوّد في تبييض أخبارهم صحفه، لأنه قال في مقدمة كتابه: «وقد اجتهد أبو العباس محمد بن مبرد الأزدي وأبو العباس أحمد بن يحيى
_________________
(١) زاد في طبعة دار المأمون: أصحاب كتب التراجم.
(٢) محمد بن عبد الملك السراج التاريخي النحوي، أخذ عن المبرد وثعلب، وكان فاضلا متقنا حسن الأخبار، وله كتاب تاريخ النحويين (تاريخ بغداد ٢: ٣٤٨ والوافي ٥: ٤٥- ٤٦) . ترجم له ياقوت، ولكن سقطت ترجمته.
[ ١ / ٥ ]
الشيباني في مثل ما أودعناه كتابنا من أخبار النحويين فما وقعا ولا طارا»، هذا مع أن كتابه صغير الحجم قليل التراجم محشوّ بالنوادر التي رووها، لا يختصّ بأخبارهم أنفسهم.
ثم ألف بعده في هذا الأسلوب أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه كتابا فلم يقع إلينا إلا أننا نظنه كذلك.
ثم صنّف فيه أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني كتابا حفيلا كبيرا [١] على عادته في تصانيفه، إلا أنه حشاه بما رووه وملأه بما وعوه، فينبغي أن يسمّى مسند النحويين. وقد وقفت على هذا الكتاب وهو تسعة عشر مجلدا، ونقلت فوائده إلى هذا الكتاب مع أنه أيضا قليل التراجم بالنسبة إلى كبر حجمه.
ثم ألف فيه أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي القاضي كتابا صغيرا في نحاة البصرة [٢] نقلنا أيضا فوائده إلى هذا الكتاب.
ثم جمع في ذلك أبو بكر محمد بن حسن الاشبيلي الزبيدي كتابا [٣] لم يقصّر فيه، وهو أكثر هذه الكتب فوائد، وأكثرها تراجم وفرائد، وقد نقلنا فوائده أيضا إلى هذا الكتاب.
ثم ألف فيه القاضي أبو المحاسن المفضل بن محمد بن مسعر المعري كتابا لطيفا [٤] نقلنا فوائده.
ثم ألف فيه علي بن فضال المجاشعي [٥] كتابا وسماه «شجرة الذهب في أخبار أهل الأدب» وقع إليّ منه شيء فوجدته كثير التراجم إلا أنه قليل الفائدة لكونه لا يعتني
_________________
(١) هو كتاب المقتبس، ولم يصلنا إلا في صورة موجزة باسم نور القبس، حققه رودلف زلهايم، فيسبادن ١٩٦٤.
(٢) نشر بعنوان أخبار النحويين البصريين بتحقيق طه محمد الزيني وعبد المنعم خفاجي، القاهرة ١٩٥٥.
(٣) طبقات النحويين واللغويين تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة ١٩٧٣ (الطبعة الثانية وهي أكثر دقة من الأولى) .
(٤) تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، المملكة العربية السعودية ١٩٨١.
(٥) علي بن فضال المجاشعي: قيرواني الأصل هاجر موطنه وجال في الأرض ثم خدم نظام الملك بالعراق، وتوفي سنة ٤٧٩ وسيترجم له ياقوت.
[ ١ / ٦ ]
بالأخبار ولا يعبأ بالوفيات والأعمار.
ثم ألف فيه الكمال عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري كتابا سماه «نزهة الألباء في أخبار الأدباء» [١] نقلنا فوائده أيضا.
وكنت مع ذلك أقول للنفس مماطلا، وللهمة معاضلا، ربّ غيث غبّ البارقة، ومغيث تحت الخافقة [٢]، إلى أن هزم اليأس الطمع، واستولى الجدّ على اللعب والولع، وعلمت أنه طريق لم يسلك، ونفيس لم يملك، فاستخرت الله الكريم، واستنجدت بحوله العظيم، وجمعت [٣] في هذا الكتاب ما وقع إليّ من أخبار النحويين، واللغويين، والنسابين، والقراء المشهورين، والأخباريين، والمؤرخين، والوارقين المعروفين، والكتاب المشهورين، وأصحاب الرسائل المدوّنة، وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة، وكلّ من صنّف في الأدب تصنيفا، أو جمع في فنه تأليفا، مع إيثار الاختصار، والإعجاز في نهاية الإيجاز. ولم آل جهدا في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم، ومستحسن أخبارهم، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم.
فأما من لقيته أو لقيت من لقيه فأورد [٤] لك من أخباره وحقائق أموره ما لا أترك لك بعده تشوفا إلى شيء [٥] من خبره، وأما من تقدّم زمانه، وبعد أوانه، فأورد [٦] من خبره ما أدّت الاستطاعة إليه، ووقفني النقل عليه، في تردادي إلى البلاد، ومخالطتي للعباد. وحذفت الأسانيد إلا ما قلّ رجاله، وقرب مناله، مع الاستطاعة لإثباتها سماعا وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر [٧] النفع، وأثبتّ مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعوّل في هذا الشأن عليهم، والمرجوع في صحة النقل إليهم.
_________________
(١) طبع غير مرة، ونعتمد هنا على طبعة عراقية بتحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي ١٩٥٥.
(٢) الخافقة صفة للراية.
(٣) انظر تاريخ اربل: ٣٢٠- ٣٢٢.
(٤) ر: فسأورد.
(٥) ر: أترك لنفسك بعده أن تشوف لشيء.
(٦) ر: فإني أورد.
(٧) ر: وكثر.
[ ١ / ٧ ]
وكنت قد شرعت عند شروعي في هذا الكتاب، أو قبله، في جميع كتاب في «أخبار الشعراء» المتأخرين والقدماء. ونسجتها على هذا المنول، وسبكتها على هذا المثال في الترتيب، والوضع والتبويب، فرأيت أكثر أهل العلم المتأدبين، والكبراء المتصدرين، لا تخلو قرائحهم من نظم شعر، وسبك نثر، فأودعت ذلك الكتاب كلّ من غلب عليه الشعر فدوّن ديوانه، وشاع بذلك ذكره وشانه، ولم يشتهر برواية الكتب وتأليفها، والآداب وتصنيفها. وأما [١] من عرف بالتصنيف، واشتهر بالتأليف، وصحّت روايته، وشاعت درايته، وقلّ شعره، وكثر نثره، فهذا الكتاب عشّه ووكره، وفيه يكون ثناؤه وذكره، واجتزىء به عن التكرار هناك، إلا النفر اليسير الذين دعت الضرورة إليهم، ودلّت [٢] عنايتهم بالصناعتين عليهم. ففي هذين الكتابين أكثر أخبار الأدباء، من العلماء والشعراء. وقصدت بترك التكرار، خفّة محمله في الأسفار، وحيازة ما أهواه من هذا النشوار.
وجعلت ترتيبه على حروف المعجم: أذكر أوّلا من أوّل اسمه ألف، ثم من أول اسمه باء ثم تاء ثم ثاء إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في أول حرف من الاسم وثانيه وثالثه ورابعه، فأبدأ بذكر من اسمه آدم، ألا ترى أن أوّل اسمه همزة ثم ألف، ثم من اسمه إبراهيم لأن أول اسمه ألف وبعد الألف باء، ثم كذلك إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في الآباء أيضا فاعتبره، فإنك إذا أردت الاسم تجد له موضعا واحدا لا يتقدم عليه [٣] ولا يتأخر عنه اللهم إلا أن تتفق أسماء عدة رجال وأسماء آبائهم فإن ذلك مما لا حصر فيه إلا بالوفاة، فإني أقدّم من تقدّمت وفاته على من تأخّرت.
وأفردت في آخر كلّ حرف فصلا أذكر فيه من اشتهر بلقبه أو نسبه أو كنيته وخفي عن أكثر الناس اسمه فأذكر من لقبه [٤] على ذلك الحرف، من غير أن أورد شيئا من أخباره فيه، إنما أدلّ على اسمه واسم أبيه لتطلبه [٥] في موضعه.
ولم أقصد أدباء قطر، ولا علماء عصر، ولا إقليم معيّن، ولا بلد مبيّن، بل
_________________
(١) ر: فأما.
(٢) م ر: ودلنا.
(٣) ر: يتقدم عنه.
(٤) أو نسبه من لقبه: سقط من م.
(٥) ر: ليطلبه.
