ذكر الحافظ ابن حجر الحسن بن علي بن محمد التميمي أبو علي المذهب في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: راوي مسند أحمد عن القطيعي، قال الخطيب: روى عن القطيعي حديثًا لم يسمعه منه. قال الذهبي: لعله استجاز
[ ١٥٣ ]
روايته بالإجازة أو الوجادة (^١).
وقال الخطيب: وحدثني عن أبي عمر بن مهدي بحديث، فقلت: لم يكن هذا عند ابن مهدي فضرب عليه.
قال الخطيب: وكان سماعه صحيحًا في المسند، إلا في أجزاء منه، ألحق اسمه فيها. وتعقبه ابن نقطة بأنه لم يحدث بمسندي فضالة بن عبيد وعوف بن مالك وبقطعة من مسند جابر، فلو كان يلحق اسمه لألحقه في الجميع.
ولعل ما ذكره الخطيب أنه ألحقه كان يعرف أنه سمعه أو رواه بالإجازة (^٢).
قال المعلمي اليماني: الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي له ذكر في ترجمة الخطيب وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر، وحاصل الكلام أن الخطيب قال في "التاريخ" (ج ٧ ص ٣٩٠): كان يروى عن ابن مالك القطيعي مسند أحمد بن حنبل بأسره، وكان سماعه صحيحًا إلا أجزاء منه فإنه ألحق اسمه فيها وكذلك فعل في أجزاء من فوائد ابن مالك، وكان يروي عن ابن مالك أيضًا كتاب الزهد لأحمد بن حنبل ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخط كتبها بآخره، وليس بمحل للحجة.
حدثنا ابن المذهب … ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحرقى قالا: ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا البابلتي … وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه.
حدثني ابن المذهب، حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق وعلي بن عمر الحافظ وأبو عمر بن مهدي، قالوا: حدثنا الحسن بن إسماعيل … فأنكرته عليه
_________________
(١) قال المحقق: عبارة الذهبي في "الميزان" (١/ ٥١١): لعله استجاز روايته بالوجادة، فإنه قرن مع القطيعي. قلت: وليس فيه ذكر الإجازة، ونص الحديث في "تاريخ بغداد" (٧/ ٣٩١).
(٢) "تعريف أهل التقديس" (صـ ١٠٣ - ١٠٦).
[ ١٥٤ ]
وأعلمته أن الحديث لم يكن عند أبي عمر بن مهدي فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي. وكان كثيرًا يعرض على أحاديث في أسانيدها أسماء قوم غير منسوبين ويسألنى عنهم فأذكر له أنسابهم، فيلحقها في تلك الأحاديث ويزيدها في أصوله موصولة بالأسماء، وكنت أنكر عليه هذا الفعل فلا ينثني عنه.
أقول: أما الأمر الأول، وهو إلحاق السماع فأجاب ابن الجوزي في "المنتظم" (ج ٨ صـ ١٥٥) بقوله: هذا لا يوجب القدح لأنه إذا تبين سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه. والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل أخبرني فلان ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو إلحاق سماعه فيها بما يتقنه.
أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كل مجلس فمن لم يسمع له في بعض المجالس دل ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا ادعى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه لأنه خلاف الظاهر فإذا زاد فالحق اسمه أو تسميعه بخط يحاكي به خط كاتب التسميع الأول قالوا: زور. والظاهر ان هذا لم يقع مع ابن المذهب، ولو كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح، ولا ريب أن من استيقن أنه سمع جاز له أن يخبر أو يكتب أنه سمع، وأن من تثبت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعًا ولا معارض له، أو يعارضه ما مر ولكن له عذر قريب كأن يقول فاتني أولًا ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي ولم يحضر كاتب التسميع، فإنه يقبل منه، ولعل هذا هو الواقع فقد دل اعتماد الخطيب عليه في كتاب "الزهد" كما يأتي واقتصاره في الحكم على قوله" ليس بمحل للحجة" أنه كان عنده صدوقًا، وذكر ابن نقطة كما في "الميزان" أن مسندي فضالة بين عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهب وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه قال: "ولو كان يلحق اسمه كما زعم الخطيب لأحق ما ذكرناه" يعني لو كان يلحق اسمه فيما لم يسمع، والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه ألحق اسمه لأن ثبوت السماع بمجرد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة، وقد قال الخطيب في
[ ١٥٥ ]
"الكفاية" (ص ١٠٩): ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره، رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله ذلك على التحفظ … وإن كان ميتًا أن ينزله من ينقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز … ".
وقال السلفي: "كان مع عسره متكلمًا فيه … ".
والعَسِر في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد وهذه الصفة تنافي التزيد ودعوى سماع مالم يسمع، إنما يدعي سماع مالم يسمع من له شهوة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغبهم في ذلك، فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد فأي داع له إلى التزيد؟
وأما الأمر الثاني وهو قضية كتاب "الزهد" فقد قال السلفي عقب ما مر عنه: "حدث بكتاب الزهد بعد عدم أصله من غير أصله" فدل هذا على أنه كان لابن المذهب أصل بكتاب ولكن عدمه وبقيت عنده نسخة بخطه فلعله كان عارضها باصله أو أصل آخر علم مطابقته لأصله. ويقوي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب الزهد وروى منه أشياء.
وأما الأمر الثالث وهو قول الخطيب: "ليس بمحل للحجة" فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به، وهذا لا يدفع أن يعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف كالمسند والزهد، وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما إلى المسند وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما المسند والزهد لسائر النسخ الصحيحة فالكلام فيه وفى شيخه لا يقتضي أدنى خدش في صحة المسند والزهد، فليخسأ أعداء السنة.
وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذى يظهر لي أن ابن المذهب كان
[ ١٥٦ ]
يتعاطى التخريج من أصول بعض الاحاديث فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه ثم يتصفح أصوله فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتب اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه وهكذا، وهذا الصنيع مظنة للغلط كأن يريد أن يكتب اسم الشيخ على حديث فيخطئ فيكتبه على حديث آخر، أو يرى السند متفقًا فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك، وقد قال ابن معين: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح. وقال يعقوب بن سفيان في سليمان ابن عبد الرحمن الدمشقي: كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل وسليمان ثقة.
والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحو ما ذكرت من التخريج، وكأن ابن المذهب شعر بهذا من نفسه ولذلك ضرب على الاسم.
وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيب من أنساب غير المنسوبين فتساهل لا يوجب الجرح ولكنه يدل على أن ابن المذهب لم يكن بمتيقن وأنه كان فيه سلامة وحسن ظن بالخطيب ومعرفته، ولا نشك أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستيقنه فالخطب إن شاء الله تعالى سهل. وعلى كل حال فلم ينصف ابن الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها ليس فيها ما يستحق الذكر في ترجمة الراوي وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوام المحدثين يجرحون بما ليس بجرح مع ميل من الخطيب عن الحنابلة. كذا قال! فهو لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الأمور. ومن عرف وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد وأنه مع ذلك لم يعتد بهذه الأمور مسقطًا للرواية البتة. وإنما قال" ليس بمحل للحجة" وقد قدمت ما يبين ذلك ويهونه والله المستعان (^١).
_________________
(١) "التنكيل" (١/ ٢٤١ - ٢٤٤).
[ ١٥٧ ]