قال يعقوب بن سفيان: قال سلمة: وسمعت سعيدًا يقول: كان سفيان ابن عيينة يقول: عليكم بسماع المتقدم الذى سمعتم مني (^١).
قال ابن حبان: سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت رباح بن خالد الكوفي يقول لسفيان بن عيينة في المسجد الحرام: يا أبا محمد: أبا معاوية يُحدّث عنك بشيء لم تحفظه اليوم، ووكيع يُحدّث عنك بشيء لم تحفظه اليوم، قال: صدقهم فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم (^٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا البرقاني، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي، أخبرنا الحسين بن إدريس قال: سمعت ابن عمار قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط في سنة سبع وتسعين، فمن سمع منه في هذه السنة وبعد هذا فسماعه لا شيء (^٣).
قال البيهقي: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبا الربيع بن سليمان، أنبا الشافعي، أنبا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فقلت: إنا خبأنا لك حيسًا، فقال: أما إني كنت
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ": [٢/ ١٧٨]. وسعيد هو ابن منصور.
(٢) "الثقات" [٨/ ٢٤٢].
(٣) "تاريخ بغداد": [٩/ ١٨٣].
[ ١٤٤ ]
أريد الصوم ولكن قربيه".
هكذا رواه جماعة عن سفيان بن عيينة، وكذلك رواه جماعة عن طلحة ابن يحيى لم يذكر أحد منهم القضاء في هذا الحديث.
وقد أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبا أبو محمد بن حيان الأصبهاني، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن جميل، ثنا محمد بن عمرو بن العباس، ثنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمته، عن عائشة قالت: دخل النبى - ﷺ - فقلت: خبأنا لك حيسًا، فقال: إني كنت أريد الصوم، ولكن قربيه وأقضي يومًا مكانه".
وكان أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى يحمل في هذا اللفظ على محمد بن عمرو بن العباس الباهلي هذا، ويزعم أنه لم يروه بهذا اللفظ غيره، ولم يتابع عليه، وليس كذلك فقد حدث به ابن عيينة في آخر عمره، وهو عند أهل العلم بالحديث غير محفوظ.
أخبرنا بذلك أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي، ثنا شافع بن محمد، أنبا أبو جعفر بن سلامة، ثنا المزني، ثنا الشافعي، أنبا سفيان فذكر هذا الحديث باللفظ الذى رواه الربيع وزاد في آخره سأصوم يومًا مكانه.
قال المزني: سمعت الشافعي يقول: سمعت سفيان عامة مجالسه لا يذكر فيه سأصوم يومًا مكانه، ثم عرضته عليه قبل أن يموت بسنة فأجاب فيه سأصوم يومًا مكانه.
قال الشيخ: وروايته عامة دهره لهذا الحديث لا يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن طلحة بن يحيى لا يذكره منهم أحد منهم سفيان الثوري
[ ١٤٥ ]
وشعبة بن الحجاج وعبد الواحد بن زياد ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان ويعلي بن عبيد وغيرهم تدل على خطأ هذه اللفظة والله أعلم.
وقد روى من أوجه أخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة (^١)
قال ابن حجر: محمد بن عاصم الثقفي الأصبهاني العابد صاحب ذاك الجزء العالي، روى عن سفيان بن عيينة، سمع منه بعد التغير (^٢).
قال الذهبي: وروى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء.
قلت: سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب ذاك الجزء العالي، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع. فأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها، لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر.
وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان، وأعده غلطًا من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج ووقت تحدثهم عن أخبار الحجاز، فمتى تمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان، ثم يشهد عليه بذلك، والموت قد نزل به، فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع، مع أن يحيى متعنت جدًا في الرجال وسفيان فثقة
_________________
(١) "السنن الكبرى": [٤/ ٢٧٥].
(٢) "تهذيب التهذيب": [ترجمة محمد بن عاصم].
[ ١٤٦ ]
مطلقًا. والله أعلم (^١).
قال العلائي: قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: أشهد بالله أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وستين، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء.
قلت: عامة من سمع منه إنما كان قبل سنة سبع، ولم يسمع منه متأخر في هذه السنة إلا محمد بن عاصم الأصبهاني، ولم يتوقف أحد من العالمين في الاحتجاج بسفيان.
فهو من القسم الأول، بل لعل هذا لا يصح عن يحيى بن سعيد، لأنه مات في صفر سنة ثمان وتسعين، ولم يكن حينئذ بالحجاز، والله أعلم (^٢).
قال ابن حجر معلقًا على ما نقله ابن عمار عن يحيى القطان: قرأت بخط الذهبي: أنا أستبعد هذا القول وأجده غلطًا من ابن عمار، فإن القطان مات أول سنة ٩٨ عند رجوع الحجاج وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يمكن من سماع هذا حتى يتهيأ له أن يشهد به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسط السنة. انتهى
وهذا الذى لا يتجه غيره لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة، واعتمد
_________________
(١) "ميزان الاعتدال": [٢/ ١٧٠].
(٢) كتاب "المختلطين": [ص ٤٥ - ٤٧].
[ ١٤٧ ]
قولهم، وكانوا كثيرًا فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعد بن السمعانى في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من ذيل "تاريخ بغداد" بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول فإني قد سمنت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة كتاب "الإيمان" لأحمد أن هارون بن معروف قال له: أن ابن عيينة تغير أمره بآخره وأن سليمان بن حرب قال له: أن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب، وكذا ذكر (^١)
ثم قال الذهبي: سمع من ابن عيينة في سنة سبع محمد بن عاصم الأصبهاني صاحب الجزء العالي (^٢).
قال المعلمي اليماني: "كان ابن عيينة بمكة والقطان بالبصرة، ولم يحج القطان سنة سبع فلعله حج سنة ست، فرأى ابن عيينة قد ضعف حفظه قليلًا، فربما أخطأ في بعض مظان الخطأ من الأسانيد، وحينئذ سأله فأجابه كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر، ثم كأنه بلغ القطان في أثناء سنة سبع أو أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة أخطأ في حديثين فعد ذلك تغيرًا،
_________________
(١) قال محقق "تهذيب التهذيب": بياض بالأصل.
(٢) "تهذيب التهذيب". وانظر ما قاله ابن الصلاح في ترجمة عبد الرزاق.
[ ١٤٨ ]
وأطلق كلمة اختلط على عادته في التشدد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على علم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثير من أهل العلم وشاع وذاع، وهذا "جزء محمد بن عاصم" سمعه من ابن عيينة في سنة سبع، ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفًا واحدًا، فالحق أن ابن عيينة لم يختلط، ولكن كبر سنة فلم يبق حفظه على ما كان عليه، فصار يخطئ في الأسانيد التى لم يكن قد بالغ في إتقانها كحديثه عن أيوب، والذي يظهر أن ذلك خطأ هين، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة ووثقوا ابن عيينة مطلقًا". اهـ (^١)