ذكر الحافظ ابن حجر: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ أبو نعيم في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة منها "حلية الأولياء"، وكـ "معرفة الصحابة "وكـ "المستخرجين على الصحيحين"، كانت له إجازة من ناس أدركهم ولم يلقهم، فكان يروي عنهم بصيغة أخبرنا، ولا يبين كونها إجازة، لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول: حدثنا، سواء كان ذلك قراءة أو سماعًا، وهو اصطلاح له، وتبعه عليهم بعضهم وفيه نوع تدليس بالنسبة لمن لا يعرف ذلك.
قال الخطيب: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين.
قال الذهبي: هذا مذهب رآه أبو نعيم، وهو ضرب من التدليس، وقد فعله غيره (^١).
قال الذهبي: قال محمد بن طاهر المقدسي: سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: سألت محمد بن إبراهيم العطار مستملي أبي نعيم عن جزء محمد بن عاصم كيف قرأته على أبي نعيم، وكيف رأيت سماعه؟ فقال: أخرج إلي كتابًا وقال: هو سماعي، فقرأت عليه.
ثم قال الخطيب: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنها يقول في الإجازة: أخبرنا، من غير أن يبين.
قال الحافظ أبو عبد الله النجار: جزء محمد بن عاصم قد رواه الأثبات عن أبي
_________________
(١) "تعريف أهل التقديس" (صـ ٧٢ - ٧٣). وكلام الذهبي الذي ذكره الحافظ ابن حجر قاله الذهبي في "الميزان" (١/ ١١١).
[ ٤٥ ]
نعيم، والحافظ الصدوق إذا قال: هذا الكتاب سماعي جائز أخذه عنه بإجماعهم.
قلت: قول الخطيب: كان يتساهل .. إلى آخره، هذا شيء قل أن يفعله أبو نعيم، وكثيرًا ما يقول: كتب إلي الخلدي، ويقول: كتب إلي أبو العباس الأصم وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. ولكن رأيته يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس الذى سمع منه كثيرًا وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه، فيوهم أنه سمعه، ويكون مما هو له بالإجازة. ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس، وتوسعوا فيه. وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل الأصم وأبي ميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع منهم بل له منهم إجازة، كان له سائغًا والأحوط تجنبه.
حدثني أبو الحجاج الكلبي الحافظ أنه رأى خط الحافظ ضياء الدين قال: وجدت بخط أبي الحجاج بن خليل أنه قال: رأيت أصل سماع الحافظ أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم.
قلت: فبطل ما تخيله الخطيب وتوهمه، وما أبو نعيم بمتهم، بل هو صدوق عالم بهذا الفن، ما أعلم له ذنبًا -والله يعفو عنه- أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها (^١).
وقال الذهبي أيضًا: قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النخشبي يقول: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة بتمامه من ابن خلاد فحدث به كله.
قال ابن النجار: وهم في هذا فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي من هذا من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة. ثم تمثل ابن النجار ببيت:
_________________
(١) "السير" (١٧/ ٤٦٠).
[ ٤٦ ]
لو رجم النجم جميع الورى … لم يصل الرجم إلى النجم (^١)
قال المعلمي اليماني: قول الأستاذ: أبو نعيم الأصبهاني ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الإثنين حدثنًا.
أقول: يشير إلى ما في "تذكرة الحفاظ": قال يحيى بن منده الحافظ:
سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النخشبي يقول: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة بتمامة من ابن خلاد فحدث به كله.
أقول عقب هذا في "التذكرة": "قال ابن النجار: وهم النخشبي في هذا فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة".
أقُول: وقول النخشبي: فحدث إنما تعطي أن أبا نعيم حدث السامعين عنه لا أنه ذكر في كل حديث من المسند أن ابن خلاد حدثه، وابن منده ومن فوقه من خصوم أبي نعيم، كانت بين الفرقتين نفرة شديدة كما سيأتى، فلا يقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال على ما سلف من القواعد.
بقي أمران: أحدهما يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في "تذكرة الحفاظ".
