سفيان بن سعيد الثوري كان مدلسًا، إلا أنه كان قليل التدليس، وذكر البخاري أنه لا يعرف لسفيان تدليسًا عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر مشايخ كثيرة، وقال: لا أعرت لسفيان عن هؤلاء تدلسيًا، ما أقل تدلسيه. وكل ما رواه يحيى القطان عن سفيان الثوري قال فيه سفيان حدثني أو حدثنا إلا حديثين، فلا يعل الحديث بتدليس سفيان الثوري إذا كان من رواية يحيى القطان عنه إلا في الحديثين اللذين ذكر يحيى أنه لم يسمع سفيان يصرح فيهما بالسماع من شيخه.
وكان الثوري يروي عن الضعفاء، إلا أنه كان كثيرًا لا يسميهم ويذكرهم بكنيتهم، وهذا يُسمى بتدليس الشيوخ.
فكان يروي عن محمد بن سالم الكوفي ويقول: أبو سهل.
وكان يروي عن عبيدة بن معتب الضبي ويقول: أبو عبد الكريم.
وكان يروي عن سليمان بن أرقم ويقول: أبو معاذ.
وكان يروي عن بحر السقاء ويقول: أبو الفضل.
وكان يروي عن محمد بن السائب الكلبي ويقول: أبو النضر.
وكان يروي عن الصلت بن دينار ويقول: أبو شعيب.
وكان يروي عن سالم بن أبي حفصة ويقول: أبو يونس.
_________________
(١) = وفي "تهذيب التهذيب": "قال أبو حاتم: سعيد بن أبي هلال لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال العجلي: مصري ثقة. ووثقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وغيرهم، وأخرج له الجماعة. وقال الساجي: سعيد بن أبي هلال صدوق، كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث. وقال ابن حزم: ليس بالقوي، ولعله اعتمد على قول أحمد فيه". اهـ
[ ٢٠٤ ]
وكان يروي عن عبد الله بن سعيد المقبري ويقول: أبو يونس.
وكان يروي عن الحسن بن دينار ويقول: أبو سعيد السليطي.
وكان يروي عن عبد القدوس الشامي ويقول: أبو سعيد.
وكان يروي عن سفيان بن قسيم ويقول: أبو الصباح بن قسيم.
وكان يروي عن إبراهيم بن هراسة ويقول: أبو إسحاق الشيباني.
قال الترمذي: حدثنا حسين بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن المبارك قال: قلت لهشيم: مالك تدلس وقد سمعت؟ قال: كان كبيراك يدلسان، وذكر الأعمش والثوري، وذكر أن الأعمش لم يسمع من مجاهد إلا أربعة أحاديث (^١).
قال ابن أبي حاتم: نا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلى قال: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث أبي إسحاق من الثوري، وكان يدلس، ولم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من الثوري (^٢).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سألت أبي عن حديث رواه الفريابي، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ- قال: ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له دواء.
قال أبي: إنما أسند هذا الحديث المسعودي والربيع بن دكين وأبو وكيع، وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قيس، أراه مدلسًا (^٣).
_________________
(١) "علل الترمذي الكبير" (صـ ٣٨٨). والحسين بن مهدي روى عنه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحافظ في "التقريب": صدوق.
(٢) "الجرح والتعديل" (٤/ ٢٢٥).
(٣) "علل الحديث" (٣/ ٣٢٤) (رقم ٢٢٥٥). ط دار الفاروق الحديثة - مصر.
[ ٢٠٥ ]
قال أبو زرعة الدمشقي: وسمعت أبا نعيم يقول: لم يسمع سفيان من عمرو بن مرة إلا سبعة أحاديث سمعتها كلها من سفيان غير واحد لم أضبطه، نرى أنه حديث طلق بن قيس.
فحدثنا أبو نعيم قال: وكان سفيان إذا حدث عن عمرو بن مرة بما سمع يقول: حدثنا وأخبرنا، وإذا دلس عنه يقول: قال عمرو بن مرة (^١).
قال ابن محرز: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت الأشجعي يقول: قدمت من الكوفة وقد كتبت عن شبل عن ابن أبي نجيح أحاديث، فقال لى سفيان الثوري: أرني فأعطيته فنظر فيها، ثم جلس للناس فجعل يحدثهم عن ابن أبي نجيح، فجعلت أكتب مع الناس، فقال لي: هذا من ذاك - يعني من الكتاب (^٢).
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: حدثنا الأشجعي قال: حججت فقدمت، وقد كنت سمعت من شبل، فقال لي سفيان الثوري: جئني بكتاب شبل فجئته به فنظر فيه، ثم جعل يحدث به عن ابن أبي نجيح نفسه. قلت ليحيى: كان شبل يروي عن ابن أبي نجيح؟ قال: نعم، فجعل سفيان يحدث بها عن ابن أبي نجيح نفسه، فكنت ربما ذهبت أكتب إذا حدث سفيان، فيقول لي: هذا من ذيك.
قال أبو الفضل: ووجه هذا عندي أن سفيان قد سمع من ابن أبي نجيح، وإنما أخذ كتاب شبل يتذكر به حديث ابن أبي نجيح، ولم يكن ليحدث عن ابن أبي نجيح، إلا بشيء قد أتقن علمه (^٣).
قال الترمذي: قال محمد: ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور وذكر مشايخ كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا ما أقل تدليسه (^٤).
_________________
(١) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (صـ ٢٢٠).
(٢) "سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ١٦٠).
(٣) "تاريخ الدوري" (٣/ ٣٦٥).
(٤) "علل الترمذي الكبير" (صـ ٣٨٨).
[ ٢٠٦ ]
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال يحيى بن سعيد: ما كتبت عن سفيان شيئًا إلا ما قال: حدثني أو حدثنا إلا حديثين، ثم قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة ومغيرة، عن إبراهيم: "وإن كان من قوم عدو لكم" قالا: هو الرجل يسلم في دار الحرب فيقتل، فليس فيه دية، فيه كفارة.
قال أبي: هذين الحديثين الذى زعم يحيى أنه لم يسمع سفيان يقول فيهما: حدثنا أو حدثني (^١).
قال البخاري: قال يحيى القطان: ولم أكن أهتم أن يقول سفيان لمن فوقه سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: حدثنا (^٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: لم أكن أهتم لسفيان أن يقول لمن فوقه: قال سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلانًا وحدثني فلان (^٣).
قال الخطيب البغدادي: حدثني أبو القاسم الأزهري، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: ثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: ثنا جدي (^٤)، قال: سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول حدثنا وأخبرنا، فقال لا يكون حجة فيما دلس.
وقال جدي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم
_________________
(١) "العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله (١/ ٢٤٢، ٥١٧)، و"تاريخ الدوري" (٣/ ٣٧٤)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ١٥٩).
(٢) "التاريخ الكبير" (٤/ ٩٣).
(٣) "الكفاية في علوم الرواية" (صـ ٥١٧).
(٤) هو الإمام يعقوب بن شيبة.
[ ٢٠٧ ]
يقل حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا.
قال علي: والناس يحتاجون في حديث سفيان إلى يحيى القطان لحال الإخبار -يعني علي- أن سفيان كان يدلس، وأن يحيى القطان كان يوقفه على ما سمع مما لم يسمع (^١).
قال ابن عدي: حدثنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، أخبرني محمد بن إسماعيل البخاري، قال: أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه (^٢).
قال يعقوب بن سفيان: أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان مدلسان، والتدليس من قديم (^٣).
وقال يعقوب بن سفيان أيضًا: وحديث سفيان -يعني الثوري- وأبي إسحاق والأعمش مالم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة (^٤).
قال الخطيب البغدادي: وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذى حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا.
أخبرنا أبو سعيد جمحمد بن موسى الصيرفي، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: ثنا العباس بن محمد الدوري، قال: ثنا قبيصة، قال:
_________________
(١) "الكفاية في علوم الرواية" (صـ ٥١٦ - ٥١٧)، و"الكامل في ضعفاء الرجال" (١/ ٣٤).
(٢) "الكامل في ضعفاء الرجال" (١/ ١٠٠).
(٣) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٦٣٣).
(٤) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٦٣٧).
[ ٢٠٨ ]
ثنا سفيان الثوري يومًا حديثًا ترك فيه رجلًا، فقيل له: يا أبا عبد الله: فيه رجل؟ قال: هذا أسهل الطرق (^١). (^٢).
