قال الذهبي: زياد بن أبي سودة (د - ق) عن أخيه عثمان، عن ميمونة مولاة النبي - ﷺ -: ابعثوا بزيت يسرج في قناديلة - يعني بيت المقدس.
هذا حديث منكر جدًا، رواه سعيد بن عبد العزيز عن زياد عنها، فهذا منقطع، ورواه ثور بن يزيد عن زياد متصلًا.
قال عبد الحق: ليس هذا الحديث بالقوي. وقال ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف عن روايتهما.
قلت: وميمونة هذه يُقال: بنت سعد، ويُقال: بنت سعيد، لها في السنن أربعة أحاديث، والأربعة منكرة، فالأول قلناه. والثاني قال: ولد الزنا لا خير فيه. والثالث فيمن قبل زوجته في رمضان، قال: أفطر.
[ ١٩٠ ]
والرابع: مثل الرافلة في الزينة.
ثم ما أدري أهل سمع سعيد بن عبد العزيز من زياد أو دلسه بعن، وقد رواه ثور بن يزيد ومعاوية بن صالح عن زياد، وفيه: قلت: وكيف الروم فيه، بل لفظهما: قلت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه زادًا، فإن صلاة فيه كألف صلاة. هكذا أخرجه أحمد وابن ماجه (^١).
قال برهان الدين ابن العجمي: سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي -ﷺ-. قال الذهبي في "ميزانه" -في ترجمة زياد هذا-: ثم ما أدري أهل سمع سعيد من زياد أو دلسه بعن؟ - انتهى (^٢).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وقال: ثقة من كبار الشاميين من طبقة الأوزاعي، روى عن زياد بن أبى سودة، فقال أبو الحسن بن القطان: لا ندري (^٣) سمعه منه أو دلسه عنه (^٤).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، ثقة إمام، سواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر أمره.
قال ابن القطان الفاسي: باب ذكر أحاديث عَرَّف ببعض رواتها فأخطأ في التعريف بهم:
من ذلك أنه ذكر من طريق أبي داود حديث عثمان بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي -ﷺ- أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "ائتوه فصلوا فيه" الحديث.
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٩٠).
(٢) "التبيين لأسماء المدلسين" صـ ٨٦.
(٣) قال المحقق: في (أ) و(ج): يُدرى.
(٤) "تعريف أهل التقديس" (صـ ١١١ - ١١٢).
[ ١٩١ ]
ثم قال: ليس هذا الحديث بقوي.
هذا نص ما ذكر، والخطأ فيه في جعله إياه عن عثمان بن أبي سودة، وذلك من تفسيره الخطأ، فإن الحديث عند أبي داود إنما هو هكذا: حدثنا النفيلي، حدثنا مسكين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن أبي سودة، عن ميمونة.
هكذا فيه: "ابن أبي سودة" غير مُسمى، وقد رُوى عن مسكين بن بكير مفسرًا بزيادة زياد بن أبي سودة لا بعثمان.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن المفضل، حدثنا مسكين بن بكير، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله -ﷺ- أنها قالت: يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "ائتوا فصلوا فيه".
قالت: فإن لم نستطع؟ قال: "فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله".
وقد رواه الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، ففسره أيضًا بأنه زياد بن أبي سودة، كذلك ذكره ابن أبي خيثمة، قال: حدثنا الحوطي -هو عبد الوهاب ابن نجدة- قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا زياد بن أبي سودة، أن ميمونة مولاة النبي -ﷺ- قالت: قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره". قلت: أرأيت إن لم نطق أن نتحمل إليه؟ قال: "فلتهد له زيتًا يسرج فيه، فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه".
وقال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا الحوطي، حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله -ﷺ- مثله حرفًا بحرف.
ففيه أيضًا من قول ثور بن يزيد أنه زياد بن أبي سودة، كما قال سعيد بن عبد العزيز، وهما أخوان، عثمان وزياد ابنا أبي سودة، وأظن أن زيادًا لم يسمعه من ميمونة، وإنما بينه وبينها أخوه عثمان.
وقد جاء كذلك من طريق عيسى بن يونس، من غير رواية الحوطي عنه.
[ ١٩٢ ]
قال ابن السكن: حدثنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا علي بن خشرم.
وحدثنا محمد بن بدر الباهلي، حدثنا سليمان بن عمر البرقي، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله -ﷺ- أنها قالت: "يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس" الحديث. مثل رواية الحوطي سواء.
ففى هذا أن رواية سعيد بن عبد العزيز التى ذكر أبو داود منقطعة، فإن سعيد بن عبد العزيز وثور بن يزيد إنما أخذاه عن زياد لا عن عثمان، وبين زياد وبين ميمونة عثمان، حسب ما في هذه الرواية عن عيسى بن يونس (^١).
ذكر الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني قول الذهبي السابق، ثم قال: قلت: فتدليسه لهذا الحديث أمر متوهم لا دليل عليه، والرجل ثقة فلا يُجرح بمثل هذا، وقد جعله الحافظ في المرتبة الثانية، وأرى أنه لم يثبت عليه التدليس، وإن ثبت فهو حديث واحد، وإذن فهو من أهل المرتبة الأولى والله أعلم (^٢).
قلت: حديث ميمونة رواه أحمد في "مسنده" (٦/ ٤٦٣)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائده على المسند" (٦/ ٤٦٣)، وابن ماجه (١٤٠٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٦١٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٥٥)، وفى "مسند الشاميين" (٤٧١) من طريق علي بن بحر وأبي موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن عبد الله الرقي وعلي بن معبد الرقي وأبو جعفر النفيلي عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل جميعًا عن عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي -ﷺ- به.
وخالفهم الحوضى عبد الوهاب بن نجدة فرواه عن عيسى، عن ثور، عن زياد
_________________
(١) "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٥٣١ - ٥٣٤).
(٢) "التدليس في الحديث" (صـ ٢٠٣).
[ ١٩٣ ]
ابن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان بن أبي سودة.
رواه عن الحوطي قاسم بن أصبغ في "كتابه"، ذكر ذلك ابن القطان الفاسي.
وعبد الوهاب بن نجدة ثقة كما في "التقريب".
ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (ح ٣٤٤٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٥٦) عن محمد بن عوف وأحمد بن مطير الرملي القاضي، كلاهما عن محمد بن أبي السري، عن رواد بن الجراح، عن صدقة بن صدقة، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان عن ميمونة به.
وصدقة بن صدقة لم أقف له على ترجمة.
ورواد بن الجراح صدوق اختلط بآخره فتُرك، وفى حديثه عن الثوري ضعف شديد، كما في "التقريب".
ومحمد بن أبي السري هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني، صدوق عارف له أوهام كثيرة، كما في "التقريب".
ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (ح ٤٧٢) عن موسى بن أبي حسين الواسطي، عن سعيد بن عبد الحميد الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان بن أبي سودة.
وأصبغ بن زيد ترجم له الحافظ في "تهذيب التهذيب"، فقال: "قال أحمد: ليس به بأس، ما أحسن رواية يزيد عنه. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وأورد له ابن عدي ثلاثة أحاديث غرائب من رواية يزيد بن هارون عنه، وقال: هذه غير محفوظة، وقال: لا أعلم روى عنه غير يزيد بن هارون.
قلت: بل روى عنه غيره كما تقدم.
[ ١٩٤ ]
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وقال الدارقطني: تكلموا فيه، وهو عندي ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة.
وقال مسلمة بن قاسم: لين ليس بحجة (^١).
وقال أحمد: أصبغ بن زيد الوراق كان من الثقات. وقال ابن معين: أصبغ بن زيد الوراق لا بأس به، ولكني لا أحسب حديث الفتون حق. ("سؤالات أبي داود" للإمام أحمد (صـ ٣٢٠)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ٩٠».
وموسى بن أبي حسين الواسطي وسعيد بن عبد الحميد الواسطي لم أقف لهما على ترجمة.
ورواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٦١١ - ٦١٢) عن يحيى بن عثمان وفهد وهارون بن كامل جميعًا، عن أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان. وأبو صالح كاتب الليث مُختلف فيه. ومعاوية بن صالح صدوق.
ورواه أبو داود في "سننه" (٤٥٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى"
(٢/ ٤٤١)، والبغوي في "شرح السنة" (ح ٤٥٦)، وأبو علي بن السكن كما ذكر ابن القطان الفاسي، من طريق مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان.
ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (ح ٣٤٤) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن الهيثم بن خارجة، عن الوليد بن مسلم قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ابن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ، أنها قالت للنبي -ﷺ-: أفتنا في بيت المقدس، فقال: "ائتوه فصلوا فيه"، فقالت: كيف وبيننا وبينه الروم؟ قال: "فابعثوا بزيد يُسرج في قناديله".
وخالف عبد الوهاب بن نجدة الهيثم بن خارجة فصرح بسماع سعيد بن عبد العزيز
_________________
(١) "تهذيب التهذيب".
[ ١٩٥ ]
من زياد بن أبي سودة كما عند ابن أبي خيثمة، ذكر ذلك ابن القطان الفاسي.
قلت: حديث ميمونة السابق رواه مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة. واختُلف على الوليد، فرواه عبد الوهاب بن نجدة عنه، وذكر تصريح سعيد بن عبد العزيز بالسماع من زياد.
ورواه الهيثم بن خارجة عنه، ولم يذكر تصريح سعيد بالسماع من زياد.
وكذلك لم يذكر مسكين بن بكير تصريح سعيد بالسماع من زياد.
وعبد الوهاب بن نجدة روى عنه أبو داود وغيره. ووثقه ابن قانع. وقال يعقوب بن الحمصي: ثبت ثقة. وقال ابن أبي عاصم: ثقة ثقة. "تهذيب التهذيب".
والهيثم بن خارجة وثقة ابن معين وابن قانع. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا رضى عن إنسان وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن الهيثم بن خارجة وهو حي. "تهذيب التهذيب"
ومسكين بن بكير ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الأثرم: سمعت أحمد يحسن أمره. وقال مرة: قدمه أبو عبد الله على مخلد بن يزيد، وقال: حدث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحد. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: كان كثير الوهم والخطا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: يقولون إنه ثقة، لم يُسمع منه شيئًا. "تهذيب التهذيب"
وقال ابن هانئ: قلت لأبي عبد الله: نظرت في حديث مسكين عن شعبة فإذا فيها خطأ؟ فقال: من أين كان يضبط عن شعبة. وقال البزار: مسكين بن بكير ثقة. "الضعفاء الكبير" (٤/ ٢٢١)، و"مسائل ابن هانئ" للإمام أحمد (٢/ ٢٠٣)، و"كشف الأستار" (٣/ ٣٤٤) (ح ٢٨٩٩).
قلت: الذى يظهر لي أن سعيد بن عبد العزيز قد صح سماعه من زياد في هذا
[ ١٩٦ ]
الحديث، ولا يصح وصفه بالتدليس في هذا الحديث، وقد توقف الذهبي في سماع سعيد بن عبد العزيز من زياد بن أبي سودة في هذا الحديث، وقال: لا أدري سمعه منه أو دلسه بعن، وقد ثبت أنه سمعه منه، ولم يُوصف سعيد بالتدليس إلا في هذا الحديث، ولم يثبت أنه دلسه. ولم يصف سعيد بالتدليس في هذا الحديث إلا الذهبي، فلا يصح وصف سعيد بن عبد العزيز بالتدليس مطلقًا والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة. فبينت هذه الرواية أن زياد لم يأخذ الحديث عن ميمونة مباشرة، إنما أخذه عن أخيه عثمان عنها. وقد قال بذلك ابن القطان الفاسي، وتبعه على ذلك المزي (^١) والذهبي والعلائي (^٢).
وقد وهم الحافظ ابن حجر في نقل كلام ابن القطان الفاسي، فنقل أن ابن القطان وصف سعيد بالتدليس عن زياد بن أبي سودة، وليس في كلام ابن القطان السابق وصف سعيد بالتدليس عن زياد، ولكن الكلام الذى نسبه الحافظ إلى ابن القطان الفاسي هو كلام الذهبي، وليس كلام ابن القطان، فلعل الحافظ اشتبه عليه والله أعلم.