قال الخطيب البغدادي: أخبرني الأزهري، حدثنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثني جدي (^٣) قال: ذُكر لأبي خيثمة يومًا إرسال جرير الحديث وأنه لم يكن يقول حدثنا، وقيل له: تراه كان يدلس؟ فقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، لأنا كنا إذا أتيناه وهو في حديث الأعمش أو منصور أو مغيرة ابتدأ فأخذ الكتاب فقال: حدثنا فلان ثم يحدث به عنه مبهم في حديث واحد، ثم يقول بعد ذلك: منصور منصور، والأعمش الأعمش، لا يقول في
_________________
(١) "سؤالات ابن طهمان" لابن معين (صـ ٤٦ - ٤٧).
(٢) "تعريف أهل التقديس" (صـ ٧٨ - ٧٩).
(٣) هو الإمام يعقوب بن شيبة.
[ ١١٩ ]
كل حديث حدثنا حتى يفرغ من المجلس.
وقال جدي: حدثني عبد الرحمن بن محمد قال: سمعت سليمان بن داود الشاذكوني يقول: قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان له مكرمًا، قال: فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا، ثم قال: فرأوا موضعي منه، فقال له بعضهم: إن هذا إنما بعثه يحيى وعبد الرحمن ليفسد حديثك عليك، ويتتبع عليك الأحاديث، قال: وكان جرير قد حدثنا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس، قال: ثم حدثنا به بعد عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم، قال: فينا أنا عند ابن أخيه يومًا إذ رأيت على ظهر كتاب لابن أخيه عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم، قال: فقلت لابن أخيه: عمك هذا مرة يحدث بهذا عن مغيرة، ومرة عن سفيان عن مغيرة، ومرة عن ابن المبارك عن سفيان، فينبغي أن نسأله ممن سمعه.
قال سليمان: وكان هذا الحديث موضوعًا، قال: فوقفت جريرًا عليه، فقلت له: حديث طلاق الأخرس ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه رجل من أهل خراسان عن ابن المبارك، قال: قلت له: فقد حدثت به مرة عن مغيرة، ومرة عن سفيان عن مغيرة، ومرة عن رجل عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة، ولست أراك تقف على شيء فمن الرجل؟ قال: رجل كان جاءنا من أصحاب الحديث، قال: فوثبوا علي وقالوا: ألم نقل لك إنما جاء ليفسد عليك حديثك؟ قال: فوثب لي البغداديون، قال: وتعصب لي قوم من أهل الري حتى كان بينهم شر شديد.
قال عبد الرحمن: فقلت لعثمان بن أبي شيبة: حديث طلاق الأخرس عمن هو عندك؟ قال: عن جرير عن مغيرة قوله.
قال عبد الرحمن: كان عثمان يقول لأصحابنا: إنما كتبنا عن جرير من كتبه، فأتيته فقلت: يا أبا الحسن: كتبتم علي الأمانة من النسخ، فقال: كان أمره علي الصدق، وإنما حدثنا أصحابنا أن جريرًا قال لهم حين قدموا عليه -وكانت كتبه تلفت- هذه نسخ أحدث بها على الأمانة، ولست أدرى لعل لفظًا يخالف لفظًا،
[ ١٢٠ ]
وإنما هي على الأمانة (^١).
ذكر ابن حجر هذه القصة ثم قال: قلت: إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس (^٢).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": جرير بن عبد الحميد ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه.
قال المعلمي اليماني: قال الكوثري: جرير بن عبد الحميد مضطرب الحديث وكان سيئ الحفظ، انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع.
أقول: أما قوله "مضطرب الحديث" فكلمة لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يقبل منه مثل هذا، غاية الأمر أن تعد دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة الأخرس وعليه في ذلك أمران:
الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكونى وليس بثقة. قال البخاري: "فيه نظر" وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث" والكلام فيه كثير.
وفى القصة ما ينكر، فإن الشاذكوني قال: "قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان لي مكرمًا، فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا ثم، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك … " وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما عصرهما، ومن الممتنع أن يكذب يحيى بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش.
الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطرابًا وإنما تفيد تدلسيًا. فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد،
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٢) "تهذيب التهذيب".
[ ١٢١ ]
ثم ذكره على وجهه، ولهذا قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس"، ولم يذكره في طبقات المدلسين لأن القصة لم تصح، وقد ذكر أبو خيثمة جريرًا فقال: "لم يكن يدلس" (^١).
قال الترمذي: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، أخبرنا عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي -ﷺ- قضى أن الخراج بالضمان.
هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة.
قال أبو عيسى: وقد روى مسلم بن خالد الزنجي هذا الحديث عن هشام بن عروة، ورواه جرير عن هشام أيضًا، وحديث جرير يُقال: تدليس، دلس فيه جرير، لم يسمعه من هشام بن عروة (^٢). (^٣)
قلت: لعل الترمذي يعني أن جرير بن عبد الحميد أخذ هذا الحديث عن مسلم ابن خالد عن هشام بن عروة، ثم أسقط اسم مسلم بن خالد، ورواه عن جرير مباشرة، ولا نستطيع أن نصف جريرًا بالتدليس بهذا النقل، ونتوقف في عنعنة جرير بن عبد الحميد عن شيوخه، إنما يقال إن جريرًا دلس هذا الحديث فقط، فالأصل عدم التوقف في عنعنة جرير عن شيوخه إلا إذا ثبت أن جرير دلس هذا الحديث خاصة عن شيخه.