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن بشار، قال: قال عبد الرحمن لم يسمع سفيان من أبي عون غير هذا الحديث، قال مروان: كيف نسأل أحدًا وفينا أزواج النبي -ﷺ- (^٣).
قال أحمد: لم يسمع الثوري من أبي عون إلا حديثًا واحدًا عن عبد الله بن شداد (^٤).
وقال أحمد أيضًا: لم يسمع سفيان من ابن أشوع سعيد غير هذا الحديث - يعني حديث شريح بن النعماء عن علي في الأضحية" لا مقابلة ولا مدابرة" (^٥).
قال ابن محرز: وسمعت يحيى وقيل له: سفيان الثوري سمع من ابن أشوع؟ فقال: نعم، قد سمع من ابن أشوع (^٦).
قال العلائي: سفيان بن سعيد الثوري الإمام المشهور تقدم أنه يدلس، ولكن ليس بالكثير.
من ذلك ما روي عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن
_________________
(١) "الكفاية في علوم الرواية" (صـ ٥١٨ - ٥١٩)، و"الكامل في ضعفاء الرجال" (١/ ٣٤).
(٢) أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ترجم له الذهبي في "السير" (١٧/ ٣٥٠)، فقال: الشيخ الثقة المأمون. وأبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ترجم له الذهبي في "السير" (١٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، فقال: الإمام المحدث، مُسند العصر، رحلة الوقت.
(٣) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٢٧٤).
(٤) "العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله (١/ ٣٨٧).
(٥) "العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله (٣/ ٣٩٥).
(٦) "سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ١٢٣).
[ ٢٠٩ ]
عتبة عن عمر ﵁ قال: يتزوج العبد اثنين وطلاقه اثنتان. قال أحمد: لم يسمعه الثوري من محمد بن عبد الرحمن.
وروى سفيان الثوري عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان أذانه وإقامته مرتين. قال الدارقطني: لم يسمعه الثوري من أبي معشر.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان عن حديث عمرو بن مرة عن أبي عبيدة في الوتر لأهل القرآن، قال: لم أسمعه. قال: وسُئل عن حديث عمرو ابن مرة: كان يعز على عبد الله أن يتكلم بعد طلوع الفجر، قال: حدثني رجل عن عمرو بن مرة.
وقال أبو نعيم الملائي: حديث سفيان عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: قنت النبي -ﷺ- في الصبح لم يسمعه سفيان من عمرو -دلسه - كذا وجدت هذين، والظاهر أن المراد بسفيان فيهما الثوري (^١).
قال ابن حجر: قال أبو بكر بن خلاد: سمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلس على رجلًا ضعيفًا فما أمكنه. وقال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبي، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك لا يذهب عليك شيء (^٢).
قال البخاري: محمد بن سالم أبو سهل الكوفي كان الثوري يروي عنه فيقول أبو سهل، وربما قال: رجل عن الشعبي، يتكلمون فيه، كان ابن المبارك ينهى عنه (^٣).
قال أبو حاتم: محمد بن سالم أبو سهل الكوفي ضعيف الحديث منكر الحديث مثل عبيدة الضبي وأضعف شبه المتروك، وكان الثوري ربما كنى عن
_________________
(١) "جامع التحصيل" (ص ١٨٦)، و"العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله بن أحمد (٢/ ٢٩٢).
(٢) "تهذيب التهذيب" (ترجمة محمد بن سالم).
(٣) "التاريخ الكبير" (١/ ١٠٥).
[ ٢١٠ ]
اسمه يقول: رجل عن الشعبي، وربما كناه يقول: أبو سهل عن الشعبي لكيلا يفطن له (^١).
قال ابن حبان: كان الثوري يحدث عن محمد بن سالم الكوفي أبو سهل ويقول: حدثني أبو سهل، وكان هذا مذهبًا للثوري، إذا حدث عن الضعفاء كناهم حتى لا يعرفوا، كان إذا حدث عن عبيدة بن معتب قال: حدثنا أبو عبد الكريم، وإذا حدث عن سليمان بن أرقم قال: حدثنا أبو معاذ، وإذا حدث عن بحر السقاء قال: حدثنا أبو الفضل، وإذا حدث عن الكلبي قال: حدثنا أبو النضر، وإذا حدث عن الصلت ابن دينار قال: حدثنا أبو شعيب ومن يشبه هؤلاء من الضعفاء ممن يكثر عددهم، ليس هذا موضع ذكرهم (^٢).
