ذكر الحافظ ابن حجر إسحاق بن راشد الجزري في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: كان يطلق حدثنا في الوجادة، فإنه حدث عن الزهري، فقيل له: أين لقيته؟ قال: مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له، حكى ذلك
[ ٧٦ ]
الحاكم في "علوم الحديث" عن الإسماعيلي (^١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": إسحاق بن راشد الجزري ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم.
قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٩ - ١١٠): والجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم منهم سماع عالٍ ولا نازل.
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمذان، قال: حدثنا إبراهيم بن نصر قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثني صاحب لي من أهل الري يقال له أشرس، قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد، فقدم علينا إسحاق بن راشد فجعل يقول "ثنا الزهري" "ثنا الزهري"، قال: فقلت له: أين لقيت ابن شهاب؟ قال: لم ألقه، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له ثَمَّ.
ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٨/ ٢١٢) قال: أخبرنا أبو عبد الله البلخي، أنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم، أنا أبو بكر البرقاني، أنا أحمد ابن إبراهيم الإسماعيلي، نا عبد الله بن محمد بن مسلم، نا أيوب بن إسحاق بن سافري، نا علي -يعني ابن المديني-، نا أبو داود الطيالسي، نا صاحب لنا يقال له: أشرس -فن أهل الرأي ثقة- قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فذكر القصة، ثم قال: كذا قال أبو داود، وقد رويت عن أبي الوليد، ثم ذكر القصة من طريق الحاكم إلى أبي الوليد.
قلت: الحاكم لم يرو القصة من طريق الإسماعيلي، إنما الذى رواها من طريق الإسماعيلي هو ابن عساكر.
_________________
(١) "تعريف أهل التقديس" (صـ ٧٦ - ٧٧).
[ ٧٧ ]
وإبراهيم بن نصر هو أبو إسحاق الرازي له ترجمة في "السير" (١٣/ ٣٥٥) قال الذهبي: الحافظ الإمام المجود، محدث نهاوند.
وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب له ترجمة في "السير" (١٥/ ٤٧٧)، قال الذهبي: الإمام المحدث القدوة.
وأيوب بن إسحاق بن سافري هو أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري أبو سليمان البغدادي، ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٤١)، فقال: كتبنا عنه بالرملة، وذكرته لأبي فعرفه وقال: كان صدوقًا.
وعبد الله بن محمد بن مسلم هو أبو بكر الإسفراييني، له ترجمة في "السير" (١٤/ ٥٤٧)، قال الذهبي: الإمام الحافظ الناقد المتقن الأوحد، أرخه الحاكم أبو عبد الله وقال: من الأثبات المجودين في أقطار الأرض.
ذكر العلائي القصة السابقة، ثم قال: وهذا ليس من التدليس في شيء، لما تقدم أن شرط التدليس أن يكون اللفظ محتملًا لا صريحًا، فمتى كان صريحًا في السماع ولم يكن كذلك فهو كذب لا يقتضي الجرح لفاعله، اللهم إلا أن يؤول بتأويل بعيد، كما قيل فيما روي عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة، وتأوله من لم يثبت له السماع منه على أنه أراد: حدث أهل البصرة، فيكون الضمير عائدًا إليهم. وكذلك قول طاوس: قدم علينا معاذ اليمن، وهو لم يدركه، وإنما أراد قدم على أهل بلده، وهذه الأقسام متداخلة كما تراها، والتعاقد شرط في التقسيم (^١).
وقال صالح بن حامد الرفاعي في كتابه "الرواة الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم" (صـ ١٩٧ - ١٩٩): وهذا القصة مدارها على رجل من أهل الري يقال له: أشرس، وهو غير معروف بين أهل العلم، يدل ذلك على وصف كل من أبي الوليد وأبي داود له، ومن الجدير بالذكر أن أبا الوليد وأبا داود الطيالسيان
_________________
(١) "جامع التحصيل" (ص ١٠٠).
[ ٧٨ ]
كانا رفيقين في الرحلة إلى الري، فاشتركا في سماع هذه القصة من أشرس. (انظر "تاريخ بغداد" (٧/ ٢٥٦».
وقد بحثت في كتب "الرجال" -التى اطلعت عليها- فلم أجد ممن يقال له أشرس من يصلح أن يكون صاحب هذه القصة.
ولا يكفي توثيق أبي داود الطيالسي له، لأنه لم يذكر إلا اسمه الأول، وهذا لا يكفي في التعريف به، فتوثيقه هذا يشبه قول الراوي: "حدثني الثقة" وهو غير معتمد في التوثيق على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما حكاه السخاوي في "فتح المغيث" (صـ ٣٠٨).
وقد أشار كل من ابن عساكر وابن حجر إلى ضعف هذه القصة، فقال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٢/ ٣٧٨/ ب): وقد قيل: إن إسحاق لم يلق الزهري ".
وقال ابن حجر في "هدي الساري" (صـ ٣٨٩): "ورُوي عن ابن المديني عن الطيالسي عن أشرس -رجل من أهل الري- ما يدل على أنه لم يلق الزهري. وروى ابن أبي خيثمة بإسناد جيد عن إسحاق أنه لقى الزهري".
