التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح.
تسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يُقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسرًا.
ومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راوٍ معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلسًا، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رُد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه عن غير ثقة.
وإنما يُستثنى منه من كان التدليس شعارًا له، حتى كثر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن)، فهذا يُرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه.
والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب أظهرها:
أولًا: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأُطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان شهد بعض النقاد ببراءتهم منه.
ومما يبين ذلك -مثلًا- أن الحسن البصري أُطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئًا معينًا دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي (^١).
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد حفظه الله: الحسن البصري ذكره النسائي في
_________________
(١) "تحرير علوم الحديث" (٢/ ٩٨١).
[ ١٣٨ ]
المدلسين، وذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" في "الجنس السادس من المدلسين" وهم: "قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم" ومثل لذلك بقوله: "أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئًا قط".
والمتتبع لروايات الحسن في الصحاح، وحال سماعاته ممن فوقه، وطريقة الأئمة المتقدمين في تصحيحها وتضعيفها، وأقوال المتقدمين في تدليسه يرى أن غالب تدليسه المراد به "الصورة الثانية" وهو "الرواية عمن لم يسمع منه"، فهو من قبيل "المرسل" في الحقيقة، فلا ينظر فيه إلى "العنعنة" ولا" التحديث" بل ينظر فيه إلى كتب "المراسيل" فمن ثبت عدم سماعه منه فهو منقطع وإلا فمتصل.
وإذا انتقلنا إلى كتب المتأخرين نجد أن العلائي ﵀ قد قسم المدلسين إلى خمسة أقسام بحسب قبول "عنعنتهم وردها" وجعل مرتبة "الحسن" في المرتبة الثالثة وهي: "من توقف فيه جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع وقبلهم آخرون مطلقًا".
فتجد الفرق بينه وبين المتقدمين في هذا النقل من نواحي:
١ - أنه جعله تدليسًا بالمعنى الخاص "الرواية عمن سمعه مالم يسمع منه" لأنه نظر فيه إلى العنعنة وأشركه مع غيره ممن قد يدلسون عمن سمعوهم، والمرسل لا ينظر فيه إلى العنعنة بل إلى ثبوت السماع، بينما لم يذكر المتقدمون هذا، بل تدليسه بمعنى الإرسال.
٢ - أنه جعل عنعنته متوقفًا فيها عند قوم ولم يذكرهم، ولم يذكر المتقدمون أحدًا توقف في الاحتجاج بعنعنة الحسن ممن سمع منه، بل احتج المحدثون بعنعنتة عمن سمع منه -كما سيأتي في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى-.
وقال الشيخ أيضًا: (صـ ١٧٨ - ١٨٠): قال الدارقطني ﵀ في "التتبع" (صـ ٣٢٣): "وأخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة: منها حديث
[ ١٣٩ ]
"الكسوف"، ومنها "زادك الله حرصًا ولا تعد"، ومنها "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ومنها "ابني هذا سيد"، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة. اهـ
وقد أخرج البخاري هذه الأحاديث كلها عن الحسن عن أبي بكرة بالعنعنة إلا حديث "إن ابني هذا سيد" فقد أخرجه (٢٥٥٧) بتصريح الحسن فيه بالسماع: "قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله -ﷺ- على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
ثم قال البخاري ﵀ بعد هذا الحديث: "قال لي علي بن عبد الله -هو ابن المديني: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث". اهـ
وتفيد طريقة إعلال الدارقطني لأحاديث الحسن عن أبي بكرة، وطريقة احتجاج علي بن المديني والبخاري بأحاديثه هنا فوائد منها:
١ - أن الأحاديث الأخرى التى عن الحسن عن أبي بكرة كلها بالعنعنة من جميع الطرق، لأن ابن المديني قال -ونقله عنه البخاري في صحيحه-: "إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث" -يعني ثبت بحديث واحد فقط دون باقي الأحاديث- ومع ذلك احتج البخاري بها، ومثله شيخه ابن المديني، وفى هذا رد على من قال إن أحاديث المدلسين المعنعنة في الصحيحين محمولة على التصريح بالسماع من طرق أخرى.
