ملخص كلام العلماء في بقية بن الوليد أنه يحتج بحديثه إذا صرح بالسماع من شيخه وكان شيخه ثقة معروفًا، ولا يحتج بحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه سواء كان شيخه ثقة معروفًا أو كان ضعيفًا أو مجهولًا، ولا يحتج أيضًا بحديثه إذا كان عن الضعفاء والمجهولين.
وكان بقية بن الوليد يكنى شيوخه الضعفاء المعروفين بأسمائهم، ويسمي شيوخه الضعفاء المعروفين بكناهم كي لا يفطن المستمع أن الحديث الذى يرويه هو عن رجل ضعيف.
وكان بقية يدلس عن الضعفاء، ويدلس أيضًا عن المتروكين والكذابين.
وكان بقية يدلس تدليس التسوية.
وكان لبقية تلاميذ لا يعلمون أنه مدلس، فكانوا لا يفرقون بين قوله عن وحدثنا فكانوا يروون عنه أحاديث دلسها بقية، ويذكرون فيها سماع بقية من شيخه.
وكان بقية يروي عن الزبيدي فيوهم أنه محمد بن الوليد الزبيدي، وإنما هو راوٍ آخر ضعيف.
وإليك أقوال العلماء بالتفصيل في تدليس بقية بن الوليد:
قال ابن أبي حاتم: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلى، قال: سُئل أبي عن بقية وإسماعيل بن عياش فقال: بقية أحب إلي، فإذا حدّث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا - يعنى لا تقبلوه.
نا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلى قال: سُئل يحيى بن معين عن بقية بن الوليد قال: إذا حدث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره، فأما إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كنى ولم يسم اسم الرجل فليس يساوي شيئًا.
سمعت أبا زرعة يقول: بقية أحب إلي من إسماعيل بن عياش، ما لبقية من عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، وإذا
[ ٩٨ ]
حدث عن الثقات فهو ثقة.
حدثني أبي، نا معاوية بن صالح بن أبي عبيد الله، قال: قال أبو مسهر: بقية أحاديثه ليست نقية فكن منها على تقية (^١).
قال مسلم بن الحجاج: حدثني ابن قهزاد قال: سمعت وهبًا يقول عن سفيان عن ابن المبارك قال: بقية صدوق اللسان ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر.
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي قال: قال لي أبو إسحاق الفزاري: اكتب عن بقية ما روى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: سمعت بعض أصحاب عبد الله قال: قال ابن المبارك: نعم الرجل بقية لولا أنه كان يكنى الأسامى ويسمى الكنى، كان دهرًا يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي فإذا هو عبد القدوس (^٢).
قال يعقوب بن سفيان: بقية يقارب إسماعيل والوليد، فإنه كان مثل الوليد في حديث الشاميين، وهو ثقة، إذا حدث عن ثقة فحديثه يقوم مقام الحجة.
يذكر بحفظ إلا أنه يشتهي الملح والطرائف من الحديث، ويروي عن شيوخ فيهم ضعف، وكان يشتهي الحديث فيكنى الضعيف المعروف بالاسم، ويسمى المعروف بالكنية باسمه.
وسمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: قال ابن المبارك: أعياني بقية كان يكنى الأسامي ويسمى الكنى، قال: حدثني أبو سعيد الوحاظي، إنما هو عبد القدوس.
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٢/ ٤٣٥).
(٢) "مقدمة صحيح مسلم" (ص ٨٦، ١٠٠، ١٠١). وابن قهزاد هو محمد بن عبد الله بن قهزاد، ثقة كما في "التقريب". ووهب هو ابن زمعة المروزي ثقة. وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي هو الإمام الكبير صاحب سنن الدارمي. وزكريا ابن عدي ثقة.
[ ٩٩ ]
وقد قال أهل العلم: بقية إذا لم يسم الذى يروي عنه وكناه فلا يسوى حديثه شيئًا (^١).
قال الجوزجاني: سألت أبا مسهر عن إسماعيل بن عياش وبقية فقال: كل كان يأخذ عن غير ثقة، فإذا أخذت حديثه عن الثقات فهو ثقة.