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: عبيدة بن معتب كان سفيان الثوري يحدث عنه، يقول: أبو عبد الكريم، وهو الضبي (^٣).
قال يعقوب بن سفيان: وحُدثت عن سفيان عن عبيدة بن معتب الضبي، وحديثه لا يساوي شيئًا، وكان الثوري إذا حدث عنه كناه، قال: أبو عبد الكريم، ولا يكاد سفيان يكنى رجلًا إلا وفيه ضعف، يكره أن يظهر اسمه فينفر منه الناس (^٤).
قال ابن حجر: قال ابن أبي خيثمة عن أحمد: أبو معاذ الذى روى الثوري عنه عن الحسن اسمه سليمان بن أرقم ليس بشيء (^٥).
قال الحاكم: مذهب سفيان بن سعيد أن يكنى المجروحين من المحدثين، إذا روى عنهم مثل بحر السقاء، فيقول أبو الفضل، والصلت بن دينار، يقول:
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٧٢).
(٢) "المجروحين" (٢/ ٢٦٢).
(٣) "تاريخ الدوري" (٣/ ٢١٦).
(٤) "المعرفة والتاريخ" (٣/ ١٤٥).
(٥) "تهذيب التهذيب" (ترجمة سليمان بن أرقم).
[ ٢١١ ]
حدثنا أبو النضر، وسليمان بن أرقم يقول: حدثنا أبو معاذ (^١).
قال ابن حجر: وقال أبو بكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد القطان: كان سفيان الثوري يحدثني فإذا حدثني عن الرجل يعلم أني لا أرضاه كناه لي، فحدثني يومًا قال: حدثني أبو الفضل -يعني بحر السقاء (^٢) -.
قال ابن حبان: الجنس الثاني من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بها: أقوام ثقات كانوا يروون عن أقوام ضعفاء كذابين، ويكنونهم حتى لا يعرفوا، فربما أشبه كنية كذاب كنية ثقة، فيتوهم المتوهم أن راوي هذا الخبر ثقة فيحملون عليه، وليس ذلك الحديث من حديثه، ومن أعملهم بمثل هذا من هذه الأمة الثوري، كان يحدث عن الكلبي ويقول: حدثنا أبو النضر فيتوهم المستمع أنه أراد به سعيد بن أبي عروبة، أو جرير بن حازم (^٣).
قال الآجري: قيل لأبي داود: معتمر عن أبي شعيب عن ابن سيرين؟ قال: أبو شعيب صالح بن دينار. قال شعبةْ إذا حدثكم سفيان عن رجل لا تعرفوه فلا تكتبوا، فإنما يحدثكم عن أبي شعيب المجنون - يعني هذا (^٤).
قال العقيلي: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، قال: حرف وأيما حرف "من يطع الرسول فقد أطاع الله".
قال أبو قدامة: حدثت به يحيى بن سعيد، فقال: عمن؟ قلت: عن سالم بن أبي حفصة، فقال: سبحان الله حدثني به سفيان عن أبي يونس ولم يسمه فلم أدر أنه سالم حتى الآن.
_________________
(١) "سؤالات السجزي" للحاكم (صـ ٨٨).
(٢) "تهذيب التهذيب" (ترجمة بحر بن كنيز السقاء).
(٣) "المجروحين" (١/ ٩١).
(٤) "سؤالات الآجري" لأبي داود (٢/ ١٤٣).
[ ٢١٢ ]
حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن سالم بن أبي حفصة، فسمعت يومًا يحيى يقول: حدثني سفيان، قال: حدثني أبو يونس عن منذر الثوري، فقال له رجل من الأنصار: هذا سالم بن أبي حفصة. فقال: لا! فقال: بلى حدثناه سفيان بن عيينة، قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة أبو يونس بهذا الحديث (^١).
قال أبو داود: قلت لأحمد: سفيان عن أبي يونس؟ قال: هو سالم بن أبي حفصة، وربما كناه (^٢).
قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن سعيد، قال: جلست إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وكنيته أبو عباد، وكان الثوري يروي عنه يقول: حدثني أبو عباد، والسري بن إسماعيل فاستبان لي كذبهما في مجلس (^٣).