[ ١ / ٨ ]
جمعت البصريين والكوفيين والبغداديين والخراسانيين والحجازيين واليمنيين والمصريين والشاميين والمغربيين وغيرهم على اختلاف البلدان، وتفاوت الأزمان، حسب ما اقتضاه الترتيب، وحكم بوضعه التبويب، لا على قدر أقدارهم في القدمة والعلم، والتأخر والفهم.
وابتدأته بفصل يتضمن أخبار قوم من متخلّفي النحويين والمتقعرين المجهولين.
وإني لجدّ عالم ببغيض يندّد ويزري عليّ، ويقبل بوجه اللائمة إليّ، ممن قد أشرب الجهل قلبه، واستعصى على كرم السجيّة لبّه، يزعم أن الاشتغال بأمر الدين أهم، ونفعه في الدنيا والآخرة أعم [١]؛ أما علم أن النفوس مختلفة الطبائع، متلونة النزائع؟ ولو اشتغل الناس كلّهم بنوع من العلم واحد لضاع باقيه، ودرس الذي يليه. وإن الله جل وعز جعل لكلّ علم من يحفظ جملته، وينظم جوهرته، والمرء ميسّر لما خلق له. ولست أنكر أني لو لزمت مسجدي ومصلّاي، واشتغلت بما يعود بعاقبة دنياي في أخراي [لكان] أولى، وبطريق السلامة في الآخرة أحرى، ولكنّ طلب الأفضل مفقود، واعتماد الأحرى غير موجود. وحسبك بالمرء فضلا أن لا يأتي محظورا، ولا يسلك طريقا مخطورا [٢] .
[وقال السري الرفاء:
كن للعلوم مصنّفا أو جامعا يبقى لك الذكر الجميل مخلدا
كم من أديب ذكره بين الورى غضّ وقد أودى به ذكر الردى
وأرى الأديب يهابه أعداؤه وتعدّه السادات فيهم سيدا
ينسى الأواخر والأوائل كلهم إلا أخا العلم الذي حاز المدى
وقال بعض الأدباء:
أرى العلماء أطولنا حياة وإن أضحوا رفاتا في القبور
_________________
(١) ر: أتمّ.
(٢) مخطورا: سقطت من م.
[ ١ / ٩ ]
أناس غيّبوا وهم شهود بما ابتدعوه من علم خطير
كأنهم حضور حين تجري محاسن ذكرهم عند الحضور
لئن ملئت قبورهم ظلاما فإن ضياءهم ملء الصدور] [١]
وبعد فهذه أخبار قوم أخذ عنهم علم القرآن المجيد، والحديث المفيد [وهم أنهجوا طريق العربية، وأناروا سرجه المضيّة] [١] وبصناعتهم تنال الإمارة، وببضاعتهم يستقيم أمر السلطان والوزارة، وبعلمهم يتمّ الإسلام، وباستنباطهم يعرف الحلال من الحرام. ألا ترى أنّ القارىء إذا قرأ إن الله بريء من المشركين ورسوله- بالرفع- فقد سلك طريقا من الصواب واضحا، وركب منهجا من الفضل لائحا، فإن كسر اللام من «رسوله» كان كفرا بحتا [٢] وجهلا قحّا؟ وقد روي أن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: لعلم العربية هو الدين بعينه، فبلغ ذلك عبد الله بن المبارك فقال:
صدق لأني رأيت النصارى قد عبدوا المسيح لجهلهم بذلك، قال الله تعالى: أنا ولّدتك من مريم وأنت نبيي، فحسبوه يقول: أنا ولدتك وأنت بنيي. فبتخفيف اللام وتقديم الباء وتعويض الضمة بالفتحة كفروا.
وحسبك من شرف هذا العلم أنّ كلّ علم على الإطلاق مفتقر إلى معرفته، محتاج إلى استعماله في محاورته، وصاحبه فغير مفتقر إلى غيره، وغير محتاج إلى الاعتضاد والاعتماد على سواه، فإن العلم إنما هو باللسان، فإذا كان اللسان معوجّا متى يستقيم ما هو به؟ وإن أردت إقامة الدليل على شأن أهل هذا الشان، وإيضاح فضلهم بالدلائل والبرهان، كنت كمن تكلّف دليلا على ضياء النهار، وإشراق الشمس وإحراق النار، فإن ذلك لا يخفى على الصامت من الحيوان فكيف الناطق، وعلى كل كهّ فهّ [٣] فكيف الحاذق.