أما أبو يحمد فرحمه الله وغفر له ما كان يبالي إذا وجد خرافة عمن يأخذه، فأما حديثه عن الثقات فلا بأس به (^٢).
قال العجلي: بقية بن الوليد ثقة ما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء (^٣).
قال مغلطاي: قال أبو أحمد الحاكم: بقية ثقة في حديثه إذا حدث عن الثقات بما يعرف، ولكنه ربما روى عن أقوام مثل الأوزاعي والزبيدي وعبيد الله العمري أحاديث شبيهة بالموضوعة أخذها عن محمد بن عبد الرحمن ويوسف بن الصفر وغيرهما من الضعفاء فيسقطهم من الوسط ويروي عمن حدثوه بها عنهم.
وفى كتاب "الجرح والتعديل" عن الدارقطني: بقية يروي عن قوم متروكين.
وقال أبو محمد بن الجارود: إذا لم يسم بقية الرجل الذى روى عنه وكناه فاعلم أنه لا يساوي شيئًا (^٤).
قال الدارقطني: بقية بن الوليد يروى عن قوم متروكين مثل مجاشع بن عمرو وعبد الله بن يحيى ولا أعرفه، ولا أعلم له راويًا غير بقية (^٥).
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٤٢٤).
(٢) "أحوال الرجال" (صـ ١٧٣ - ١٧٥). وأبو يحمد هو بقية بن الوليد.
(٣) "الثقات" (صـ ٨٣).
(٤) "إكمال تهذيب الكمال" (٣/ ٧ - ٩).
(٥) "سؤالات السلمي" للدارقطني (صـ ٧٢)، و"الضعفاء والمتروكين" للدارقطني (صـ ٢٦٥).
[ ١٠٠ ]
وقال الدارقطني أيضًا: أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وبهز بن حكيم إعتبارًا لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهز متوسط (^١).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفى، عن بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبي -ﷺ- وأنا أمشي أمام أبي بكر، فقال: لم تمشي أمام من هو خير منك؟ إن أبا بكر خير من طلعت عليه الشمس أو غربت.
قال أبي: هذا حديث موضوع، سمع بقية هذا الحديث من هشام الرازي عن محمد بن الفضل عن ابن جريج، فترك الاثنين من الوسط.
قال أبي: محمد بن الفضل بن عطية متروك الحديث (^٢).
قال ابن حبان: سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: توهمت أن بقية لا يحدث بالمناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير فعلمت من أين أتى.
قال أبو حاتم: لم يسبه أبو عبد الله ﵀، وإنما نظر إلى أحاديث موضوعة رويت عنه عن أقوام ثقات فأنكرها، ولعمرى إنه لموضع الإنكار، وفي دون هذا ما يسقط عدالة الإنسان فى الحديث، ولقد دخلت حمص وأكثر همي شأن بقية فتتبعت حديثه وكتبت النسخ على الوجه وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه فرأيته ثقة مأمونًا، ولكنه كان مدلسًا، سمع من عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة، ثم سمع عن أقوام كذابين ضعفاء متروكين عن عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك مثل المجاشع بن عمرو والسري بن عبد الحميد وعمر بن موسى المتيمي وأشباههم وأقوام لا يعرفون إلا بالكنى، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء، وكان يقول:
_________________
(١) "سؤالات السلمي" للدارقطني (صـ ٧٠).
(٢) "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٣٨٤).
[ ١٠١ ]
قال عبيد الله بن عمر عن نافع، وقال مالك عن نافع -كذا- فحملوا عن بقية عن عبيد الله، وبقية عن مالك وأسقط الواهي بينهما فالتزق الموضوع ببقية وتخلص الواضع من الوسط، وإنما امتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه فالتزق ذلك كله به.
وقد روى بقية عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- "من أدمن على حاجبيه بالمشط عوفي من البلاء" ثناه سليمان بن محمد الخزاعي بدمشق، ثنا هشام بن خالد الأزرق، ثنا بقية، عن ابن جريج فى نسخة كتبناها بهذا الإسناد كلها موضوعة يشبه أن يكون بقية سمعها من إنسان ضعيف عن ابن جريج فدلس عليه فالتزق كل ذلك به.
ومنها عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى".
وبإسناده قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تربوا الكتاب وسجوه من أسفله فإنه أنجح للحاجة".
وبإسناده أن النبي -ﷺ- قال: "من أصيب بمصيبة من سقم أو ذهاب ماله فاحتسب ولم يشكها إلى الناس كان حقًا على الله ﷿ أن يغفر له".
حدثنا بهذه الأحاديث كلها محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا هشام بن خالد الأزرق، عن بقية، عن ابن جريج، عن عطاء كلها موضوعة (^١).
قال الحاكم: قد روى جماعة من الأئمة عن قوم من المجهولين، فمنهم سفيان الثوري روى عن أبي همام السكونى وأبي مسكين وأبي خالد الطائي وغيرهم من المجهولين ممن لم يقف على أساميهم غير أبي همام فإنه الوليد بن قيس إن شاء الله، وكذلك شعبة بن الحجاج حدث عن جماعة من المجهولين.
فأما بقية بن الوليد فحدث عن خلق من خلق الله لا يوقف على أنسابهم ولا
_________________
(١) "المجروحين" (١/ ٢٠٠).
[ ١٠٢ ]
عدالتهم.
وقال أحمد بن حنبل: إذا حدث بقية عن المشهورين فروايته مقبولة، وإذا حدث عن المجهولين فغير مقبولة (^١).
قال الخطيب البغدادي: قدم بقية بن الوليد بغداد وحدث بها، وفى حديثه مناكير، إلا أن أكثرها عن المجاهيل، وكان صدوقًا.
أخبرنا أبو بكر البرقاني وأبو القاسم الأزهري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، حدثني جدي قال: بقية بن الوليد صدوق ثقة، ويتقى حديثه عن مشيخته الذين لا يعرفون، وله أحاديث مناكير جدًا.
حدثني على الصوري، حدثنا عبد الغني بن سعيد الحافظ، أخبرنا الوليد بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي وسُئل عن بقية بن الوليد فقال: إذا قال حدثني وحدثنا فلا بأس.
أخبرني محمد بن علي المقرئ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري، قال: سمعت أبا على الحسن بن على الحافظ يقول: سألت أبا عبد الرحمن النسائي -وكان من أئمة المسلمين- قلت: ما تقول فى بقية؟ قال: إن قال أخبرنا أو حدثنا فهو ثقة، وإن قال عن فلان فلا يؤخذ عنه، لا يدر عمن أخذه (^٢).
قال المزي: قال يعقوب بن شيبة السدوسي عن أحمد بن العباس: سمعت يحيى بن معين يقول: بقية يحدث عمن هو أصغر منه، وعنده ألفا حديث عن شعبة، أحاديث صحاح، كان يذاكر شعبة بالفقه.
قال يحيى: ولقد قال لي نعيم: كان بقية يضن بحديثه عن الثقات، قال:
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٦).
(٢) "تاريخ بغداد" (٧/ - ١٢٣ - ١٢٦).
[ ١٠٣ ]
طلبت منه كتاب صفوان، قال: كتاب صفوان -أى كأنه- قال يحيى بن معين: كان يحدث عن الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدث عن الثقات.
قال يعقوب: بقية بن الوليد هو ثقة حسن الحديث إذا حدث عن المعروفين، ويحدث عن قوم متروكي الحديث وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه، وحدث عن سويد بن سعيد الحدثاني (^١).
وقال ابن خزيمة: لا أحتج ببقية. حدثني أحمد بن الحسن الترمذي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير فعلمت من أين أتى.
قلت: أتى من التدليس.
وقال العقيلي: صدوق اللهجة إلا أنه يأخذ عمن أقبل وأدبر فليس بشيء.
وقال ابن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته (^٢).
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي روى عن هشام بن خالد الأزرق، حدثنا بقية ابن الوليد قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أصيب بمصيبة من سقم أو ذهاب مال فاحتسب ولم يشك إلى الناس كان حقًا على الله أن يغفر له".
وقال رسول الله -ﷺ-: "لا تأكلوا بهاتين الإبهام والمشيرة ولكن كلوا بثلاث فإنها سنة، ولا تأكلوا بخمس فإنها أكلة الأعراب".