الثاني: قال الذهبي: قال الخطيب: قد أريت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها أنه يقول في الإجازة: أخبرنا - من غير أن يبين. قال الذهبي: فهذا ربما فعله نادرًا فإني رأيته كثيرًا ما يقول: كتب إلى جعفر الخلدي، وكتب إلى أبو عباس الأصم وأنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قرأ عليه فالظاهر أن هذا إجازة.
وفى "فتح المغيث" للسخاوي" (صـ ٢٢٢) عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرح به فقال: إذا قلت أخبرنا على الإطلاق من غير أن
_________________
(١) "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٩٦).
[ ٤٧ ]
أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب إلي أو أذن لي فهو إجازة، أو: حدثنا فهو سماع.
قال ابن حجر: ويقوي التزامه لذلك أنه أورد في مستخرجه على علوم الحديث للحاكم عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقًا، وقال في آخر الكتاب: الذى رويته عن الحاكم بالإجازة.
أقول: وإذ قد عرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازة العامة بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته أو جميع علومه فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروى بها إلا ما ثبت عنده قطعًا أنه من مرويات المجيز فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة، وإن بان لنا أو احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقة عنده يحدث به عن المجيز فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة لأنه بمنزلة قوله: حدثني ثقة عندي، وإن بان لنا في رجل أنه قد روى بتلك الإجازة ما يسمع غير ثقة يحدث به عن المجيز فالتوقف في المروي أوجب، فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات، فإن كان قد عرف بذلك فذالك، وإلا فهو على يدي عدل.
وإذا تقرر هذا فقد رأيت في "تاريخ بغداد" (ج ٨ صـ ٣٤٥): "أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال: سألت خير النساخ … " فذكر قصة غريبة ثم قال الخطيب: قلت: جعفر الخلدي ثقة، وهذه الحكاية طريفة جدًا يسبق إلى إلقلب استحالتها، وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي نفسه إجازة وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم
أقول: فقول أبو نعيم: أخبرنا الخلدي في كتابه أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه، فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي، وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم، لكن لعلة اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاةح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج ٤ صـ ٤٢٩) وفيها:
[ ٤٨ ]
حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة. وقد تكلم الدَّارقُطْنِي وغيره في ابن مقسم، والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماع الواضح كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص ١٠٧) وفيه عن أبي نعيم: أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه (^١).
قلت: أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، فقال: كان يظهر النسك والصلاح، ولم يكن في الحديث ثقة.
حدثني علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول: أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم العطار المقرئ البغدادي حدث عمن لم يره، ومن مات قبل أن يولد. سمعت أبا الحسن بن لؤلؤ الوراق فيقول: سمعت أبا يعلي الوراق يقول: قال لي أبو الحسن بن مقسم: اكتب لي من أحاديث محمود بن محمد الواسطي، قال: فقلت له: متى سمعت منه؟ قال: وما كتبت له شيئًا.
قال حمزة: وسمعت الدَّارقطني وجماعة من المشايخ تكلموا في ابن مقسم، وكان أمره أبين من هذا.
سألت أبا نعيم الحافظ عن أحمد بن محمد بن مقسم، فقال: لين الحديث.
سمعت أبا القاسم الأزهري يقول: لم يكن أبو الحسن بن مقسم ثقة، ولد رأيته.
وسمعته ذكره مرة أخرى فقال: كان كذابًا.
_________________
(١) "التنكيل" (١/ ١٢١ - ١٢٣).
[ ٤٩ ]
أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: سنة ثمانين وثلاثمائة فيها توفي أبو الحسن بن مقسم العطار، وكان رجلًا صالحًا.
قال محمد بن أبي الفوارس: كان سيء الحال في الحديث، مذمومًا ذاهبًا، لم يكن بشيء البتة. اهـ
قلت: أما قصة خير النساج التى ذكرها الخطيب، فعلى ما قاله الخطيب، فإن أبا نعيم دلس في هذه القصة تدليس التسوية. وما أظن أن تدليس التسوية وقع من أبي نعيم إلا في هذه القصة، أما التوقف في جميع ما يرويه أبو نعيم بالإجازة لأجل هذه القصة فأمرٌ صعب، وقد أثنى الأئمة على أبي نعيم ولم يتوقفوا في شيء من حديثه والله أعلم.