٢ - أن عنعنة المدلس إذا كان المراد بتدليسه الإرسال" كالحسن "يكفي في إثبات اتصال حديثه عن المروي عنه وروده مصرحًا فيه بالسماع ولو في حديث واحد، كما هو واضح من تصرف ابن المديني وذكر البخاري له في صحيحه، إذ احتجا بتصريحه بالسماع في حديث "إن ابني هذا سيد" على اتصال الأحاديث الأخرى.
٣ - أن تعليل حديث المدلس "المرسل" كالحسن هو في إثبات عدم سماعه
[ ١٤٠ ]
لمن أرسل عنه مطلقًا، فإن الدارقطني لم يعل الحديث بمجرد العنعنة، بل قال: "لا يروى إلا عن الأحنف عن أبي بكرة"، فأثبت أن بينهما واسطة، ولو أراد الإعلال بمجرد العنعنة" لأغنى عن ذكر الواسطة (^١).
قال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله: الأدلة على أن تدليس الحسن هو (رواية المعاصر عمن لم يلقه).
الدليل الأول: هو في الحقيقة الدراسة التطبيقية الآتية جميعها! فتلك الدراسة كلها تدور حول رواية الحسن عمن عاصرهم: ممن سمع منهم، ومن لم يسمع منهم، وهذه الدراسة كلها تثبت كثرة رواية الحسن عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، وجُلّها فيمن قيل إنه لم يسمع منهم.
والدراسة التطبيقية كلها تعلن أنه لا يُعلم في الرواة من هو مثل الحسن البصري في كثرة مباحث بابه في روايته عمن عاصرهم وقيل إنه لم يسمع منهم، ولا يكاد يقاربه راوٍ من الرواة في ذلك، وتأتي طبقة بعده، قد تنتظم أمثال: إبراهيم النخعي، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة، ومكحول الشامي، ونحوهم.
ألا يكفي هذا كله لإثبات أن من وصف الحسن بالتدليس إنما وصفه به لروايته عن معاصرين له لم يلقهم؟!!!
فإذا كان هذا كله لا يكفي، لأن يكون وصف الحسن بالتدليس إنما هو من أجله فلن يوصف أحد من الرواة بالتدليس للرواية عن معاصر لم يلقه إذًا!! فكل من سوى الحسن أقل منه في إشكالات روايته عمن لم يلقهم من المعاصرين!!!
الدليل الثاني: أن بعض الذين وصفوا الحسن بالتدليس هو أنفسهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يصفون الحسن بالتدليس لروايته عن معاصرين لم يلقهم!!
فهل بعد هذا شيء؟!
_________________
(١) "منهج المتقدمين في التدليس" (صـ ٧٢ - ٧٣).
[ ١٤١ ]
فأقدم من وصف الحسن بالتدليس هو خلف بن سالم، كما تقدم (^١).
وأصرح من موقف خلف بن سالم موقف ابن حبان في وصفه الحسن بالتدليس!
وقد تقدم في (الباب الأول) إثبات أن ابن حبان كان من أصرح وأوضح من أطلق التدليس على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، هذا أولًا (^٢).
وهو كاف في إبطال الاحتجاج بمجرد إطلاق ابن حبان (التدليس) على الحسن، لورود احتمال قوي على ذلك الإطلاق، لا يجعل (التدليس) الذى أطلقه ابن حبان على الحسن من نوع (التدليس) الذى يوجب التوقف في قبول (العنعنة).
وثانيًا: أن ابن حبان وإن كان أطلق صفة (التدليس) على الحسن، من دون تقييد التدليس بصفة أخرى، في ترجمة الحسن البصري في كتابيه: "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار"، إلا أنه بيّن ما أجمله في مقدمة كتابه" المجروحين"!
فقد عدد ابن حبان في فصل طويل أنواعًا من أنواع الجرح، ثم قال خلال ذلك: "ومنهم المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطأة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون، حتى لا يُعلم ذلك منهم" (^٣).
وأتبع ابن حبان هذا (النوع) بأمثلة له، فذكر عدة أمثلة، منها: رواية الحسن البصري عن أبي هريرة، مع عدم سماعه منه، وذلك بإخراجه خبرًا عن شعبة بن الحجاج، أنه قال: "قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا كلمة".
_________________
(١) راجع كلام الشيخ عن وصف خلف بن سالم للحسن بالتدليس. وقد تقدم أن في الإسناد إلى خلف بن سالم راوٍ لم أقف على أحدٍ وثقه.