قال الدوري: سألت يحيى عن أبي عباد الذى روى عنه سفيان الثوري، هو عبد الله بن سعيد المقبري؟ قال: نعم (^٤).
قال الآجري: قيل لأبي داود: الثوري عن أبي عباد؟ قال: أبو عباد عبد الله ابن سعيد (^٥).
قال ابن أبي حاتم: نا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت أبا حفص - يعني عمرو بن علي- قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن الحسن بن
_________________
(١) "الضعفاء الكبير" (٢/ ١٥٣).
(٢) "سؤالات أبي داود" للإمام أحمد (صـ ١٧٩).
(٣) "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٥٨).
(٤) "تاريخ الدوري".
(٥) "سؤالات الآجري" لأبي داود (١/ ٢٧١).
[ ٢١٣ ]
دينار، وكان سفيان الثوري يقول: حدثنا أبو سعيد -السليطي- يعني حسن بن دينار (^١).
قال البخاري: الحسن بن دينار هو ابن واصل أبو سعيد التميمي مولاهم.
وقال الثوري: أبو سعيد السليطي (^٢).
قال الآجري: سألت أبا داود عن عبد القدوس الشامي، قال: ليس بشيء، وابنه شر منه، روى عنه سفيان الثوري فقال: ثنا أبو سعيد (^٣).
قال يعقوب بن سفيان: سفيان بن قسيم أبو الصباح ضعيف، وكان سفيان يكنيه لكي يدلسه، قال: حدثني أبو الصباح بن قسيم (^٤).
قال الحاكم: وقد كان الثوري يحدث عن إبراهيم بن هراسة فيقول: حدثنا أبو إسحاق الشيباني (^٥).
قال ابن حبان: بحر بن كنيز السقاء أبو الفضل كان ممن فحش خطؤه وكثر وهمه حتى استحق الترك، وكان الثوري إذا روى عنه يقول حدثني أبو الفضل حتى لا يعرف (^٦).
قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، نا علي بن محمد الطنافسي قال: سألت وكيعًا عن حديث من حديث ليث بن أبي سليم فقال: كان سفيان لا يسمي ليثًا (^٧).
قال ابن حبان: الجنس الثالث من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بها:
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٢)، و"الضعفاء الكبير" للعقيلي (١/ ٢٢٢).
(٢) "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٩٢)، و"التاريخ الأوسط" (٢/ ١١٠).
(٣) "سؤالات الآجري" لأبي داود (١/ ٣٢٩).
(٤) "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٦٥).
(٥) "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٧).
(٦) "المجروحين" (١/ ١٩٢).
(٧) "مقدمة الجرح والتعديل" (١/ ٧٣).
[ ٢١٤ ]
الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأبو إسحاق، وابن جريج، وابن إسحاق، والثوري، وهشيم، ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضين وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء، لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس وإن كان ثقة حدثني أو سمعت فلا يجوز الاحتجاج بخبره.
وهذا أصل أبي عبد الله محمدبن إدريس الشافعي -﵀- ومن تبعه من شيوخنا، قد ذكرت هذه المسألة بكاملها والأسُئلة والأجوبة والعلل والحكايات في كتاب شرائط الأخبار فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب (^١).
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد حفظه الله: لابد من تحديد نوع التدليس لأن كل تدليس يعامل بخلاف الآخر. فإذا حدد نوع التدليس الذى وصف به هذا الراوي فالذى ينبغي عمله هو:
١ - هل هو مكثر من هذا التدليس أو مقل؟ فمن المعلوم إذا كان مقلًا من هذا النوع من التدليس يُعامل غير ما لو كان مكثرًا.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. اهـ من "الكفاية" (صـ ٣٦٢).
وما ذهب إليه علي بن المديني ظاهر لأنه إذا كان مقلًا من التدليس فالأصل في روايته الاتصال واحتمال التدليس نادر، فلا يذهب إلى القليل النادر ويترك الأصل والغالب. ولأنه أيضًا يكثر من الرواة الوقوع في شيء من التدليس فإذا قيل لابد في قبول حديثهم من التصريح بالتحديث منهم رُدت كثير من الأحاديث الصحيحة.
ولذلك لم يجر العمل عند من تقدم من الحفاظ أنهم يردون الخبر بمجرد العنعنة
_________________
(١) "مقدمة المجروحين" (صـ ٩٢).