ومما يدل على عدم صحة هذه القصة -أيضًا- ثبوت ما يعارضها، فقد قال ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣): أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، قال: قال لي إسحاق بن راشد: كان الزهري إذا ذكر أهل العراق ضعف علمهم. قال: قلت: إن بالكوفة مولى لبني أسد يروى أربعة آلاف حديث، قال: أربعة آلاف؟، قال: قلت: نعم، إن شئت جئتك ببعض علمه. قال: فجيء به، فأتيته به. قل: فجعل يقرأ، وأعرف التغيير فيه، وقال: والله إن هذا لعلم، ما كنت أرى أحدًا يعلم هذا".
وعبد الله وعبيد الله الرقيان ثقتان. ومولى بني أسد الذى عناه إسحاق هو الأعمش سليمان بن مهران، كما صرح به إسحاق في الرواية الآتية.
وقال علي بن المديني: أخبرني عبد الجبار الخطابي قال: أخبرني مولانا
[ ٧٩ ]
إسحاق بن راشد قال: قال لي ابن شهاب: هل بقى أحد عنده علم؟ فذكر نحو القصة المتقدمة. ("المعرفة والتاريخ" (٣/ ١١٧».
وعبد الجبار هو ابن محمد العدوي من ذرية زيد بن الخطاب، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤١٨)، ووصفه أبو بكر محمد بن إبراهيم العاصمي بأنه جليل، قال: ورأيت أبا عروبة يثني عليه خيرًا، كما في "سؤالات السهمي" للدارقطني (رقم ٤١، ٣٢٨)، وترجم له ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (صـ ١٦٣)، فالقصة ثابتة.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: نا عبد الله بن جعفر، قال: سمعت عبيد الله بن عمرو وأبا المليح يقولان: قال إسحاق بن راشد: بعث محمد بن علي زيد بن علي إلى الزهري، قال: يقول لك أبو جعفر استوص بإسحاق خيرًا، فإنه منا أهل البيت … " ("تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢/ ٢/ ٣٧٨ ب».
وأبو المليح هو الحسن بن عمر الرقي، ثقة كما في "التقريب" (١/ ١٦٩).
وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر.
وهذا إسناد جيد كما قال ابن حجر في "هدي الساري" (صـ ٣٨٩)، وقد تقدم نص كلامه قريبًا.
وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٣١) -بعد ذكر هذه الحكاية-: "وهذا يدل على أنه لقى الزهري".
ومما يدل -أيضًا- على سماع إسحاق من الزهري: رواية البخاري في "صحيحه" (٨/ ٣٤٢) (رقم ٤٦٧٧) تصريح إسحاق بالتحديث عن الزهري، فقد روى من طريق موسى بن أعين، حدثن إسحاق بن راشد، أن الزهري حدثه، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: سمعت أبي كعب بن مالك .. ".
فذكر قصة تخلف كعب في غزوة تبوك.
والبخاري -﵀- معروف بتحريه وشدة تنقيرة عن أحوال الرجال، فصنيعه
[ ٨٠ ]
هذا يدل على ثبوت سماع إسحاق من الزهري.
وبهذه الأدلة يتبين أن إسحاق بن راشد قد سمع من الزهري، وأن القصة التى نقلت عنه بأنه لم يسمع من الزهري غير صحيحة. وتقدم أن الذين وصفوه بالتدليس لم يذكروا لذلك مستندًا إلا ذلك القصة، وقد ثبت عدم صحتها، وبذلك يخرج إسحاق بن راشد من جماعة الموصوفين بالتدليس. اهـ
قلت: قد تم طبع "تاريخ ابن أبي خيثمة"، والقصة التى ساقها ابن عساكر عنه موجودة في "تاريخه" (٣/ ٢٣٣).
وروى ابن أبي خيثمة أيضًا في "تاريخه" (٢/ ٢٢٠)، (٣/ ٢٣٢) قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: نا عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: "نهى رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك عن نكاح المتعة".
قال إسحاق: فقلت للزهري: فهلا عن الحسن بن محمد ذكرت الحديث؟
فقال الزهري: لو أن الحسن حدثني لم أشك.
قلت: والقصة السابقة التى رواها ابن سعد رواها أيضًا ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (٢/ ٢٥٤).
قال الحاكم: قلت للدارقطني: فإسحاق بن راشد الجزري؟ قال: تكلموا في سماعه من الزهري، وقالوا: إنه وجده في كتاب، والقول عندي قول مسلم بن الحجاج فيه. "سؤالات الحاكم" للدارقطني صـ ١٨٤.
قلت: الدارقطني هنا يقول: إن هناك قوم نفوا سماع إسحاق بن راشد من الزهري، وقالوا: إن حديثه عن الزهري من كتاب وجده، ولكن هذا القول فيه نظر عند الدارقطني، والراجح عند الدارقطني أن إسحاق سمع من الزهري، وهذا هو قول مسلم بن الحجاج والله أعلم.
وقد ذكر الحاكم إسحاق بن راشد الجزري مثالًا للجنس السادس من التدليس وهم: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منه، واستدل على ذلك
[ ٨١ ]
بقصة تقدم ضعف إسنادها وثبوت ما يعارضها وهو سماع إسحاق من الزهري. والتدليس الذى وصف به الحاكم إسحاق بن راشد خاص برواته عن الزهري، ولم يثبت هذا الوصف عنه، وإن كان إسحاق سمع من الزهري، إلا أن حديثه عنه ضعيف سواء صرح بالسماع أو لم يصرح، انظر كتابي "الرواة الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم".