قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد: وأما تدليس المتابعة:
فأعني به أن يروي الراوي خبرًا عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهماعلى الآخر ولا يبين.
قال ابن رجب في "شرح العلل" (صـ ٥٠٦): شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر روى عنه أحاديث منها: حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا (من قال حين يسمع النداء .. الحديث) وقد خرجه البخاري في صحيحه وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طُعن في هذا الحديث وكان عرض شعيب على ابن المنكدر كتابًا فأمر بقرائته عليه فعرف بعضًا وأنكر بعض، وقال لابنه أو ابن
_________________
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ١١٠ - ١١١).
(٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ١١٣ - ١١٤).
[ ٣٣ ]
أخيه: اكتب هذه الأحاديث فدوّن شعيب ذلك الكتاب ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض عليّ بعض تلك الكتب فرأيتها مشابهًا لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
قال ابن رجب: ومصداق ما ذكره ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر عن جابر حديث الاستفتاح بنحو سياق حديث علي، وروى عن شعيب عن ابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة، فرجع الحديث إلى الأعرج، وإنما رواه الناس عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب، ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة، وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج. وروى عن محمد بن حمير عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة.
ورواه أبو معاوية عن شعيب عن إسحاق عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة، فظهر بهذا أن الحديث عن شعيب عن أبي فروة، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث ابن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر، وكذا وقع في سنن النسائي، وهذا مما لا يجوز فعله، وهو أن يروي الرجل حديثًا عن اثنين أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترُكُ ذلك المطعون فيه ويذكر الثقة، وقد نص الإمام أحمد على ذلك وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة، وهو كما قال فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولًا عليه.
فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، ويرجع إلى حديث الأعرج ورواية الأعرج له معروفة (^١) عن ابن أبي رافع عن علي، وهو
_________________
(١) في الأصل (معرفة).
[ ٣٤ ]
الصَّواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما، وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر.
وقد كان بعض المدلسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه فيظن أنه سمعه منهماكما روى معمر:
عن ثابت وأبان وغير واحد عن أنس عن النبي ﷺ "أنه نهى عن الشغار" قال أحمد: هذا عمل أبان، يعني أنه حديث أبان وإنما معمر يعني لعله دلسه.
ومن هذا المعنى: أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعًا عن مجاهد عن أبي معمر عن علي حديث القيام للجنازة.
قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة، يعني أن حديث: ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد عن علي منقطعًا وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين ورواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهدًا وهو وهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله) (^١). اهـ
* * *
_________________
(١) مقدمة الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن السعد لكتاب "منهج المتقدمين في التدليس" (صـ ٣١ - ٣٤).
[ ٣٥ ]