قال ابن حبان: أنبأنا إبراهيم بن عبد الواحد العنسي بدمشق، قال: سمعت مضر بن محمد الأسدي يقول: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش فقال: إذا حدث عن الشاميين عن صفون وجرير فحديثه صحيح، وإذا حدث عن العراقيين والمدنيين خلطه ما شئت. أخبرنا محمد بن زياد الزيادي، ثنا ابن أبي شيبة، قال: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده إسماعيل بن عياش فقال: كان ثقة فيما يروي عن أصحابه أهل الشام، وما روى عن غيرهم يخلط فيه (^١).
قال أبو حاتم: كان إسماعيل بن عياش من الحفاظ المتقنين في حداثته، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على وجهه، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه وأدخل الإسناد في الإسناد وألزق المتن بالمتن وهو لا يعلم، ومن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر، خرج عن الاحتجاج به
_________________
(١) = قالوا فيه كل قول. (الثقات: [٨/ ١١٤]، سؤالات الحاكم للدارقطني [ص ١٨٥]). وقال الحافظ ابن حجر: في "هدي الساري": المعتمد فيه ما قال أبو حاتم: كان صدوقًا، ولكن ذهب بصره روى عنه البخاري في كتاب الجهاد حديثًا، وفي فرض الخمس آخر كلاهما عن مالك، وأخرج له في الصلح حديثًا آخر مقرونًا بالأويسي، وكأنها مما أخذه عنه من كتابه قبل ذهاب بصره.
(٢) قول ابن معين أن إسماعيل بن عياش يخلط في حديث العراقيين والمدنيين لا يعني الاختلاط الاصطلاحي، ولكن يعني أنه كان يخطئ في حديث العراقيين والمدنيين سواء كان ذلك في أول عمره أو آخره.
[ ٣٧ ]
فيما لم يخلط فيه.
روى عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد هو أشد على هذه الأمة من فرعون على قومه، ويقال إنه الوليد بن عبد الملك، وهذا خبر باطل، ما قال رسول الله - ﷺ - هذا، ولا عمر رواه، ولا سعيد حدث به، ولا الزهرى رواه، ولا هو من حديث الأوزاعى بهذا الإسناد (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٨) عن أبي المغيرة، عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي وغيره، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: ولد لأخي أم سلمة زوج النبي - ﷺ - غلام فسموه الوليد، فقال النبي - ﷺ -: "سميتموه بأسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يُقال له الوليد، لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه". وأبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الشامي ثقة، وخالف إسماعيل بن أبي إسماعيل أبو المغيرة فجعله عن ابن المسيب مرسلًا، رواه عنه الحارث بن أسامة في مسنده كما في "المطالب اعلالية" [ح ٣١٠٤]. ورواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" [٣/ ٤٥٠] عن محمد بن خالد بن العباس السبكي، عن الوليد بن مسلم، حدثنى الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. وتابع بشر بن بكر الوليد بن مسلم كما عند البيهقي في "دلائل النبوة": [٦/ ٥٠٥]. وخالفهم نعيم بن حماد كما عند الحاكم [٤/ ٤٩٤] فجعله عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وسُئل الدارقطني في "العلل" [٢/ ١٩٢] عن هذا الحديث، فقال: يرويه الأوزاعي واختلف عنه. فرواه إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عمر. =
[ ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وغيره يرويه عن الأوزاعي، ولا يذكر فيه عن عمر، وهو الصواب. وقال الحافظ ابن حجر في "القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد" [ص ٢٠ - ٢٦]: قول ابن حبان إنه باطل دعوى لا برهان عليها، ولا أتى بدليل يشهد لها، وقوله: "إن رسول الله - ﷺ - لم يقله ولا عمر ولا سعيد ولا الزهري "شهادة نفي صدرت عن غير استقراء تام على ما سنبينه، فهي مردودة، وكلامه في إسماعيل بن عياش غير مقبول كله، فإن راويه إسماعيل بن عياش عن الشاميين عند الجمهور قوية وهذا منها، وإنما ضعفوه في روايته عن غير أهل الشام، نص على ذلك يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وعمرو بن على الفلاس وعبد الرحمن ابن إبراهيم دحيم والبخاري ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني والنسائي والدولابي وأبو أحمد بن عدي وآخرون، وقد وثقه بعضهم مطلقًا، والعجب أن ابن حبان موافق للجماعة على أن حديثه عن الشاميين مستقيم وهذه عبارته فيه، ثم ذكر كلام ابن حبان، ثم قال: فهذا كما تراه قيد كلامه بحديث الغرباء، وليس حديثه المتقدم من حديثه عن الغرباء، وإنما هو من روايته عن شاميين وهو الأوزاعي، وأما إشارته إلى أنه تغير حفظ واختلط فقد استوعبت كلام المتقدمين فيه في كتابي "تهذيب التهذيب" ولم أجد عن أحد منهم أنه نسبه الى الاختلاط، وإنما نسبوه إلى سوء الحفظ في حديثه عن غير