قال الخطيب البغدادي: أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القطيعى روى عن عبد الله بن أحمد: [المسند، والزهد، والتاريخ، والمسائل، وغير ذلك]، وكان بعض كتبه غرق فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه
_________________
(١) "تهذيب التهذيب". وفيه أيضًا: "قال ابن معين: لم يكن به بأس، وكان يقين. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: عطاء بن المبارك تعرفه؟ قال: من يروي عنه؟ قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بشير. فتعجب وقال: لا أعرفه. قال عثمان: أحمد كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك. وقال الخطيب: ليس أحمد بن بشير مولى عمرو بن حريث هو الذى روى عن عطاء بن المبارك، ذاك بغدادى، وأما مولى عمرو بن حريث فليست حاله الترك، وإنما له أحاديث تفرد بروايتها، وقد كان موصوفًا بالصدق. وقال ابن نمير: كان صدوقًا حسن المعرفة بأيام الناس، حسن الفهم، إنما وضعه عند الناس الشعوبية. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبو بكر بن أبي داود: كان ثقة، كثير الحديث، ذهب حديثه فكان لا يحدث. وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر بحديثه. وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وقال: وله أحاديث آخر قريبة من هذين. وقال العقيلي: ضعيف. ونقل أبو العرب عن النسائي أنه قال: ليس به بأس". اهـ وقال السلمي: سألت الدارقطني عن أحمد بن بشير الذى يروي عن مسعر فقال: لا بأس به. [سؤالات السلمي للدارقطني ص ٥٦]
[ ١٧ ]
سماعه، فغمزه الناس، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع عن الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به.
وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني، وابن شاهين، وحدثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه، ومحمد بن أبى الفوارس، ومحمد بن أحمد بن البياض، ومحمد بن الفرج البزار، وأبو بكر البرقاني، وعبد الملك بن محمد بن بشران، وأبو نعيم الأصبهانى، وجماعة كثيرة سواهم.
حُدثت عن أبي الحسن بن الفرات قال: كان ابن مالك القطيعي مستورًا، صاحب سُنّة، كثير السماع، سمع من عبد الله بن أحمد وغيره، إلا أنه خلط في آخر عمره، وكف بصره، وخرف حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه.
قال محمد بن أبي الفوارس: أبو بكر بن مالك كان مستورًا صاحب سُنّة، ولم يكن في الحديث بذاك، له في بعض "المسند" أصول فيها نظر، ذكر أنه كتبها بعد الغرق.
سمعت أبا بكر البرقاني وسُئل عن ابن مالك فقال: كان شيخًا صالحًا، وكان لأبيه اتصال ببعض السلاطين، فقرئ لابن ذاك السلطان على عبد الله بن أحمد "المسند"، وحضر ابن مالك سماعه، ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.
وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه، وإنما كان فيه بله، فلما غرقت
[ ١٨ ]
القطيعة بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه، ولما اجتمعت مع الحاكم بن عبد الله بن البيع بنيسابور ذكرت ابن مالك ولينه فأنكر على، وقال: ذاك شيخي، وحَسّن حاله، أو كما قال (^١).
قال الذهبي: [صح] (^٢) أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القطيعي صدوق في نفسه مقبول تغير قليلًا. قال الخطيب: لم نر أحدًا ترك الاحتجاج به. وقال الحاكم: ثقة مأمون.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: اختل في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات.
قلت: فهذا القول غلو وإسراف، وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه.
قال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، له في بعض "مسند أحمد" أصول فيها نظر.
وقال البرقاني: غرقت قطعة من كتبه فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فإنه ثقة، وكنت شديد التنقير عنه حتى تبين عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه (^٣).
_________________
(١) "تاريخ بغداد": [٤/ ٧٣ - ٧٤].
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" [٢/ ٣٦٨] في ترجمة "الحارث بن محمد بن أبي أسامة": وقال الذهبى في "تلخيص المستدرك": ليس بعمدة، مع أنه في "الميزان" كتب مقابله: صح، واصطلاحه أن العمل على توثيقه.
(٣) "ميزان الاعتدال": [١/ ٨٧ - ٨٨].
[ ١٩ ]
قال العراقي: قوله: وأبو بكر بن مالك القطيعي راوي مسند أحمد وغيره اختل في آخر عمره وخرف حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه انتهى. وفي ثبوت هذا عن القطيعي نظر، وهذا القول تبع فيه المصنف مقالة حكيت عن أبي الحسن بن الفرات لم يثبت إسنادها إليه، ذكرها الخطيب في "التاريخ" فقال: حدثت عن أبي الحسن بن الفرات قال: كان ابن مالك القطيعى مستورًا صاحب سنة كثير السماع من عبد الله بن أحمد وغيره إلا أنه خلط في آخر عمره وكف بصره وخرف حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه انتهى.
وقد أنكر صاحب "الميزان" هذا على ابن الفرات وقال: هذا غلو وإسراف. وقال أبو عبد الرحمن السلمى أنه سأل الدارقطني عنه فقال: ثقة زاهد سمعت أنه مجاب الدعوة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وسُئل عنه البرقاني فقال: كان شيخًا صالحًا غرقت قطعة من كتبه فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم تكن سماعه فغمزوه لأجل ذلك وإلا فهو ثقة. قال البرقاني: وكنت شديد التنقير عن حاله حتى ثبت عندي أنه صدوق لا شك في سماعه، وإنما كان فيه بله فلما غرقت القطيعة بالماء الأسود غرق شيء من كتبه فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه، قال: ولما اجتمعت مع الحاكم أبي عبد الله بن البيع بنيسابور ذكرت ابن مالك ولينته فأنكر علي.
