قال الحاكم: الجنس الخامس من المدلسين: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه.
أخبرني أبو يحيى السمرقندي، قال: ثنا محمد بن نصر، قال: حدثني جماعة عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن على أن النبي -ﷺ- نهى عن ثمن الميتة، وعن ثمن الخمر والحمر الأهلية وكسب البغي، وعن عسب كل ذي فحل.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر: وهذا حديث لم يسمعه الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت، وذلك أن محمد بن يحيى حدثنا قال: ثنا أبو معمر، قال: حدثني عبد الوارث، عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، وعمرو هذا منكر الحديث، فدلسه الحسن عنه (^٣).
قال العلائي: "الحسن بن ذكوان ذكره محمد بن نصر المروزي في حديثه عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي حديث" نهى عن ثمن الميتة" الحديث، قال محمد بن نصر: سمعه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن
_________________
(١) هو الإمام الحاكم صاحب "المستدرك".
(٢) "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٣٢١).
(٣) "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١٤٧ ]
حبيب بن أبي ثابت فدلسه بإسقاط عمرو بن خالد، لأنه منكر الحديث، وكذلك قال يحيى بن معين في كل مارواه الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت أن بينه وبين حبيب رجلًا ليس بثقة (^١).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: مختلف في الاحتجاج به، وله في صحيح البخاري حديث واحد، وأشار ابن صاعد إلى أنه كان مدلسًا (^٢).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": الحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (ترجمة الحسن بن ذكوان): أورد ابن عدي حديثين من طريق الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وقال: إنما سمعها الحسن من عمرو بن خالد عن حبيب، فأسقط الحسن بن ذكوان عمرو بن خالد من الوسط، أوردهما ابن عدي في ترجمة عمرو.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٢٥ - ١٢٧) (ترجمة عمرو بن خالد): حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵇، عن النبي -ﷺ- قال: من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضخ جهنم، قال: وما ظهر غنى؟ قال: عشاء ليلة.
قال لنا ابن صاعد: وهذا الحديث رواه الحسن ببن ذكوان عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت بهذا الإسناد. وعمرو بن خالد لا يكتب حديثه.
_________________
(١) "جامع التحصيل" (صـ ١٠٥).
(٢) "تعريف أهل التقديس" (صـ ١٣٣).
[ ١٤٨ ]
أخبرنا أبو يعلى، ثنا زهير بن حرب، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ثنا أبو بكر بن أبي النضر قالا: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي ثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن سبع ذي ناب، وكل ذي مخلب من الطير، وعن ثمن الميتة، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن كمسب البغي وعسب الفحل.
زاد ابن يونس: وعن المياثر الأرجوان.
زاد أبو خيثمة: وثمن الخمرة.
وهذا الحديث يرويه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد، وعمرو متروك الحديث، ويسقطه الحسن بن ذكوان من الإسناد لضعفه.
حدثنا ابن صاعد، ثنا محمد بن سنان بن يزيد، ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، ثنا الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم ابن ضمرة، عن علي، عن النبي -ﷺ- قال: أتاني جبريل ﵇ فلم يدخل علي فقال له النبي -ﷺ-: "ما منعك أن تدخل؟ قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا بول".
وهذه الأحاديث التى يرويها الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت نفسه بينهما عمرو بن خالد فلا يسميه لضعفه.
حدثنا ابن صاعد، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- نهى أن ينتفض في براز حتى يتنحنح.
وقال لنا ابن صاعد: والحسن بن ذكوان إنما يحدث بهذه الأحاديث عن عمرو ابن خالد عن حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن خالد استنكرت. اهـ (كذا في المطبوع استنكرت).
وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٢٣): حدثنا الخضر بن داود،
[ ١٤٩ ]
قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هانئ، قال: قلت لأبي عبد الله: الحسن بن ذكوان ما تقول فيه؟ فقال: أحاديثه بواطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت.
فقلت له: نعم غير حديث عجيب عن عاصم بن ضمرة عن علي في المسألة وعسب الفحل، فقال أبو عبد الله: هو لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي.
وقال الدوري في "تاريخه" (٤/ ٣٤١) عن ابن معين: الحسن بن ذكوان لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت شيئًا، إنما سمع من عمرو بن خالد عنه، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئًا.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت؟ قال: سمع من عمرو بن خالد عنه. ("سؤالات الآجري" لأبي داود (٢/ ٩١».
قلت: الصحيح أن الحسن بن ذكوان لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، ولذلك لا يصح وصف الحسن بن ذكوان بالتدليس، إنما يصح وصفه بأنه يرسل عن حبيب بن أبي ثابت.
وقد أورد الحاكم الحسن بن ذكوان في الجنس الخامس من المدلسين، وهم قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه. وهذا يُبين أن الحاكم يرى أن الحسن بن ذكوان سمع من حبيب، وخالفه في ذلك أحمد وابن معين وأبو داود، والقول عندي قولهم.
وابن صاعد لم يصفه بالتدليس عن حبيب بن أبي ثابت، إنما ذكر له أحاديث منكرة يرويها عن حبيب، وقال إنه أخذ هذه الأحاديث عن عمرو بن خالد، وأسقطه من الإسناد.
ذكر ابن العراقي كلام العلائي السابق، ثم قال:
قلت: وروى العقيلي في "الضعفاء" من رواية يحيى القطان عن الحسن بن ذكوان عن الحسن عن عبد الله بن مغفل في النهي عن البول في المغتسل، قال
[ ١٥٠ ]
يحيى: قيل له: سمعته من الحسن؟ قال: لا.
قال العقيلي: ولعل الحسن بن ذكوان أخذه عن أشعث الحداني، انتهى (^١).
قال العقيلي في "الضعاء الكبير" (١/ ٢٩): أشعث بن عبد الله الأعمى، وهو الحداني، في حديثه وهم.
حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: أخبرني الأشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه".
حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر المديني، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن البول في المغتسل، قال يحيى: قيل له: أسمعته من الحسن؟ قال: لا.
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة عن عقبة بن صهبان، قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس.
حديث شعبة أولى، ولعل حسن بن ذكوان أخذه عن أشعث الحداني. اهـ وأحمد بن محمد بن عاصم ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٧٥)، فقال: كتبت عنه وهو صدوق.
قلت: إن صح أن الحسن بن ذكوان دلس هذا الحديث عن الحسن وأخذه من أشعث بن عبد الله، فيقال: إنه دلس هذا الحديث فقط عن الحسن، أو ما ثبت أنه دلسه عن الحسن، فلم أر المتقدمين يذكرون الحسن بن ذكوان بالتدليس عن غير حبيب بن أبي ثابت إلا في هذا النص والله أعلم.
_________________
(١) كتاب "المدلسين" (صـ ٤٢ - ٤٣).
[ ١٥١ ]