(٢) انظر ترجمة (بشير بن المهاجر) من هذا الكتاب.
(٣) "المجروحين" لابن حبان (١/ ٨٠).
[ ١٤٢ ]
فهذا قاطع أن ابن حبان وصف الحسن بالتدليس، لروايته عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، كأبي هريرة ﵁.
فلا يحتج أحد بعد هذا، لرد عنعنة الحسن، بأن ابن حبان أطلق (التدليس) على الحسن البصري!
وبعد ابن حبان ننتقل إلى الحاكم النيسابوري، حيث إنه ذكر الحسن في سياق ذكره للتدليس والمدلسين، من كتابه "معرفة علوم الحديث".
وبيان ذلك: أن الحاكم خصَّ نوعًا من (أنواع علوم الحديث) بمعرفة المدلسين، وجاء في هذا النوع كلام خلف بن سالم الذى سبق شرحه، الذى جاء في وصف الحسن بالتدليس، فأورد الحاكم كلام خلف بن سالم إبراد المُحتج، والمتخذ منه قاعدة يُؤسس عليه مع غيره من النقول (^١).
ثم زاد الحاكم الأمر تأكيدًا: أنه يعتبر الحسن مدلسًا، عندما قسم التدليس إلى ستة أقسام، مثَّل للقسم السادس منها بعدة أمثلة، منها قوله: "فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من ابن عمر، ولا من ابن عباس شيئًا قط" (^٢).
ومع قوة هذا التمثيل على الدلالة بأن الحسن عند الحاكم داخل ضمن المدلسين إلا أن الأقوى من ذلك هو أن الحاكم إنما اعتبره مدلسًا لأنه (يروي عمن عاصره ولم يلقه).
فلا أحسب أحدًا ينطق بالجهالة بعد ذلك!! يقول: إن الحسن مردود العنعنة عند الحاكم!!
وبعد الحاكم ننتقل إلى أحد أعلام الأئمة المتأخرين، وهو الإمام الذهبي، حيث إنه ممن وصفوا الحسن بالتدليس، كما سبق (^٣).
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" للحاكم (١٠٨).
(٢) "معرفة علوم الحديث" للحاكم (١١١).
(٣) "المرسل الخفي" (١/ ٤٦٥ - ٤٧٣).
[ ١٤٣ ]
وقال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله أيضًا: وبما أنه قد ثبت عن بعض الأئمة المتقدمين، أن وصفهم الحسن بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصره ولم يسمع منهم، وجب حمل وصف النسائي بالتدليس عليه أيضًا. لأن الأئمة وخاصة المتقدمين منهم، إنما يردون -في الغالب- موردًا واحدًا، ويصدرون عن مصدر واحد، وبعضهم مرآة بعض، وكلامهم يخرج من مشكاة واحدة. فإجمال بعضهم يبينه بيان بعض، وإطلاق الواحد منهم يقيده تقييد غيره وعموم كلام الإمام يُخصصه تخصيص أخيه.
وقد سبق عن ابن أبي حاتم، أنه ذكر قولين لابن معين في راوٍ واحد، فقال معقبًا على ذلك: "اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في: المبارك بن فضالة، والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولًا منهما محفوظًا عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر نظرائه" (^١).
فهذه قاعدة حسنة في حمل كلام الأئمة بعضه على بعض، ما دام يحتمل ذلك. لذلك حمل وصف النسائي للحسن بالتدليس، على أنه تدليس: (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، هو المحمل الصحيح، الذى ينبغي حمل وصف النسائي عليه (^٢).
قلت: الذي يظهر لي أن الحسن البصري لا يصح وصفه بالتدليس إلا عن سمرة ابن جندب، فإنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (^٣)، ودلس عنه باقي الأحاديث. ولعل وصف النسائي له بالتدليس كان خاصًا بروايته عن سمرة.
قال النسائي: الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث
_________________
(١) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٨/ ٣٣٩).
(٢) "المرسل الخفي" (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
(٣) انظر تفصيل ذلك في ترجمة (الحسن البصري) من كتابي "إكمال جامع التحصيل في ذكر رواة المراسيل".
[ ١٤٤ ]
العقيقة والله تعالى أعلم (^١).