فقد جمعت من أخبار هذه الطائفة بين حكم وأمثال وأخبار وأشعار ونثر وآثار، وهزل وجدّ، وخلاعة وزهد، ومبك ومضحك، وموعظة ونسك:
_________________
(١) ما بين معقفين زيادة من ر.
(٢) ر: محضا.
(٣) ر: فهّ كهّ: والفه: العيي؛ وأما الكه فلعله مذكر «كهة» بمعنى الثقيل الضخيم.
[ ١ / ١٠ ]
من كلّ معنى يكاد الميت يفهمه حسنا ويعبده القرطاس والقلم
فهو لا ينفق إلا على من جبل على العلم طبعه، وعمر بحبّ الفضل ربعه، فظلّ للآداب خدينا، ولصحة العقل قرينا، قد عجنت بالظرافة طينته، وسيّرت باللطافة سيرته. وأما أهل الجهل [١] والغي، والفهاهة والعيّ، فليس ذا عشّك فادرجي [٢] .
ولا مبيتك فأدلجي. فليعفني المفنّد البغيض، وليعرض عن التعريض.
على أنني معترف بقول [٣] يحيى بن خالد: لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يصنّف كتابا. وقد كتب جعفر بن يحيى إلى بعض عماله، وقد وقف على سهو في كتاب ورد منه: «اتخذ كاتبا متصفحا [٤] لكتبك، فإن المؤلف للكتاب [٥] تنازعه أمور وتعتوره صروف [٦] تشغل قلبه وتشعّب فكره، من كلام ينسّقه، وتأليف ينظّمه، ومعنى يتعلّق به يشرحه، وحجة يوضحها. والمتصفّح للكتاب أبصر بمواضع الخلل من مبتدي تأليفه» . وأنا فقد اعترفت بقصوري فيما اعتمدت عن الغاية، وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فأسأل الناظر فيه أن لا يعتمد العنت ولا يقصد قصد من إذا رأى حسنا ستره، وعيبا أظهره. وليتأمّله بعين الإنصاف لا الانحراف، فمن طلب عيبا وجدّ وجد، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضى فقد فقد.
فرحم الله امرءا قهر هواه، وأطاع الانصاف ونواه، وعذرنا في خطأ إن كان منا، وزلل إن صدر عنّا، فالكمال محال لغير ذي الجلال، فالمرء غير معصوم، والنسيان في الإنسان غير معدوم. وإن عجز عن الاعتذار عنا والتصويب، فقد علم أن كلّ مجتهد مصيب، فانّا وإن أخطأنا في مواضع يسيرة، فقد أصبنا في مواطن كثيرة، فما علمنا
_________________
(١) ر: الجهالة.
(٢) في المثل: ليس بعشك فادرجي، أي ليس هذا مما ينبغي لك فزل عنه، جمهرة العسكري ٢: ١٩٧ وفصل المقال: ٤٠٣.
(٣) ر: بفضل قول.
(٤) م: منصفا.
(٥) للكتاب: سقطت من م.
(٦) م: خروق.
[ ١ / ١١ ]
فيمن تقدّمنا من العلماء [١] وأمنا من الأئمة القدماء أحدا [٢] إلا وقد نظم في سلك أهل الزلل، وأخذ عليه شيء من الخطل، وهم هم، فكيف بنا مع قصورنا واقتصارنا وصرف جلّ زماننا في نهمة الدنيا وطلب المعاش [٣]، وتنميق [٤] الرياش، الذي مرادنا منه [٥] صيانة العرض، وبقاء ماء الوجه لدى العرض.
وإنما تصديت [٦] لجمع هذا الكتاب لفرط الشّغف والغرام، والوجد بما حوى والهيام، لا لسلطان أجتديه، ولا لصدر أرتجيه. غير أني أرغب إلى الناظر فيه أن يترحّم عليّ، ويعطف جيد دعائه إليّ، فذلك ما لا كلفة فيه عليه، ولا ضرر يرجع به إليه، فربما انتفعت بدعوته، وفزت بما قد أمن هو من معرّته.
ومع ما تقدّم من اعتذارنا، ومرّ من تنصّلنا واستغفارنا، فقد رآني جماعة من أهل العصر وقد نظمت لآلىء هذا الكتاب، وأبرزته في أبهى من الحليّ على ترائب الكعاب، فاستحسنوه والتمسوه لينسخوه، فوجدت في نفسي شحّا عليهم، وبخلا بعطف جيده إليهم، لأنه مني بمنزلة الروح من جسد الجبان، والسوداوين من العين والجنان، مع كوني غير راض لنفسي بذلك المنع، ولا حامد لها على ذلك الصنع، لكنها طبيعة عليها جبلت، وسجيّة إليها جبرت، حتى قلت فيه مع اعترافي بقلة بضاعتي في الشعر، وعلمي بركاكة نظمي والنثر [٧]:
فكم قد حوى من فصل قول محبّر ومن نثر مصقاع ومن نظم ذي فهم
ومن خبر حلو ظريف جمعته على قدم الأيام للعرب والعجم
يرنّح أعطافي إذا ما قرأته كما رنّحت شرّابها إبنة الكرم
ولو أنني أنصفته في محبّتي لجلّدته جلدي وصندقته عظمي
_________________
(١) من العلماء: سقطت من م.
(٢) أحدا: سقطت من م.
(٣) ر: في النهمة الدنيا وطل المعاش.
(٤) م: وتنمو.
(٥) ر: مرادنا به.
(٦) م: تصاديت.
(٧) وردت الأبيات في تاريخ اربل: ٣٢١.
[ ١ / ١٢ ]
عزيز على فضلي بأن لا أطيعه على بذله للطائفين على العلم
ولو أنني أسطيع من فرط حبّه لما زال من كفّي ولا غاب عن كمي
وقد قرأت بخط أبي سعد السمعاني لأبي عبد الله محمد بن سلامة المقرىء [١] في هذا النشوار:
إني لما أنا فيه من منافستي فيما شغفت به من هذه الكتب
لقد علمت بأن الموت يدركني من قبل أن ينقضي من حبّها أربي
[ولله درّ القائل] [٢]:
ومجموعة فيها علوم كثيرة تقرّ بما فيها عيون الأفاضل
ألذّ من النّعمى وأحلى من المنى وأحسن من وجه الحبيب المواصل
حكت روضة حاكت يد القطر وشيها ومسّك ريّاها نسيم الأصائل
أطالعها في كلّ وقت فأجتلي عقائل يغلي مهرها كلّ عاقل
وأمنعها الجهال فهي حبيبة «جرى حبّها مجرى دمي في مفاصلي»
(تضمين نصف بيت للمتنبي) .
واعلم [٣] أنني لو أعطيت حمر النّعم وسودها، ومقانب [٤] الملوك وبنودها، لما سرّني أن ينسب هذا الكتاب إلى سواي، وأن يفوز بقضب سبقه إلّاي، لما قاسيت في تحصيله من المشقة، وطويت في تكميله من طول الشّقّة، فإنني علم الله لم أقف على باب أحد من العالم أجتديه، ولا أحصي عدد ما وقفت على الأبواب للفوائد فيه، فلا غرو أن أمنعه من ملتمسيه، وأحجبه من الراغبين فيه. على أنّي ما زلت أعاتب نفسي على هذا الصنيع، وأعدّه من الأمر الفظيع والخلق الشنيع، إلى أن وقفت على الكتاب الذي ألفه محمد بن عبد الملك التاريخي في أخبار النحويين، وقد قال في
_________________
(١) هو- فيما استظهره- محمد بن سلامة بن جعفر بن علي أبو عبد الله القضاعي الشافعي قاضي مصر، مصنف كتاب الشهاب، انظر ترجمته في الوافي ٣: ١١٦ وابن خلكان ٣: ٣٤٩ وعبر الذهبي ٣: ٢٣٣ وطبقات الشافعية للسبكي ٤: ١٥٠ (وفي حاشيته ذكر لمصادر أخرى) والبيتان في تاريخ اربل: ٣٢١.
(٢) زيادة تقديرية، وفي الأصل بياض.
(٣) من هنا حتى نهاية هذه المقدمة تختلف ر عن م بالتقديم والتأخير.
(٤) المقانب: جمع مقنب وهو جماعة الخيل.