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٤/ ١٩٧).
(٢) "تهذيب التهذيب".
[ ١٠٤ ]
قال أبي: هذه الثلاثة أحاديث موضوعة لا أصل لها، وكان بقية يدلس فظن هؤلاء أنه يقول فى كل حديث حدثنا ولم يتفقدوا الخبر منه (^١).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سُئل أبو زرعة عن حديث رواه أبو التقى قال: حدثني بقية، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال النبي -ﷺ-: "لا تبدأوا بالكلام قبل السلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه".
قال أبو زرعة: هذا حديث ليس له أصل، لم يسمع بقية هذا الحديث من عبد العزيز، إنما هو عن أهل حمص، وأهل حمص لا يميزون هذا (^٢).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سألت أبي عن حديث رواه أبو تقى هشام بن عبد الملك، عن بقية قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يُخلفوا، واذا اشتروا لم يذموا، واذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا".
قال أبي: هذا حديث باطل، ولم يضبط أبو تقى عن بقية، وكان بقية لا يذكر الخبر فى مثل هذا (^٣).
قال ابن عدي: ثنا ابن قتيبة، ثنا هشام بن خالد، ثنا بقية، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تربوا الكتاب وأسموه من أسفله، فإنه أنجح للحاجة".
وبإسناده قال رسول الله -ﷺ-: "إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى
_________________
(١) "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٢٩٥).
(٢) "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٣٣١).
(٣) "علل ابن أبي حاتم" (١/ ٣٨٥).
[ ١٠٥ ]
فرجها فإن ذلك يورث العمى".
ثناه بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث أخر مناكير، وهذه الأحاديث يشبه أن يكون بين بقية وابن جريج بعض المجهولين اْو بعض الضعفاء، لأن بقية كثيرًا ما يدخل بين نفسه وبين ابن جريج بعض المجهولين إلا أن هشام بن خالد قال عن بقية حدثني ابن جريج (^١).
وقال ابن عدي أيضًا: ثنا أحمد بن عمير بن يوسف، ثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، ثنا سليمان بن عبيد الله الرقي الأنصاري، ثنا بقية، ثنا محمد بن زياد الإلهاني، عن أبي أمامة اْن النبي -ﷺ- قال ذات يوم لأصحابه: "ألا أحدثكم عن الخضر، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: بينما هو يمشي ذات يوم فى سوق من أسواق بني إسرائيل وذكره بطوله.
قال لنا ابن عمير: سألت ابن عون عن هذا الحديث فقال: حديث موضوع منكر لا أصل له فى حديث محمد بن زياد، ومحمد ثقة حسن الحديث، حدث عنه الأجلاء خالد بن معدان وجرير.
وسألت أبي زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث منكر ومحمد بن زياد معروف لا يشبه حديثه.
قال ابن عدي: هذا الحديث لا أعلم رواه عن بقية غير سليمان بن عبيد الله الرقي، وقد ادعاه عبد الوهاب بن الضحاك فرواه عن بقية، وعبد الوهاب لا اعتماد عليه (^٢).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفى، عن بقية، عن صفوان بن عمرو، عن سلمة القيسي، عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-: "ليبشر المدلجون فى الظلم إلى المساجد بمنابر من نور يوم القيامة
_________________
(١) "الكامل فى ضعفاء الرجال" (٢/ ٧٥).
(٢) "الكامل فى ضعفاء الرجال" (٢/ ٧٥).
[ ١٠٦ ]
يفزع الناس ولا يفزعون".
فسمعت أبي يقول: إنما هو سلمة عمن حدثه عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ-، وبعضهم يقول: عن رجال من أهل بيته عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- (^١).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت أبي وذكر الحديث الذى رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي قال: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه.
قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمهما. روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-، وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي. فكان بقية بن الوليد كنى عبيد الله ابن عمرو ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن به حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا.
وأما ما قال إسحاق فى روايته عن بقية عن أبي وهب حدثنا نافع وهو وهم غير أن وجهه عندى أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث ولم يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط وتكنيته عبيد الله بن عمرو، فلم يتفقد لفظة بقية فى قوله حدثنا نافع أو عن نافع (^٢).