أما باقي شيوخ الحسن البصري، فلا أظن أن النسائي يرى أنه يدلس عنهم. وقد وصف النسائي إسماعيل بن أبي خالد بالتدليس، والتدليس الموصوف به خاص بروايته عن الشعبي، ووصف حميد الطويل بالتدليس، والتدليس الموصوف به حميد خاص بروايته عن أنس.
ووصف عبد الله بن أبي نجيح بالتدليس، والتدليس الموصوف به ابن أبي نجيح خاص بروايته التفسير عن مجاهد، فإنه لم يسمع التفسير عن مجاهد، أما باقي حديثه عن مجاهد فسمعه منه.
ووصف أبا الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس بالتدليس، والتدليس الموصوف به أبو الزبير خاص بروايته عن جابر.
ووصف الحكم بن عتيبة بالتدليس، والتدليس الموصوف به الحكم خاص بروايته التفسير عن مجاهد.
ووصف يونس بن عبيد بالتدليس، والتدليس الموصوف به يونس خاص بروايته مسائل الحسن.
والنسائي ﵀ وصف في كتابه "المدلسين" عددًا من الرواة بالتدليس (^٢)، إلا أنه لم يبين هل كل راوٍ من هؤلاء يدلس عن جميع شيوخه أم يدلس عن البعض دون البعض، وهل كل راوٍ منهم مكثر من التدليس أم لا.
فينبغي النظر في كلام باقي العلماء في الراوي الذى وصفه النسائي بالتدليس، فقد يكون تدليسه خاص بأحد شيوخه فقط والله أعلم.
وقال ابن حزم: وأما المُدلس فينقسم إلى قسمين:
حافظ عدل ربما أرسل حديثه، وربما أسنده، وربما حدث به على سبيل
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١/ ٥٢٢)، و"السنن الصغرى" (ح ١٣٧٩).
(٢) سبق ذكرهم في ترجمة "إسماعيل بن أبي خالد".
[ ١٤٥ ]
المذاكرة، أو الفتيا، أو المناظرة، فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لا يضر ذلك سائر رواياته شيئًا، لأن هذا ليس جرحة ولا غفلة، لكننا نترك حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وماعلمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه مالم نوقن فيه شيئًا من ذلك.
وسواء قال: "أخبرنا"، أو قال: "عن فلان"، أو قال: "فلان عن فلان"، كل ذلك واجب قبوله، ما لم يتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته، وقد روينا عن عبد الرزاق بن همام، قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه عبد الله ابن المبارك أسندها له.
وهذا النوع منهم كا جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين: كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة.
وقد أدخل على عمر بن عمر الدارقطني فيهم مالك بن أنس، ولم يكن كذلك، ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه، أرسله مرة، وأسنده أخرى (^١).
قلت: التعريف الذى عرف به ابن حزم القسم الأول من التدليس لم أجد أحدًا وافق ابن حزم عليه، فالأشياء التى ذكرها ابن حزم لا تُعد من التدليس، والمثال الذى ذكره عن عبد الرزاق لا نستطيع من أجله وصف معمر بالتدليس، وكذلك لا نستطيع وصف مالك بالتدليس لأنه كان يرسل بعض حديثه أحيانًا، ويسنده أحيانًا.
وتعريف ابن حزم السابق للتدليس مختلف عن تعريف العلماء له، وابن حزم ﵀ لم يكن من الراسخين في هذا الفن، وعليه مؤاخذات كثيرة في علم الحديث ويكفي أنه قال عن الإمام الترمذي: أنه مجهول.
_________________
(١) "الإحكام في أصول الأحكام" (١/ ١٨٤ - ١٨٥) (باب: "الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة").
[ ١٤٦ ]
قال ابن القطان الفاسي: والترمذي أحد الأئمة الحفاظ المتقنين، وقد جهل من جهله، كما اعترى أبا محمد بن حزم فيه، وقد شهد له بالإمامة -زيادة إلى ما يعرف الناس من حاله- جماعة ممن عرض لذكر أمثاله. وذكره في جملة الأئمة: الدارقطني وأبو عبد الله بن البيع (^١) وغيرهما (^٢).
وانظر أيضًا التعليق على قول ابن حزم الذى في ترجمة شريك بن عبد الله النخعي.