[ ١ / ١٣ ]
ديباجته [١]: «ولم أقصد بهذا الكتاب لهوا ولا لعبا، ولا سمحت نفسي ببذله، ولا طابت ببثه وإخراجه إلى غير أبي الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري الكاتب [٢]- أطال الله بقاءه- فإنه لي كما قال معاوية بن قرّة في ابنه إياس بن معاوية، وقد قيل له [٣]: كيف ابنك؟ فقال: خير ابن كفاني أمر الدنيا وفرّغني لأمر الآخرة» . ثم قال:
«وما أحصي عدد من انقطع بيننا وبينه من الإخوان في ردّنا إياه عن هذا الكتاب» .
فحينئذ خفّفت عن نفسي اللوم، إذ كان التأسّي من أخلاق القوم، وعلمت أنّ النفوس بخيلة بالنفائس، شحيحة بابراز العرائس. هذا وإنما يشتمل كتابه على ثلاث وعشرين ترجمة نقلت زبدها إلى هذا الكتاب، فلم ألام إذا أخفيته عن طالبيه، وحجبته [٤] عن خاطبيه؟ وقد أقسمت أن لا أسمح باعارته ما دام في مسوّدته لئلا يلحّ طالب بالتماسه، ولا يكلّفني إبرازه من كناسه، فحملهم منعي على احتذائه، وتصنيف شرواه في استوائه، وما أظنّهم يشقّون غباره، ولا يحسنون ترتيبه وأسطاره، وان وقفت لنظر الجميع، ستعرف الظالع من الضليع. فإذا هذّبته ونقّحته وبيّضته، فتمتع به فإنه كتاب أسهرت لك فيه طرفي، وأنضيت في تحصيله طرفي وطرفي. وقد حصّلته عفوا، وملكته صفوا، فاجعل جائزتي دعاء يزكو غرسه عند ذي العرش، واحمدني في بسطه والفرش، واذكرني في صالح دعائك: وربّ دعوة صادفت إجابة، ورمية حصّلت إصابة.
ولو أنصف أهل الأدب، لاستغنوا به عن المأكل والمشرب؛ ولكنّني أخاف أن يأتيه النقص من جهة زيادة فضله، وأن يقعد بقيام جدّه عظم خطره ونبله. وأستشعر له أمرين منبعهما من قلّة الإنصاف، واجتناب الحقّ والانحراف: أحدهما أن يقال هل هو إلا تصنيف رومّي مملوك، وما عسى أن يأتي به وليس في أبناء جنسه له نظير، وما كان في أمته رجل خطير، لاستيلاء [٥] التقليد على العالم والبليد، فهم لا ينظرون ما
_________________
(١) ر: وقد ذكر في ديباجته فقال.
(٢) هو صاحب الفضل بن جعفر بن حنزابة وولي كتابة مصر قبله (الوافي ٤: ٤٦) .
(٣) انظر تهذيب ابن عساكر ٣: ١٧٩.
(٤) ر: وسترته.
(٥) ر: لشمول.
[ ١ / ١٤ ]
قيل، إنما يسألون عمن قال، ونعم العون للعالم القؤول، حسن الاعتقاد والقبول.
والأمر الآخر قصور الهمم، الغالب على أكثر الأمم، إذ كلّ همّه تحصيل المأكول والملبوس، ولا تسمو همته [١] إلى تشريف النفوس.
واعلم حباك الله بحسن رعايته، وأمدّك بفضل هدايته، أنّ هذا الفن من العلم ليس من بابة من يطلب العلم للمعاش، أو ليحصّل الزينة والرياش، ولا من رغبات من ينظر فيه وقلبه يجول في طلب المحصول فهو يسأل عما ينفق [٢] . ولا هو مما ينفق في المدارس، أو يناظر به في المجالس، إنما هو علم الملوك [٣] والوزراء، والجلة من الناس والكبراء، يجعلونه ربيعا لقلوبهم، ونزهة لنفوسهم، ترتاح إليه أرواحهم، وتشتمل عليه أفراحهم، فهو ربيع النفوس النفيسة، ورأس مال العلوم الرئيسة.
وقد سمّيت هذا الكتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب [٤]، ومن الله أستمد المعونة، وإياه أسأل التوفيق لما يرضيه، والهداية إلى ما يحبه ويزلف إليه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
_________________
(١) ر: همتهم.
(٢) في م: والرياش ولا هو مما ينفق.
(٣) ر: إنما هذا للملوك.
(٤) غير ذلك من بعد وسماه: إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء (تاريخ اربل: ٣٢٢) .
[ ١ / ١٥ ]