قال الخطيب البغدادي: وقول أبي حاتم كله فى هذا الحديث صحيح، وقد روى الحديث عن بقية كما شرح قبل أن يغيره ويدلسه لإسحاق.
أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أنا الحسين بن علي التميمي، قال: ثنا محمد ابن المسيب أبو عبد الله، قال: ثنا موسى بن سليمان، قال: ثنا بقية، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر
_________________
(١) "علل ابن أبي حاتم" (١/ ١٨٩).
(٢) "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ١٥٤).
[ ١٠٧ ]
قال: قال النبي -ﷺ-: "لا تعجبوا لإسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة عقله" (^١).
قال النسائي: أخبرني عمر بن عثمان، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني نافع ابن يزيد، قال: حدثني حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس، عن جنادة بن أبي أمية، قال: سمعت بسر بن أرطأة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا تُقطع الأيدي في السفر".
قال أبو عبد الرحمن: ليس هذا الحديث مما يُحتج به (^٢). (^٣).
قال ابن حبان: الجنس السادس من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بها: أقوام من المتأخرين قد ظهروا يسوقون الأخبار، فإذا كان بين الثقتين ضعيف
_________________
(١) "الكفاية" (صـ ٥١٩ - ٥٢٠).
(٢) "السنن الكبرى" (٧/ ٤٢) (ح ٧٤٣٠).
(٣) وأخرج هذا الحديث أحمد (٤/ ١٨١) عن عتاب بن زياد، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي شجاع سعيد بن يزيد الإسكندراني، عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن جنادة بن أبي أمية، عن بسر بن أرطأة بنحوه. وتابع حيوة بن شريح سعيد بن يزيد كما عند أبي داود في "سننه" (٤٤٠٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٨٦٠)، وابن قانع في "معجم الصحابةْ"، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦). وتابعهما ابن لهيعة من رواية حسن بن موسى وبشر بن عمر وقتيبة بن سعيد وأسد بن موسى والنضر بن عبد الجبار كما عند أحمد (٤/ ١٨١)، والدارمي (٢٤٩٢)، والترمذي (١٤٥٠)، والطبراني في "الكبير" (١١٩٥)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (صـ ٢٦٠). وقد بان بذلك أن بقية دلس في هذا الحديث تدليس التسوية، بإسقاط شييم بن بيتان من بين عياش بن عباس وجنادة بن أبي أمية. وبسر بن أرطأة مُختلف في صحبته، انظر: "تهذيب التهذيب"، و"السنن الكبرى" للبيهقي (٩/ ١٠٤ - ١٠٥).
[ ١٠٨ ]
واحتمل أن يكون الثقات رأى أحدهما الآخر اسقطوا الضعيف من بينهما حتى يتصل الخبر، فإذا سمع المستمع خبر أسأم رواته ثقات اعتمد عليه وتوهم أنه صحيح، كبقية بن الوليد قد رأى عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسمع منهم، ثم سمع من أقوام ضعفاء عنهم فيروي الرواة عنه أخباره ويسقطون الضعفاء من بينهم، حتى يتصل الخبر في جماعة مثل هؤلاء يكثر عددهم.
سمعت ابن جوصا يقول: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: كان صفوان بن صالح ومحمد المصفى يسويان الحديث (^١).
وقال ابن حبان أيضًا: الجنس الثاني من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بهم أقوام ثقات كانوا يروون عن أقوام ضعفاء كذابين ويكنونهم حتى لا يعرفوا، فيتوهم المتوهم أن راوى هذا الخبر ثقة فيحملون عليه، وليس ذلك الحديث من حديثه مثل بقية بن الوليد إذا قال: حدثنا الزبيدي عن نافع فيتوهم أنه أراد محمد بن الوليد الزبيدي وإنما أراد به زرعة بن عمرو الزبيدي وما يشبه هذا (^٢). (^٣).
قال ابن رجب: بقية بن الوليد من أكثر الناس تدلسيًا، وأكثر شيوخه الضعفاء مجهولون لا يعرفون، وكان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي أو عن زرعة بن عمرو الزبيدي وكلاهما ضعيف الحديث فيقول ثنا الزبيدي فيظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي صاحب الزهري.