وقال الخطيب: لم أر أحدًا امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به.
وقال أبو بكر بن نقطة: كان ثقة. وتوفي القطيعى لسبع بقين من ذي
[ ٢٠ ]
الحجة سنة ثمان وستين وثلاث مائة. وعلى تقدير ثبوت ما ذكره أبو الحسن بن الفرات من التغير وتبعه المصنف فممن سمع منه في الصحة أبو الحسن الدارقطني وأبو حفص بن شاهين وأبو عبد الله الحاكم وأبو بكر البرقاني وأبو نعيم الأصبهاني وأبو علي بن المذهب راوي المسند عنه فإنه سمعه عليه في سنة ست وستين والله أعلم (^١).
قال ابن حجر: وإنكار الذهبى على ابن الفرات عجيب، فإنه لم ينفرد بذلك، فقد حكى الخطيب في ترجمة أحمد بن أحمد السيبى قال: قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي، وكان مقصودنا درس الفقه والفرائض، فقال لنا ابن اللبان الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك فإنه قد ضعف واختل، ومنعت ابني السماع منه، قال: فلم نذهب إليه. قلت: كان سماع أبي علي بن المذهب منه لمسند الإمام أحمد قبل اختلاطه، أفاده شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين، والحكاية التى حكاها ابن الصلاح عن ابن الفرات قد ذكرها الخطيب في "تاريخه" عنه، والعجب من الذهبى يرد قول ابن الفرات، ثم يقول في آخر ترجمة الحسن بن على التميمي الراوي عن القطيعي ما سيأتي، فليتأمل! (^٢)
قال المعلمي اليماني: في "تاريخ بغداد" [١٣/ ٤١١]: أخبرنا بشري بن عبد الله الرومي ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان … ".
_________________
(١) "التقييد والإيضاح" [ص ٤٦٥].
(٢) "لسان الميزان": [١/ ٢٤٢ - ٢٤٣].
[ ٢١ ]
قال الأستاذ (ص ١٤١): مختلط فاحش الاختلاط.
أقول: قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في "التاريخ" [ج ٤ ص ٧٣]، قال: "حُدثت عن أبي الحسن بن الفرات … ".
وذكرها الذهبي في "الميزان" عن ابن الصلاح قال: "اختل في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات". والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري من حدث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة.
لكن ابن حجر شدها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السيبى أنه قال: قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حى … فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك فإنه قد ضعف واختل، ومنعت ابني السماع منه.
وهذه الحكاية في "التاريخ" [ج ٤ ص ٤]، لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط، وقد قال الذهبي في "الميزان" بعد ذكر الحكاية الأولى: "فهذا القول غلو وإسراف".
أقول: ويؤيد على أنه غلو وإسراف أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر كالدارقطني والحاكم والبرقاني لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيرًا.
وقد غمزه بعضهم بشيء آخر. قال الخطيب: "كان بعض كتبه غرق فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه فغمزه الناس، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين …
[ ٢٢ ]
سمعت أبا بكر البرقاني سُئل عن ابن مالك فقال: كان شيخًا صالحًا .. ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.
قال الخطيب: وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه، وإنما كان فيه بله، فلما غرقت القطيعة (^١) بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه.
أجاب ابن الجوزي في "المنتظم" [ج ٧ ص ٩٣] عن هذا بقوله: "مثل هذا لا يُطعن به عليه لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قرئت عليه وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطنى وابن شاهين والبرقانى وأبي نعيم والحاكم".
أقول: وقال الحاكم: ثقة مأمون. ونسخه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي، ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقة آخر كان رفيقه في السماع فعرف مطابقته لأصله والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون، وتلك الحكاية تحتمل ما بيّنا في ذلك فكان هو الظاهر، ولا أدري متى كان غرق القطيعة بالماء الأسود.
_________________
(١) قال الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة: هي محال ببغداد أقطعها المنصور أناسًا من الأعيان ليعمروها ويسكنوها، وهي قطيعة إسحاق الأزرق وأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور، كما في القاموس، وإليها ينسب المترجم.
[ ٢٣ ]
وقد فتشت أخبار السنين في "المنتظم" فلم أره ذكر غرقًا بالماء الأسود، وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر، فإن كان ذلك هو المراد فإنما كان من قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا، وأُخذت منه عدة نسخ، والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه، ولو علموا ذلك لذكروه لأنه أبين في التليين، وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يرويه عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه.
وقد قال الخطيب في "الكفاية" [ص ١٠٩]: ومذاهب النقاد في الرجال غامضة ودقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذى سمعه موجبًا لرد الحديث ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك الغمز.
ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذى لا يُوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر … ".
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير، وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعه كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد
[ ٢٤ ]
موته أنه حدث بعد تغير شديد، أو حدث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له رواية واحدة، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم، تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به. هذا وكتب الإمام أحمد كـ"المسند" و"الزهد" كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعى، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقة لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي ابن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (^١)