قال الحافظ بن حجر في "التقريب": الحارث بن عمير وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي، وابن حبان، وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر (^١).
_________________
(١) = وهذا ليس بمستقيم، فإن هذا إنما وقع لجرير بن حازم، فكأنه اشتبه على صاحب "الحافل". وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الخشن. وقال أبو أحمد الحاكم: هو عندهم ثقة. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة متفق عليه. وقال قتيبة: ثنا جرير الحافظ المقدم، لكني سمعته يشتم معاوية علانية". اهـ قلت: لم أجد أحدًا من المتقدمين وافق البيهقى على وصف جرير بسوء الحفظ في آخر عمره، بل أطلق الأئمة المتقدمون القول بتوثيقه. وقال الحافظ في "التقريب": جرير بن عبد الحميد ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه. فذكر الحافظ ما نسب إلى جرير من سوء الحفظ في آخر عمره بصيغة التمريض، ولعل ذلك لضعف هذا القول عنده والله أعلم.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: كان حماد بن زيد يقدم الحارث بن عمير ويثني عليه، زاد غيره: ونظر إليه فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب. وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة رجل صالح وقال البرقاني عن الدارقطني: ثقة، وكذا قال العجلي. وقال الأزدي: ضعيف منكر الحديث. وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل وجعفر بن محمد أحاديث موضوعة. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب. وقال ابن حبان: كان ممن يروى عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن على مرفوعًا: "أن آية الكرسي، وشهد الله أنه لا إله إلا هو، والفاتحة معلقات بالعرش يقلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك .. " الحديث بطوله، وقال: موضوع لا أصل له. وقد وقع لي هذا الحديث عاليًا جدًا، قرأته على أبي الفرج بن غزي، أخبركم يونس بن =
[ ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أبي إسحاق أجازه إن لم يكن سماعًا ثم ظهر سماعه عن أبي الحسن بن الحسين البغدادي، أنا جعفر العباسي في كتابه، أنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، أنا أحمد بن إبراهيم، أنا محمد ابن إبراهيم الديبلي، ثنا محمد بن أبي الأزهر، ثنا الحارث فذكره. والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث". اهـ وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: الحارث بن عمير من أصحاب أيوب، ثقة ثقة، كان إسماعيل حدثنا عنه، وابن عيينة يحدث عنه. ("سؤالات أبي داود" للإمام أحمد [ص ٢٣٥]، و"المعرفة والتاريخ" [٢/ ١٩٦]). وقال ابن محرز: سمعت أبا بكر بن شيبة وذكر أبا عمير -يعني الحارث بن عمير- فقال: كان ثقة. ("سؤالات ابن محرز" لابن معين [٢/ ٢٢٢]). وقال المعلمي اليماني في "التنكيل" [١/ ٢٢٨ - ٢٣٣]: الحارث بن عمير وثقه أهل عصره والكبار. وقال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: كان حماد بن زيد يقدم الحارث بن عمير ويثني عليه. زاد غيره: ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب. وروى عنه عبد الرحمن ابن مهدي، وقد قال الأثرم عن أحمد: إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة. وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ثقة. زاد أبو زرعة: رجل صالح. وفي "اللالئ المصنوعة" [ص ١١٨ - ١١٩] عن الحافظ ابن حجر في ذكر الحارث: "استشهد به البخاري في "صحيحه"، وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي، وسفيان ابن عيينة، واحتج به أصحاب السنن". وفيها بعد ذلك: "قال الحافظ ابن حجر في "أماليه": "أثنى عليه حماد بن زيد، وأخرج له البخاري تعليقًا". ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمين فيه وكلامهم: أما الأزدي فقد تكلموا فيه حتى اتهموه بالوضع. راجع ترجمته في "لسان الميزان" [ج ٥ رقم ٤٦٤] مع لمع الرقم الذى يليه من قال الخطيب إلى آخر الترجمة فإنه كله متعلق بالأزدي. وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من "مقدمة الفتح": "لا عبرة بقول الأزدي، لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات. وذكر نحو ذلك في =
[ ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ترجمة خثيم بن عراك وغيرها". وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: قدمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر بتجريحه لضعفه هو. على أن الأزدي استند إلى ما استند إليه ابن حبان وسيأتي ما فيه. وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة، ولا نعلم ابن الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر، لأنه كثير الأوهام. وقد أثنى عليه الذهبي في "تذكرة الحفاظ" كثيرًا ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: كان كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره. قال الذهبي: نعم له وهمٌ كثير في تواليفه، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر، ومن أجل أن علمه من كتب صحف ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي. ثم ذكر عدة نصوص وهم ابن الجوزي في نقلها عن الأئمة، ثم قال: وأما الحاكم فأحسبه تبع ابن حبان، فإن ابن حبان ذكر الحارث في "الضعفاء" وذكر ما أنكر من حديثه، والذي يستنكر من حديث الحارث حديثان: الأول: رواه محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، عن حميد. والثاني: رواه ابن زنبور أيضًا عن الحارث، عن جعفر بن محمد. فاستنكرها ابن حبان وكان عنده أن ابن زنبور ثقة، فجعل الحمل على الحارث، وخالفه آخرون فجعلوا الحمل على ابن زنبور. قال مسلمة في ابن زنبور: تكلم فيه لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير، لا أصول لها، وهو ثقة. وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: ليس بالمتين عندهم، تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة. وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي. وساق الخطيب في "الموضح" فصلًا في ابن زنبور فذكر أن الرواة عنه غيروا اسمه على سبعة أوجه، وهذا يشعر بأن الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من "التهذيب": "قال ابن حبان: كان ممن يروى عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر بن محمد … "فذكر الحديث الثاني، وقول ابن حبان: "هذا موضوع لا أصل له"، ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" [ج ١ ص ١١٨]. وابن أبي الأزهر =
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هو ابن زنبور. وأسند الخطيب في "الموضح" هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور، ثم قال ابن حجر: "والذى يظهر لي أن العلة فيمن دون الحارث" -يعنى من ابن زنبور- وخالفهم جميعًا النسائى فوثق الحارث، ووثق ابن زنبور أيضًا. وقال مرة: ليس به بأس. قال المعلمي: لو كان لابد من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جدًا وأقدم. لكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين، ويحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور. وقد قال فيه ابن حبان نفسه في "الثقات": "ربما أخطأ". والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث كما يعلم من تأمل ترجمتهما. وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديث أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديث سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك كما تنبه جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديث عن الحارث ثم سمع من رجل آخر أحاديث كتبها في تلك الورقة ولم يسم الشيخ ثقة بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذلك الكتاب مدة ثم نظر فيه فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث. وقد وثق الأئمة جماعة من الرواة ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخ معينين منهم عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتمر، ومنهم الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك. فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفه فيما يرويه عن الحارث بن عمير. فإن قيل: فأين أنت عما في "الميزان": "ابن حبان: حدثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمود بن غيلان، أنبأنا أبو أسامة، ثنا الحارث بن عمير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله - ﷺ - فينا، فأتاه فقال: يا رسول الله لو اتخذنا لك مكانًا تكلم الناس منه، قال: بل اصبر عليهم ينازعوني ردائي ويطأون عقبي ويصيبني غبارهم حتى يكون الله هو يريحني منهم. رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله أو أن ابن عباس قاله - شك". فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحمل عليه غير الحارث. =
[ ٥٩ ]