قال يعقوب بن سفيان: حدثني الفضل بن زياد، قال: قال أحمد: قد دلس قوم، ثم ذكر الأعمش، قال: كان هشيم يكثر - يعني التدليس- وسفيان بن عيينة أيضًا، ثم كان أبو حرة صاحب تدليس (^٣).
قال بدر الدين الزركشي: قال الكرابيسي: دلس ابن عيينة عن مثل معمر ومسعر بن كدام ومالك بن مغول (^٤).
قال ابن حبان: وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين، لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه -وإن كان ثقة- لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها، لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا
_________________
(١) "منهج المتقدمين في التدليس" (ص ١٧١ - ١٧٢).
(٢) "جامع التحصيل" (ص ١١٣)، و"تعريف أهل التقديس" (ص ١١٣ - ١١٤). وتقدم وصف النسائي له بالتدليس في ترجمة إسماعيل بن أبي خالد.
(٣) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٦٣٣).
(٤) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ٧١).
[ ٢١٨ ]
وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة -وإن لم يبين السماع فيها- كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي -ﷺ- ما لم يسمع منه (^١).
قال الحاكم: سُئل الدارقطني عن تدليس ابن جريج، فقال: يتجنب تدليسه فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلافيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما.
فأما ابن عيينة فإنه يدلس عن الثقات (^٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان الوراق قال: قال لنا أبو الفتح الأزدي الحافظ: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغبره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة، والتدليس على ضربين: فإن كان تدليسًا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول حدثني فلان أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على ملئ ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير ملئ، والأعمش إذا سألته عمن هذا: قال عن موسى بن طريف وعباية بن رفاعة، وابن عيينة إذا وقفته قال: عن ابن جريج ومعمر ونظرائهما، فهذا الفرق بين التدليسين (^٣).
قال أبو سعيد بن الأعرابي: نا أبو رفاعة العدوي (^٤)، نا إبراهيم بن بشار، عن
_________________
(١) "مقدمة" صحيح ابن حبان" (صـ ١٦١).
(٢) "سؤالات الحاكم" للدارقطني (صـ ١٧٤ - ١٧٥).
(٣) "الكفاية في علوم الرواية" (صـ ٥١٦).
(٤) هو عبد عبد الله بن محمد بن عمر بن حبيب كما بين ذلك ابن الأعرابي في الحديث رقم (١٩٦٧). وأبو رفاعة وثقه الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" (١٠/ ٨٣).
[ ٢١٩ ]
سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، قال: كان النبي -ﷺ- لا يبيت مالًا ولا يقيله.
قال له رجل: يا أبا محمد (^١): سماعًا من عمرو؟ قال: لا تفسده.
قال: سماعًا من عمرو؟ قال: ابن جريج عن عمرو.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من ابن جريج؟ قال: أبو عاصم النبيل عن عن ابن جريج.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من أبي عاصم؟ قال: قد أفسدته، حدثنيه علي بن المديني، عن أبي عاصم، عن ابن جريج (^٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال: أنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو الطيب محمد بن أحمد الكرابيسي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد المروذي، قال: ثنا علي بن خشرم، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري (^٣).
قال ابن عبد البر: قالوا: ويُقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظائرهما.
أخبرني أبو عثمان سعيد بن نصر ﵀، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن دخيم ابن خليل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا
_________________
(١) أبو محمد هو سفيان بن عيينة.
(٢) "المعجم" لابن الأعرابي (٣/ ٩٣٥ - ٩٣٦) (١٩٨٣)، و"الكفاية" للخطيب البغدادي (صـ ٥١٣).
(٣) "الكفاية" (ص ٥١٢ - ٥١٣)، و"معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٥).
[ ٢٢٠ ]
أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة يومًا عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: يجزئ الجنب أن ينغمس في الماء"، قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر. قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك الصنعاني عبد الرزاق.
ورُوي عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيُقال: بلى، فإذا استُقصى عليه يقول: معمر! اكتبوا لا بارك الله لكم (^١).
قال الذهبي: سفيان بن عيينة الهلالي أحد الثقات الأعلام، أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة (^٢).
قال ابن العراقي: سفيان بن عيينة مشهور بالتدليس، لكن اتفقوا مع ذلك على قبول عنعنته كما حكاه غير واحد (^٣).
ذكر برهان الدين ابن العجمي سفيان بن عيينة في المدلسين وقال: لكنه لم يدلس إلا عن ثقة كثقته، وحكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. وهذا ما رجحه ابن حبان وقال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لابن عيينة، فانه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار الصحابة وأنهم لا يرسلون إلا عن صحابي، وقد سبق ابن عبد البر أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي (^٤).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، فقيه الحجاز في زمنه، كان يدلس، لكن لا يدلس إلا عن ثقة،
_________________
(١) "التمهيد" (١/ ٢٩ - ٣٠).
(٢) "ميزان الاعتدال" (٢/ ١٧٠).
(٣) كتاب "المدلسين" (صـ ٥٣ - ٥٤).
(٤) "التبيين لأسماء المدلسين" (صـ ٩٤).
[ ٢٢١ ]
وادعى ابن حبان بأن ذلك كان خاصًا به، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس. وذكر البرهان الحلبي سفيان بن عيينة ترجمتين:
الأول: هذا المشهور.
والثاني: سفيان بن عيينة الهلالي مولى مسعر بن كدام من أسفل، ليس بشيء، كان يدلس.
قال البرهان: هذا آخر غير الأول.
قلت: وليس كما ظن، فإن ابن عيينة مولى بني هلال، وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله: من أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة، فأعجبه اسحتضاره، وإنما نُسب لمسعر، لأن مسعرًا من بني هلال أصليته.
ولعل العجلي إنما قال فيه: ليس بشيء، لأمر آخر غير التدليس، لعله الاختلاط. ثم راجعت أصل "الثقات" للعجلي فوجدته قال ما نصه: سفيان بن عيينة (^١).
قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله: ومن أمثلة من كانوا يدلسون عن الثقات جماعة، منهم:
١ - حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال ابن عدي: الذى رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت.
٢ - يونس بن عُبيد، وهو من أصحاب الحسن البصري.
قال شعبة: "عامة تلك الدقائق التى حدث بها يونس عن الحسن، إنما كانت عن أشعث" يعني ابن عبد الملك. قال ابن أبي حاتم: "يعني أن يونس أخذها
_________________
(١) "جامع التحصيل" (صـ ١١٣)، و"تعريف أهل التقديس" (صـ ١١٤ - ١١٦). وقد تقدم وصف النسائي له بالتدليس في ترجمة إسماعيل بن أبي خالد.
[ ٢٢٢ ]
من أشعث عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر الخبر" (^١).
٣ - عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد في رواية التفسير:
ذكر ابن أبي خيثمة عن علي بن المديني، أنه سمع يحيى بن سعيد وذكر تفسير مجاهد، فقال: "لم يسمعه عن مجاهد، كله يدور على القاسم بن أبي بزة" (^٢).
٤ - وذكر الحاكم قتادة وأبا سفيان طلحة بن نافع فيمن يدلس عن الثقات (^٣).
وفى هذه الأمثلة رد على ما ادعاه ابن حبان بقوله: "هذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلاعن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه" (^٤). (^٥).