وقد تقدم له عنه في كتاب الصيام في باب الكحل للصائم حديث. رواه عن الزبيدي وظنه بعضهم محمد بن الوليد فنسبه كذلك وأخطأ، إنما هو سعيد بن عبد الجبار (^٤).
_________________
(١) "مقدمة المجروحين" (صـ ٩٤).
(٢) "مقدمة المجروحين" (صـ ٩٠).
(٣) قلت: لم أقف على راوٍ اسمه زرعة بن عمرو الزبيدي.
(٤) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٨٢٤).
[ ١٠٩ ]
قال ابن حبان: زرعة بن إبراهيم الدمشقي الزبيدي يروي عن عطاء وخالد بن اللجلاج، روى عنه سعيد بن أبي هلال ومحمد بن شعيب بن شابور، وهو الذى روى عنه بقية ويقول: حدثني الزبيدي في أشياء يرويها يوهم أنه محمد بن الوليد ابن عمار الزبيدي، يجب أن يعتبر بحديثه من غير رواية بقية عنه (^١). (^٢)
قال ابن عدي: سمعت محمد بن سعيد الحراني يقول: سمعت هلال بن العلاء يقول: سمعت أبا يوسف الرقي يقول: إذا سمعت بقية يقول: ثنا أبو الحجاج المهري فاعلم أنه يريد به رشدين بن سعد، وإذا سمعته يقول: حدثنا أبو
_________________
(١) "الثقات" (٦/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٢) زرعة بن إبراهيم ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٤١) فقال: زرعة بن إبراهيم الدمشقي عن عطاء وخالد بن اللجلاج وجناح، روى عنه سعيد بن أبي هلال ومحمد بن شعيب، وسمع منه ابن علاق. وقال ابن معين: زرعة بن إبراهيم صالح الحديث. "تاريخ الدوري" (٤/ ٤٢٩). وقال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣/ ١٩): زرعة بن إبراهيم روى عن عطاء وخالد بن اللجلاج وجناح مولى الوليد بن عبد الملك ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز. روى عنه سعيد بن أبي هلال ومحمد بن إسحاق ومحمد ابن شعيب بن شابور وعثمان بن حصين بن علاق وعمرو بن واقد وعبد ربه بن ميمون الأشعري وعمارة بن غزية وداود بن قيس المدني. وهناك راوٍ آخر اسمه زرعة بن عبد الله الزبيدي يروي عنه بقية، ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٦٠٦)، فقال: زرعة بن عبد الله بن زياد الزبيدي روى عن عمران بن أبي الفضل، روى عنه بقية، سألت أبي عنه فقال: شيخ مجهول ضعيف الحديث.
[ ١١٠ ]
مسكين الرقي فاعلم أنه يريد به طلحة بن زيد (^١).
قال الذهبي: بقية ذو غرائب وعجائب ومناكير، قال عبد الحق في غير حديث. بقية لا يحتج به. وروى له أيضًا أحاديث وسكت عن تليينها. وقال أبو الحسن بن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته.
قلت: نعم والله صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد وما جوزوا على ذلك الشخص الذى يسقطون ذكره بالتدليس إنه تعمد الكذب، هذا أمثل ما يُعتذر به عنهم (^٢).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الرابعة من المدلسين، وزاد ابن حجر: المحدث المشهور المكثر، له في مسلم حديث واحد، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين، وصفه الأئمة بذلك (^٣).
* * *
_________________
(١) "الكامل في ضعفاء الرجال" (٣/ ١٤٩). وأبو يوسف الرقي هو محمد بن أحمد ابن محمد بن الحجاج الصيدلاني ثقة حافظ كما في "التقريب". وهلال بن العلاء صدوق. ومحمد بن سعيد الحراني هو محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم أبو علي القشيري، ترجم له الذهبي في "السير" (١٥/ ٣٣٥)، فقال: الإمام الحافظ المفيد.
(٢) "ميزان الاعتدال" (١/ ٣٣٩).
(٣) "جامع التحصيل" (صـ ١١٣)، و"تعريف أهل التقديس" (صـ ١٦٣ - ١٦٤).
[ ١١١ ]