الشاميين، كأنه كان إذا رحل إلى الحجاز أو العراق اتكل على حفظ فيخطئ في أحاديثهم. قال يعقوب بن سفيان: تكلم ناس في إسماعيل بن عياش، وإسماعيل ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين. انتهى ومع كون إسماعيل بهذا الوصف وحديثه المتقدم عن شامي فلم ينفرد به كما قال ابن حبان وابن الجوزي، وإنما تفرد بذكر عمر فيه خاصة، على أن الرواة عنه لم يتفقوا على ذلك. ثم ذكر طريق إسماعيل بن أبي إسماعيل عن إسماعيل بن عياش ثم قال: نعم رواه سليمان بن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل عن إسماعيل بن عياش فذكر فيه عمر. حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن على الهاشمي ولفظه: أنا أبو الحزم بن أبي الفتح الحنبلي، قال: قرئ على مؤنسة بنت أبي بكر بن أيوب ونحن نسمع عن عفيفة بنت أحمد أنا عبد الواحد بن =
[ ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محمد، ثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ابن الخطاب فذكر مثل حديث أبي المغيرة، وزاد فيه بعد قوله "بأسماء فراعنتكم" غيروا اسمه، فسموه عبد الله فإنه سيكون، والبقية سواء. وأما من تابع إسماعيل عن الأوزاعي فقد رواه عن الأوزاعي أيضًا الوليد بن مسلم الدمشقي وبشر بن بكر التنيسى والهقل بن زياد كاتب الأوزاعي ومحمد بن كثير، لكنهم أرسلوه فلم يذكروا فيه عمر كما وقع عند الحارث. ثم خرج رواية الوليد بن مسلم وبشر بن بكر ثم قال: وأما رواية محمد بن كثير والهقل بن زياد فأشار إليهما الذهبي في ترجمة الوليد ابن يزيد في "تاريخ الإسلام" ثم وجدتهما في ترجمة الوليد في "تاريخ ابن عساكر" أخرجهما من طريق الزهري في الزهريات ثنا الحكم بن موسى، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة غلام فسموه الوليد. الحديث. قال: وحدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: ولد لآل أم سلمة ولد فسموه الوليد، فقال النبي - ﷺ -: "تسمون الوليد بأسماء فراعنتكم، فسموه عبد الله". وتابع الأوزاعي على رواية له عن الزهري محمد بن الوليد الزبيدي -ويحتمل أنه الذى أبهمه إسماعيل بن عياش لأنه شامي أيضًا- ومعمر بن راشد البصري. وأما رواية الزبيدي فظفرت بها في بعض الأجزاء ولم يحضرني الآن اسم مخرجها. وأما رواية معمر فرويناها في الجزء الثاني من أمالي عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب فذكره ولم يذكر عمر. قال البيهقي بعد تخريجه: هذا الحديث مرسل حسن. قلت: هو على شرط الصحيح ولو صرح سعيد بن المسيب بسماعه له من أم سلمة أدركها وسمع منها. ووقع لنا الحديث من روايتها من وجه آخر رواه ابن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها قالت: "دخلت على النبي - ﷺ - وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: من هذا؟ قلت: الوليد. قال: قد اتخذتم الوليد حنانًا، غيروا اسمه فإنه =
[ ٤٠ ]
وروى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خير نسائكم العفيفة الغلمة" أخبرناه عمر بن سعيد، ثنا محمد بن عون، ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، أخبرنا محمد بن المسيب، ثنا عيسى بن خالد بن أخي أبي اليمان،
_________________
(١) = سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد". وهذا إسناد حسن، أخرجه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" له، ورواه محمد بن سلام الجمحي عن حماد بن سلمة فذكره معضلًا. وروى الطبراني في "المعجم الكبير" من طريق عبد العزيز بن عمران عن إسماعيل بن أيوب المخزومي قصة موت الوليد بن الوليد بن المغيرة وأن النبي - ﷺ - دخل على أم سلمة وهى تقول: أبك الوليد بن الوليد أبا المغيرة بن الوليد فقال: إن كدتم تتخذون الوليد حنانًا. فهذا شاهد آخر لأصل القصة، وبدون هذا يعلم بطلان شهادة ابن حبان بأن رسول الله - ﷺ - ما قاله، ولا سعيد بن المسيب حدث به، ولا الزهري ولا الأوزاعي. وفي تصريح بشر بن بكر عن الأوزاعي بأن الزهري حدثه به ما يدفع تعليل من علله بتدليس الوليد بن مسلم تدليس التسوية، وغاية ما ظهر في طريق إسماعيل بن عياش من العلة أن ذكر عمر فيه لم يتابع عليه، والظاهر أنه من رواية أم سلمة لإطباق معمر والزبيدي عن الزهري، وبشر بن بكر والوليد بن مسلم عن الأوزاعي على عدم ذكر عمر فيه. والله أعلم وأما رواية نعيم بن حماد له عن الوليد بذكر أبي بكر فيه فشاذة. ومن شواهده ما روى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن معاذ بن جبل قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فذكر حديثًا فيه: قال: الوليد اسم فرعون، هادم شرائع الإسلام، يبوء بدمه رجل من أهل بيته.
[ ٤١ ]
ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل مثله (^١) (^٢).