[ ٢١٥ ]
ممن وصف بشيء من التدليس، ودونك ما جاء في الصحيحين وتصحيح الترمذي وابن خزيمة وغيرهم من الحفاظ.
وأما ما قاله أبوعبد الله الشافعي في "الرسالة" (صـ ٣٧٩ - ٣٨٠): ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لناعورته في روايته … فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت". اهـ
فهذا الأقرب أنه كلام نظري، بل لعل الشافعي لم يعمل به هو، فقد روى لابن جريج في مواضع من كتبه بعضاَ محتجاَ به بالعنعنة، ولم يذكر الشافعي أن ابن جريج سمع هذا الخبر ممن حدث عنه، ينظر (٤٩٨، ٨٩٠، ٩٠٣) من "الرسالة"، وأبو الزبير أيضًا ينظر (٤٩٨، ٨٨٩)، والأمثلة على هذا كثيرة لمن أراد أن يتتبعها.
وقال أبو حاتم بن حبان في مقدمة صحيحه كما في "الإحسان" (١/ ١٦١) نحوًا مما قال الشافعي، ويجاب عليه كما أجيب عن قول الشافعي.
وعمل الحفاظ على خلاف هذا كما تقدم. ولذلك قال يحيى بن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة عن المدلس أيكون حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا، فقال: لا يكون حجة فيما دلس. اهـ من "الكفاية" (صـ ٣٦٢).
يعني إذا دل الدليل على أنه دلس في هذا الخبر لا يحتج به، وليس حتى يصرح بالتحديث.
ولذلك قال يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٦٣٧): (وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش مالم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة) (^١).
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد حفظه الله: قال الشافعي ﵀ في "الرسالة" (صـ ٣٧٩): "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل
_________________
(١) "منهج المتقدمين في التدليس" للشيخ ناصر بن حمد الفهد (صـ ٢٢ - ٢٣).
[ ٢١٦ ]
النصيحة في الصدق، فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه حدثني أو سمعت". اهـ
وهذا القول للشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لا يوافقه عليه أئمة الحديث كما سبق ونقلت عن الإمام أحمد وابن المديني وابن معين والفسوي وغيرهم، والشافعي رحمهُ اللهُ تعالى من فقهاء الملة وعلماء الإسلام ولكنه لم يكن في معرفته للحديث كأولئك الحفاظ، كما قال هو رحمهُ اللهُ تعالى، فقد قال الإمام أحمد كما في "العلل ومعرفة الرجال" (١/ ٤٦٢): "قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني إن شاء يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا". اهـ
ولو أخذنا بقول الشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لرددنا أحاديث صحيحة كثيرة لم يردها حتى من الشافعية أنفسهم فإنهم لما قسموا مراتب المدلسين جعلوا المراتب الأولى من وقع الاتفاق على قبول (عنعنتهم) مع أنهم دلسوا، فدل على أن هذا القول لم يقل به أحد حتى من أهل مذهبه.
٢ - وهناك بعض النقولات عن بعض السلف في بعض المواضع كان يقول فيها أحدهم" كنت لا أقبل منه إلا ما قال فيه حدثنا) كقول شعبة مثلًا في قتادة، وعفان بن مسلم في المقدمي، ويحيى القطان في الثوري، وغيرها، وكلها تدل على مذاهب خاصة لهؤلاء وهى الزيادة في التثبت واليقين، ولكن هذا كله لا يدل على تعميم هذه النقول في جميع المدلسين لما سبق ذكره عن أئمة الشأن، كما أنه قد فقدت العبارات المتيقنة التى أصدرها المدلس، فلا يدرى هل صرح بالتحديث في موضع العنعنة أو لم يصرح وليس أحدهما بأولى من الآخر، بل إن تصريحه بالتحديث أولى ما دام لم يغلب التدليس على مجموع مروياته فيترجح الاتصال حتى يتبين الانقطاع بدليل آخر.
وفى الجملة: فهذه النقول من أراد أن يستدل بها على عنعنة المدلس مطلقًا فإنه لا يسعفه عليه تطبيقات الأئمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعمل الأئمة هو
[ ٢١٧ ]
الحكم في ذلك (^١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، الفقيه العابد، الحافظ الكبير، وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال البخاري: ما أقل تدليسه (^٢).