قال الخطيب البغدادي: الضرب الأول من التدليس: تدليس الحديث الذى لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان بذلك، ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذى دلسه عنه، فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلًا للحديث غير مدلس فيه، لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه، وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذى ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلس ممسكًا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العُلماء من أرسل الحديث، وذموا من دلسه (^١).
وقال ابن عبد البر: التدليس هو أن يُحدث الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن تُرضى حاله، أو لا تُرضى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مُرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره.
هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك.
واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل: مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهما لو شاء لسميا من حدثهما، كما فعلا في كثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة.
_________________
(١) "الكفاية" (ص ٥١٠ - ٥١١).
[ ١٠ ]
قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العُلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا، لاسيما شعبة، فهو القائل: لأن أزني أحب إلى من أن أدلس.
وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرناه يجري عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر وعمر، وهو لم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسًا، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب (^١).
وقال ابن الصلاح: تدليس الإسناد هو أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر.
ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: أخبرنا فلان، ولا حدثنا، وما أشبههما، وإنما يقول: قال فلان أو عن فلان، ونحو ذلك (^٢).
وقال الذهبي: المُدلس ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه. فإن صرح بالاتصال وقال: حدثنا، فهو كذاب، وإن قال: عن، احتُمل ذلك ونُظر في طبقته: هل يدرك من هو فوقه؟ فإن كان لقيه فقد قررناه، وإن لم يكن لقيه فامكن أن يكون معاصرة، فهو محل تردد، وإن لم يكن فمنقطع: كقتادة عن أبي هريرة. وحكم "قال" حكم "عن".
ومن أمثلة التدليس: الحسن عن أبي هريرة. وجمهورهم على أنه منقطع لم يلقه.
وقد رُوي عن الحسن قال: حدثنا أبو هريرة، فقيل: عنى بحدثنا: أهل بلده (^٣).
_________________
(١) "التمهيد" (١/ ١٨ - ١٩).
(٢) "مقدمة ابن الصلاح" (صـ ٦٦).
(٣) "الموقظة" (ص ٤٧، ٤٩).
[ ١١ ]
وذكر العلائي كلام ابن عبد البر من "واختلفوا في حديث الرجل" إلى آخر كلامه، ثم قال: والقول الأول ضعيف، لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس، وإنما يجي ذلك فيما أطلقه الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال، وهو لم يسمعه منه، فأما إطلاقه الرِّواية عمن يعلم أنه لم يلقه أو لم يدركه أصلًا فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال، وذلك ظاهر، وعليه جمهور العُلماء والله أعلم.
والتدليس نوعان، أحدهما ما أشرنا إليه آنفًا بأن يروي الراوي عن شيخه حديثًا لم يسمعه منه بلفظ عن أو قال أو ذكر ونحو ذلك مما يوهم الاتصال ولا يصرح بحدثنا ولا أخبرنا ولا سمعت.
وهذا القسم حكمه في الحقيقة حكم المرسل، من جهة أنه لا يعرف الراوي الذى أسقط بينه وبين من دلس عنه، فكل مدلس مرسل، ولا ينعكس إلا على القول الضعيف الذى حكاه ابن عبد البر فيما تقدم (^١).
وقال العراقي: قوله: "هو أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه "إلى آخر كلامه، هكذا حد المُصَنف القسم الأول من قسمي التدليس الذى ذكرهما، وقد حده غير واحد من الحفاظ بما هو أخص من هذا، وهو أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه، هكذا حده الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في جزء له في معرفة من يُترك حديثه أو يُقبل، وكذا حده الحافظ أبو الحسن بن محمد بن عبد الملك بن القطان في كتاب "بيان الوهم والإيهام"، قال ابن القطان: والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه انتهى.
ويقابل هذا القول في تضييق حد التدليس القول الآخر الذى حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" أن التدليس أن يحدث الرجل بما لم يسمعه. قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد، لا مالك ولا غيره.
_________________
(١) "جامع التحصيل" (صـ ٩٧ - ٩٨).
[ ١٢ ]
وما ذكره المُصَنِّف في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرت قول البزار وابن القطان كيلا يغتر بهما من وقف عليهما، فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك والله أعلم (^١).
قال بدر الدين الزركشي: قول ابن الصلاح: "هو أن يروي عمن لقيه … " إلى آخره أي شرط التدليس أن يكون المدلس قد لقى المروي عنه، ولم يسمع منه ذلك الحديث الذى دلسه عنه، وشرط البغوي في "شرح السنة" أن يكون مشهورًا بالرواية عنه، أما إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فليس بتدليس على الصحيح المشهور، بل هو من قبيل الإرسال، كما سبق بابه عن حكاية الخطيب وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه تدليس، فجعلوا التدليس أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضى تصريحًا بالسماع، وإلا لكان كذبًا، قال ابن عبد البر: "وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره".
وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام": "التدليس أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمع منه". وكذلك قال الحافظ أبو بكر البزار صاحب "المسند" في جزء له في معرفة من يُترك حديثه أو يُقبل (^٢).
وذكر ابن حجر تعريف ابن الصلاح لتدليس الإسناد، ثم قال: وقوله: "عمن عاصره" ليس من التدليس في شيء، وإنما هو: المرسل الخفي، كما سيأتي تحقيقه عند الكلام عليه.
وقد ذكر ابن القطان في أواخر البيان له (^٣) تعريف التدليس بعبارة غير معترضة، قال: "ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم
_________________
(١) "التقييد والإيضاح" (صـ ٩٧ - ٩٨).
(٢) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (٢/ ٦٨ - ٦٩).
(٣) هو كتاب "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام".
[ ١٣ ]
يسمع منه، ولما كان في هذا قد سمع منه، جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه، كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سُمي تدليسًا". انتهى
وهو صريح في التفرقة بين التدليس والإرسال، وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع، بخلاف الإرسال -والله أعلم-. وابن القطان في ذلك مُتابع لأبي بكر البزار، وقد حكى شيخنا كلامهما، ثم قال: "إن الذى ذكره المُصَنِّف في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلام البزار وابن القطان لئلا يُغتر به".
قلت: ولا اغترار هنا، بل كلامهما هو الصَّواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم.
هذا ما يقتضيه النظر، وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر، فكلام الخطيب في باب التدليس من "الكفاية" يؤيد ما قاله ابن القطان.
قال الخطيب: التدليس متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العُلماء من أرسل، وذموا من دلس -والله أعلم-.
قلت: والذى يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقى، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي -ﷺ- من قبيل المرسل، لا من قبيل المدلس. وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه "الكفاية": "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذى ليس بمدلس وهو رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه ثم مثل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي -ﷺ-، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري، ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد". انتهى.
فقد بيّن الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك
[ ١٤ ]
مرسل لا مدلس. والتحقيق فيه التفصيل، وهو أن من ذُكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال (^١).
وقد تبع السخاوي الحافظ ابن حجر في إطلاق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه، وعدم إطلاقه على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه وإطلاق ذلك على الإرسال الخفي (^٢).
قلت: الراجح عندي أن التدليس يُطلق على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، وُيطلق أيضًا على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم كـ " عن "أو" "قال".
أما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ غير موهم كـ "أُخبرت عن" أو" حُدثت عن "أو" بلغني عن "فهذا يُسمى إرسالًا ولا يُسمى تدليسًا.
وكذلك يُطلق الإرسال على رواية الراوي عمن لم يدركه.
وأكثر الأئمة المتقدمون أطلقوا التدليس على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم، كما أطلقوه على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه.
وإليك الأدلة عنى أن المتقدمين كانوا يسمون رواية الراوي عمن أدركه ولم يسمع منه بلفظ موهم تدليسًا.
قال الخلال: قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان"؟ فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي رواد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون دلسه، سمعه من إنسان
_________________
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ٦١٤، ٦١٥، ٦٢٣).
(٢) "فتح المغيث" (١/ ٢٠٨ - ٢١٠).
[ ١٥ ]
فحدث به (^١).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: حدث هشيم عن سفيان الثوري، فقال: دلس عنه (^٢).
قلت: هشيم ليس له رواية عن سفيان الثوري في الكتب الستة، وهشيم والثوري كلاهما من الطبقة السابعة، وكلاهما يروي عن حصين بن عبد الرحمن فلعل ما رواه هشيم عن الثوري بلغه عن الثوري ولم يسمعه منه، فدلسه عنه، وهذا دليل آخر على أن أحمد كان يُطلق التدليس على الإرسال الخفي.
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه، فدلسه عنه (^٣).
وقال الدوري أيضًا: سمعت يحيى يقول: دلس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه (^٤). وقال أيضًا: سمعت يحيى يقول: داود بن أبي القصاف يروي عنه سعيد بن أبي عروبة، ويروي عنه داود بن الزبرقان، يدلس عنه (^٥). (^٦)
قال ابن محرز: سمعت ابن نمير يقول: قال أبو نعيم: أحاديث عبد السلام - يعني الملائي- عن سالم إنما هي أحاديث شريك كلها.
