قال العلائي: النوع الثاني من تدليس السماع أن يسمع الراوي من شيخه حديثًا قد سمعه من رجل ضعيف عن شيخ سمع منه ذلك الشيخ هذا الحديث، فيسقط الراوي عنه الرجل الضعيف من بينهما، ويروي عن شيخه عن الأعلى، لكونه سمع منه أو أدركه، وُيسمى هذا النوع أيضًا التسوية، وهذا مذموم جدًا من وجوه كثيرة.
منها: أنه غش، وتغطية لحال الحديث الضعيف، وتلبيس على من أراد الاحتجاج به.
ومنها: أنه يروي عن شيخه مالم يتحمله عنه، لأنه لم يسمع منه الحديث إلا بتوسط الضعيف، ولم يروه شيخه بدونه.
ومنها: أنه يصرف على شيخه بتدليس لم يأذن له فيه، وربما ألحق بشيخه وصمة التدليس، إذا أُطلع عليه أنه رواه عن الواسطة الضعيف، ثم يوجد ساقط في هذه الرِّواية، فيُظن أن شيخه الذى أسقطه ودلس الحديث، وليس كذلك، ولاريب في تضعيف من أكثر من هذا النوع.
وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها، لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلسين والله تعالى الموفق بكرمه (^١).
قال ابن رجب: تدليس التسوية هو أن يروي عن شيخ له ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيسقط الضعيف من الوسط.
وكان الوليد بن مسلم وسنيد بن داود وغيرهما يفعلون ذلك (^٢).
وقال العراقي: ترك المُصَنِّف (^٣) ﵀ قسمًا ثالثًا من أنواع التدليس، وهو
_________________
(١) "جامع التحصيل" (صـ ١٠٢ - ١٠٤).
(٢) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٨٢٥).
(٣) هو الإمام ابن الصلاح.
[ ٢٧ ]
شر الأقسام، وهو الذى يسمونه تدليس التسوية، وقد سماه بذلك أبو الحسن بن القطان وغيره من أهل هذا الشأن، وصورة هذا القسم من التدليس أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ضعيف، فيعمل المدلس الذى سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمع منه، فلا يظهر حينئذٍ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل (^١).
قال بدر الدين الزركشي: تدليس الإسقاط وهو ألا يسقط شيخه، لكن يسقط من بعده، لكونه رجلًا ضعيفًا، أو صغير السن، لتحسين الحديث بإسقاطه، ذكره الخطيب قال: وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع.
واعلم أن بعضهم سمى هذا النوع تدليس التسوية، ومنهم أبو الحسن بن القطان وتلميذه ابن المواق، فقال في "بغية النقاد": "وصورته عند أئمة هذا الشأن أن يعمد الراوي إلى إسقاط راوٍ من بين شيخه وبين من رواه عنه شيخه، أو من بين شيخه ومن بين من رواه عنه شيخ شيخه ليقرب بذلك الإسناد، وإنما يفعل من يفعله منهم في راويين عُلم التقائهما واشتهرت رواية أحدهما عن الآخر حتى يصير معلوم السماع منه، ثم يتفق له في حديث أن يرويه عن رجل عنه، فيعمد ذلك المسوى إلى ذلك الرجل فيسقطه فيبقى الإسناد ظاهر الاتصال، فيسوي الإسناد كله ثقات، وهذا شر أقسام التدليس، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على المسند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفى هذا غرور شديد، قال: ومثاله حديث علي "إذا كان لك ما تبادرهم"، ح، جرير سمع من أبي إسحاق، وروى عنه الكثير، ثم
_________________
(١) "التقييد والإيضاح" (صـ ٩٥ - ٩٧).
[ ٢٨ ]
يروي هذا الحديث عن الحسن بن عمارة عنه، فإسقاط الحسن بن عمارة لكونه ضعيفًا تسوية. انتهى (^١).
قال ابن حجر: ومثال مالا يدخل في التدليس ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن مالكًا سمع من ثور بن يزيد أحاديث عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄- ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس، وحذف عكرمة، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه. فهذا مالك قد سوى الإسناد بإبقاء من عنده ثقة، وحذف من ليس عنده بثقة، فالتسوية قد تكون بلا تدليس، وقد تكون بالإرسال، فهذا تحرير القول فيها.
وقد وقع هذا لمالك في مواضع أخرى، ثم ذكر هذه المواضع (^٢). ثم قال: فلو كانت التسوية تدليسًا لعُد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم.
قال ابن القطان: ولقد ظُن بمالك على بعده عنه عمله.
وقال الدَّارقُطْنِي: أن مالكًا ممن عمل به وليس عيبًا عندهم.
وإذا تقرر ذلك، فقول شيخنا (^٣) في تعريف التسوية، تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول: "أن يجيء الراوي -ليشمل المدلس وغيره- إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل".
ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التدليس: ما رواه هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية، عن أبيه، عن علي -﵁- في تحريم لحوم الحمر الأهلية.
_________________
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ١٠٢ - ١٠٨).
(٢) انظر ترجمة "مالك بن أنس" من هذا الكتاب.
(٣) هو الإمام العراقي، وقد تقدم كلامه.
[ ٢٩ ]
قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه من مالك عن الزهري. هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى ابن سعيد، عن مالك، فأسقط هشيم ذكر مالك منه، وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري. ويحيى فقد سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه، إلا أن هشيمًا قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر وغيره.
فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ ضعيف، وإنما سقط شيخ ثقة، فلا اختصاص لذلك بالضعيف -والله أعلم (^١) -.
وانظر كلام ابن القطان الفاسي عن تدليس التسوية في ترجمة "الوليد بن مسلم" من هذا الكتاب.
قلت: وممن اشتهر بهذا النوع من التدليس: بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم.