قال أبو الحسن علي بن الحسين [١]، قالوا: لولا تقييد العلماء خواطرهم بالأخبار وكتبهم للآثار [٢] لبطل أول العلم وضاع آخره، إذ كان كلّ علم من الأخبار يستخرج، وكلّ حكمة منها تستنبط، والفقر منها تستثار [٣]، والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجّون، ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، فكلّ غريبة بها تعرف، وكلّ عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل [٤]، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل ويأنس مكانه، وينزع إليه الخاصيّ والعامي، ويميل إلى روايته العربيّ والعجمي؛ وبعد فإنه يوصل به إلى كلّ [٥] كلام، ويتزين به في كلّ مقام، ويتجمّل به في كلّ مشهد، ويحتاج إليه في كلّ محفل. ففضيلة علم الأخبار تتيه على كلّ علم، وشرف منزلته صحيحة [٦] في كلّ فهم؛ فلا يصبر على علمه ويتقن ما فيه من إيراده وإصداره إلا إنسان قد تجرد للعلم، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستشعر من عزه، ونال من سروه، وقديما قيل: إن علم النّسب والأخبار من علوم الملوك وذوي الأخطار، ولا تسمو إليه إلا النفوس الشريفة، ولا تأباه إلا [النفوس الدنية
_________________
(١) م: الحسن.
(٢) ر: بالآثار.
(٣) م: تستشاد.
(٤) والجاهل: سقطت من م.
(٥) كل: سقطت من م.
(٦) الأصوب أن يقول: صحيح.
[ ١ / ٣٠ ]
و] [١] العقول السخيفة وقد قالت الحكماء [٢]: الكتاب نعم الجليس والذخر، إن شئت ألهتك بوادره، وأضحكتك نوادره، وإن شئت أشجتك مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائده، وهو يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والغائب والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء، وهو مؤنس ينشط بنشاطك، وينام بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، ولا يعلم جار ولا خليط أنصف، ولا رفيق أطوع، ولا معلّم أخضع، ولا صاحب أظهر كفاية ولا أجلّ جباية [٣] ولا أشدّ [٤] نفعا، ولا أحمد أخلاقا، ولا أدوم سرورا، ولا أسلم غيبة، ولا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافاة، ولا أخف مؤونة منه، إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأكثر علمك، وتعرف منه في شهر ما لا تعرف من أفواه الرجال في دهر، يغنيك عن كدّ الطلب [٥] وعن الخضوع إلى من أنت أثبت منه أصلا، وأرسخ منه فرعا، وهو المعلم [٦] الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة.
وكان عبيد الله بن محمد [٧] بن عائشة القرشي يقول: الأخبار تصلح للدين والدنيا، قلنا: الدنيا عرفنا فما للآخرة؟ قال: فيها العبر يعتبرها الرجل. وقال الله تعالى مخبرا عن قصة يوسف وإخوته لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
(يوسف: ١١١) وقال تعالى: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
(النور: ٣٤) وقال ﷿: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ
(طه: ٩٩) ولذلك قال بعضهم لولده: عليك بالأخبار فإنها لا تعدمك كلمة
_________________
(١) النفوس الدنية و: سقط من م.
(٢) قارن بما جاء لدى الجاحظ في الحيوان ١: ٣٨- ٤٢ والمحاسن والأضداد: ٤- ٦.
(٣) ر: ولا أقل خيانة.
(٤) ر: ولا أبدا.
(٥) م: الطالب.
(٦) ر: العالم.
(٧) ر: محمد بن عبيد الله، وهو خطأ انظر الأغاني ٢: ١٧٠ وعبيد الله هو ولد محمد ابن عائشة المغني.
[ ١ / ٣١ ]
تدل [١] على هدى، وأخرى تنهى عن ردى [٢] .
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه [٣] أجمّوا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة فإنها تملّ كما تملّ الأبدان.
وكان أبو زيد الأنصاري لا يعدو النحو، فقال له خلف الأحمر: قد ألححت على النحو لم تعده ولقلّما ينبل منفرد به، فعليك بالأخبار والأشعار.
وقال ابن المقفع في كتابه في الأدب [٤]: ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفّظ منها، فإن من شأن الإنسان الحرص على الأخبار، ولا سيما على ما يرتاح له الناس، وأكثر الناس من يحدّث بما يسمع ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق ومزراة بالرأي، فإن استطعت أن لا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدّق وألا يكون تصديقك إلّا ببرهان، فافعل.
قال الأخفش علي بن سليمان أنشدني أبو سعيد السكري:
وذكرني حلو الزمان وطيبه مجالس قوم يملأون المجالسا
حديثا وأشعارا وفقها وحكمة وبرّا ومعروفا وإلفا مؤانسا
وقال ابن عتاب [٥]: يكون الرجل نحويا عروضيا، حسن الكتاب، جيّد الحساب، حافظا للقرآن، راوية للشعر، وهو راض [بأن] يعلم أولادنا بستين درهما، ولو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم، لأنّ النحوي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليغلق بابا، فلو كان أحذق الناس ثم فرغ من تغليق ذلك الباب قيل له انصرف، وصاحب الإمتاع يراد في الحالات كلّها.
وقال معاوية [٦]: ليس ينبغي للرجل أن يستغرق شيئا من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف والشدو [من القول] .
_________________
(١) تدل: سقطت من م.
(٢) ردى: سقطت من م وموضعها بياض.
(٣) انظر بهجة المجالس ١: ١١٥.
(٤) رسائل البلغاء: ٩٤.
(٥) البيان والتبيين ١: ٤٠٣.
(٦) البيان والتبيين ١: ٤٠٢ (لرجل من ولد العباس) .
[ ١ / ٣٢ ]
وكتب عبد الملك بن مروان الى الحجاج: انظر لي رجلا عالما بالحلال والحرام، عارفا بأشعار العرب وأخبارها، أستأنس به وأصيب عنده معرفة فوجّهه إليّ من قبلك، فوجّه إليه الشعبي، وكان أجمع أهل زمانه، قال الشعبي: فلم ألق [١] واليا ولا سوقة إلّا وهو يحتاج [٢] إليّ ولا أحتاج إليه ما خلا عبد الملك، ما أنشدته شعرا ولا حدثته حديثا إلا وهو يزيدني فيه، وكنت ربما حدثته وفي يده اللقمة فيمسكها [٣] فأقول يا أمير المؤمنين أسغ طعامك، فإن الحديث من ورائه، فيقول: ما تحدثني به أوقع بقلبي من كلّ لذة وأحلى من كل فائدة.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج [٤]: أنت عندي كقدح ابن مقبل، فلم يدر الحجاج ما عنى، فسأل قتيبة بن مسلم وكان راوية عالما عن ذلك فقال: قد مدحك، فإن ابن مقبل نعت قدحه فقال:
مفدّى مؤدّى باليدين منعم خليع قداح فائز متمنّح [٥]
خروج من الغمّى إذا صكّ صكّة بدا والعيون المستكفّة تلمح [٦]
قال: فكانت في نفس الحجاج حتى ولّاه خراسان.
وقال محمد بن عبد الملك الزيات في رجل خلو من الأدب [٧]:
يا أيها العائبي ولم تر بي عيبا ألا تنتهي وتزدجر
هل لك وتر لديّ تطلبه أم لست مما أتيت تعتذر
إن كان قسم الإله فضّلني وأنت صلد ما فيك معتصر
_________________
(١) ر: أجد.
(٢) ر: محتاج.
(٣) م: فأمسكها.
(٤) قارن بجمهرة العسكري ٢: ١٢٠ وسرح العيون: ١٩٢ وديوان ابن مقبل: ٢٩، ٣٠ وأمالي القالي ١: ١٥ وثمار القلوب: ١٧٣.
(٥) مفدى عند صاحبه، يفديه إذا فاز، متمنح: مستعار، يستعيرونه لمعرفتهم بفوزه.
(٦) الغمى: الشدة والضيق؛ والعيون المستكفة، عيون الذين حوله يستكفون أي يضعون أيديهم على حواجبهم حين ينظرون إليه.
(٧) ديوان ابن الزيات: ٢٩- ٣٠ ومنها أبيات في الأغاني ٢٢: ٤٨٦- ٤٨٧.
[ ١ / ٣٣ ]
فالحمد والشكر والثناء له وللحسود التراب والحجر
اقرأ لنا سورة تخوّفنا فإن خير المواعظ السور
أو ارو فقها تحي القلوب به جاء به عن نبينا أثر
أو هات ما الحكم في فرائضنا ما يستحقّ الاناث والذكر
أو ارو عن فارس لنا مثلا فإن أمثال فارس عبر
أو من أحاديث جاهليتنا فإنها عبرة ومعتبر
أو هات كيف الصواب [١] في الرفع والخفض وكيف التصريف والصور [٢]
أو ارو شعرا أو صف لنا غرضا [٣] يبلى صحيح منه ومنكسر
فإذ جهلت الآداب مرتغبا عنها وخلت العمى هو البصر
ولم تعوّض من ذاك ميسرة عليك منها لبهجة أثر
فغنّ صوتا تلهي الفؤاد به وكلّ ما قد جهلت مغتفر
تعيش فينا ولا تلائمنا فاذهب ودعنا حتّام تنتظر
تغلي علينا الأسعار أنّى [٤] وما عندك نفع يرجى ولا ضرر
همّك في مرتع ومغتبق كما تعيش الحمير [٥] والبقر
_________________
(١) ر: الإعراب.
(٢) ر: الصدر.
(٣) ر: أو صف عروضا.
(٤) الديوان: أنت.
(٥) م: يعيش الحمار.
[ ١ / ٣٤ ]