قال ابن نمير: كان عبد السلام يدلس (^٧). (^٨)
_________________
(١) "المنتخب من العلل" للخلال (صـ ٢٢٧).
(٢) "العلل ومعرفة الرجال" (٣/ ٢١٠).
(٣) "تاريخ الدوري" (٤/ ٢٠٧).
(٤) "تاريخ الدوري" (٤/ ٣٨٠).
(٥) "تاريخ الدوري" (٤/ ٢٣٣).
(٦) انظر ترجمة "داود بن الزبرقان" من هذا الكتاب.
(٧) سؤالات ابن محرز لابن معين وغيره (٢/ ٢٢٣).
(٨) انظر ترجمة "عبد السلام بن حرب" من هذا الكتاب.
[ ١٦ ]
وقال الترمذي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن سواء، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها .. " الحديث.
فسألت محمد عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مشهور من حديث الأعمش ولكن لا أعرفه من حديث سعيد بن أبي عروبة، ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس، ويروي عنه (^١).
وقال البخاري: عباد عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود عن عكرمة، وربما دلسها فجعلها عن عكرمة (^٢).
وقال الخطيب البغدادي: أخبرني أبو بكر أحمد بن سليمان بن على المقرئ الواسطي، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: ثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، قال: ثنا جدي، قال: التدليس جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه على الرجل الذى قد سمع منه ويسمع من غيره عنه مالم يسمعه منه، فيدلسه يرى أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم إلا عن ثقة، فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذى رخص فيه من رخص من العُلماء (^٣).
وفى قول يعقوب: "فأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع منه" دليل على أن التدليس يطلق على رواية الراوي عمن لم يسمع منه كما يطلق على رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه.
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص ٣٤٨ - ٣٤٩).
(٢) "التاريخ الكبير" (٦/ ٤٠).
(٣) "الكفاية" (ص ٥١٦).
[ ١٧ ]
وقال يعقوب بن سفيان: وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر وعن هشام بن عروة وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمرى إنما روى عنهم مناكير (^١).
وقال يعقوب بن سفيان أيضًا: حدثنا ابن نمير، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، ولم يسمع من ثوبان، إنما هو تدليس (^٢).
وقال العجلي: حجاج بن أرطأة النخعي كوفي جائز الحديث، وكان له فقه، وكان على البصرة، وكان على الشرطة، وكان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تيه، وكان يقول: قتلنى حب الشرف، وولي قضاء البصرة، إلا أنه صاحب إرسال، كان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مجاهد ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مكحول ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن الزهري ولم يسمع منه شيئًا، فإنما يعيب الناس منه التدليس (^٣).
قال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله: يقول أبو جعفر أحمد ابن إسماعيل النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في "الناسخ والمنسوخ" معقبًا على حديث ذكره: وهذا لا حجة فيه، لأن الحجاج بن أرطاة يدلس عمن لقيه وعمن لم يلقه، فلا تقوم بحديثه حجة، إلا أن يقول: حدثنا أو أخبرنا أو سمعت.
وهذا من صريح القول في اعتبار رواية المعاصر عمن لم يلقه تدليسًا (^٤).
وقال ابن عدي: والحجاج بن أرطأة إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وعن غيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ١٢٣).
(٢) "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٢٣٦).
(٣) "الثقات" (ص ١٠٧).
(٤) "المرسل الخفي" (١/ ٥٥).
[ ١٨ ]
ممن يكتب حديثه (^١).
وقال ابن عدي أيضًا: وكان سعيد بن أبي عروبة ثبتًا عن كل من روى عنه، إلا من دلس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم (^٢).
وقال ابن حبان: النوع الثامن عشر من أنواع جرح الضعفاء: المدلس عمن لم يره كالحجاج بن أرطأة وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم.
سمعت محمد بن عمر بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: الحجاج بن أرطأة لم يسمع من الزهري ولم يره (^٣).
وقال ابن العراقي: قال الدَّارقُطْنِي في "العلل": لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبد الله بن حنطب شيئًا، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء (^٤).
وقال الحاكم: الجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع وليس عنهم سماع عالٍ ولا نازل (^٥).
وقال الخليلي: قد روى عن عكرمة جماعة ممن لم يلقوه، وإنما يدلسون، كالحسين بن واقد المروزي وغيره (^٦).
_________________
(١) "الكامل في ضعفاء الرجال" (٢/ ٢٢٩).
(٢) "الكامل في ضعفاء الرجال" (٣/ ٣٩٧).
(٣) "المجروحين" (صـ ٨٠).
(٤) "تحفة التحصيل" (صـ ٣١٧). وفى "فتح الباري" لابن رجب الحنبلي (٢/ ٥٣٠) (ح ٤٥٨): ويُقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة وغيره من الضعفاء.
(٥) "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٩).
(٦) "الإرشاد" (١/ ٣٤٩).
[ ١٩ ]
قال ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) في مقدمة كتابه" جامع الأصول في أحاديث الرسول" متكلمًا على التدليس: "رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرِّواية فيقولون: قال فلان، ممن هو معاصرهم، رأوه أو لم يروه، ولا يكن لهم عنه سماع أو إجازة، ولا طريق من الرِّواية … إلى آخر كلامه" (^١).
قلت: فإذا كان أحمد وابن معين وابن نمير والبخاري ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان والعجلي وأبو جعفر النحاس وابن عدي وابن حبان والدارقطني والحاكم والخليلي وابن الأثير قد سموا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم تدليسًا، فمن القوم بعدهم؟!
والخطيب البغدادي نفسه أطلق التدليس على رواية الراوي عمن عاصره بلفظ موهم، فقال في "تاريخ بغداد" (٨/ ٢٣٥): حجاج بن أرطاة كان مدلسًا، يروي عمن لم يلقه. فحجاج بن أرطأة عاصر الزهري وغيره، ولكنه لم يسمع منهم، وروى عنهم بصيغة موهمة كالعنعنة، ولم يبين أنه لم يسمع منهم (^٢)، فوصفه الخطيب البغدادي بالتدليس لذلك.
وقال الخطيب البغدادي في "الكفاية" (صـ ٥١١ - ٥١٢): ذكر شيء من أخبار بعض المدلسين. ثم ذكر بإسناده قول أحمد: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة شيئًا، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام ابن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد، وقد حدث عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم.
_________________
(١) "جامع الأصول" (١/ ١٦٧). نقلًا عن كتاب "المرسل الخفي" (١/ ١٢٤) للشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله.
(٢) انظر ترجمة (حجاج بن أرطأة) من كتابي "إكمال جامع التحصيل في ذكر رواة المراسيل".
[ ٢٠ ]
ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله بن علي بن المديني، قال: سألت أبي عن حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: "عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد".
قال: ابن جريج لم يسمع من المطلب بن عبد الله بن حنطب، كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى عنه.
ثم ذكر الخطيب مثالًا للأعمش، ومثالًا لسفيان بن عيينة.
قلت: وسعيد بن أبي عروبة لم يسمع من هؤلاء الرواة الذين ذكرهم أحمد، وروى عنهم بصيغة موهمة كالعنعنة، ولم يبين أنه لم يسمع منهم، فاطلق الخطيب على ذلك اسم التدليس.
وكذلك أطلق الخطيب اسم التدليس على رواية ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، لأنه لم يسمع منه، وروى عنه بصيغة موهمة، ولم يبين أنه لم يسمع منه.
وتعريف الخطيب للتدليس والإرسال ليس فيه دليل على أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه يُطلق عليها الإرسال فقط، ولا يُطلق عليها التدليس.
فالخطيب البغدادي قال في تعريف "تدليس الإسناد": "هو تدليس الحديث الذى لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه"، وهذه الصورة تشمل رواية الراوي عن شيخه الذى سمع منه مالم يسمع منه، وتشمل أيضًا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
والفرق بين التدليس والإرسال عند الخطيب هو وجود الإيهام في التدليس، وعدم وجوده في الإرسال.
وقول الخطيب في تعريف الإرسال: "إرسال الحديث الذى ليس بمُدلس" أي ليس فيه إيهام. فالراوي المُرسل يبين في روايته أنه لم يسمع ممن روى عنه، فيقول مثلًا: "أُخبرت عن فلان"، "أو" بلغني عن فلان"، أما المدلس فيقول:
[ ٢١ ]
"عن"، أو "قال" فيوهم السامع أنه سمع الحديث ممن روى عنه، وهو في الحقيقة لم يسمعه.
ومما سبق يتبين أن ليس في كلام الخطيب دليل على ما ذهب إليه الحافظ من التفرقة بين التدليس والإرسال الخفي.
أما رواية المخضرمين كقيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي -ﷺ-، فإن العُلماء لم يطلقوا عليها اسم التدليس، لأنه ليس في روايتهم عن النبي -ﷺ- إيهام بأنهم سمعوا منه، فالكل يعلم أن هؤلاء لم يسمعوا من النبي -ﷺ- مع إدراكهم له.