قال البخاري: روى أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم أو غيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به". زاد فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وروى عبد الله عن الليث عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان عن مصعب بن محمد والقعقاع وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- ولم يذكروا "فأنصتوا".
ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر.
قال أحمد: أراه كان يدلس.
وقال أبو السائب عن أبي هريرة: "اقرأها في نفسك".
وقال عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة: "اقرأ فيما يجهر".
وقال أبو هريرة: كان النبي -ﷺ- يسكت بين التكبير والقراءة.
فإذا قرأ في سكتة الإمام لم يكن مخالفًا لحديث أبي خالد، لأنه يقرأ في سكتات الإمام فإذا قرأ أنصت.
وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، ولم يقل ما زاد أبو خالد.
وكذلك روى أبو سلمة وهمام وأبو يونس وغير واحد عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، ولم يتابع أبو خالد في زيادته (^١).
قلت: لعل أحمد يقصد بقوله "أراد كان يدلس" أى في هذا الحديث خاصة، ولم يقصد أحمد أن يصف سليمان بن حيان بالتدليس.
_________________
(١) جزء القراءة خلف الإمام للإمام البخاري (صـ ٥٨ - ٥٩).
[ ٢٢٦ ]
وقد استنكر أكثر من عالم هذه الزيادة التى في حديث أبي خالد الأحمر، فمنهم من حمل على أبي خالد، ومنهم من حمل على ابن عجلان.
قال الدوري في "تاريخه" (٤/ ٤٥٥): سمعت يحيى يقول في حديث أبي خالد الأحمر -حديث ابن عجلان "إذا قرأ فأنصتوا"- قال: ليس بشيء، ولم يثبته، ووهنه.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ١٦٤): سمعت أبي وذكر حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا".
قال أبي: ليس هذه الكلمة بالمحفوظ، وهو من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا وتابع ابن عجلان، وخارجة ليس بالقوي.
وقال أبو داود في "السنن" (ح ٦٠٤): وهذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد.
وقال النسائي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٢٠) (ح ٩٩٤): لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وقال البيهقي في القراءة خلف الإمام (صـ ١٣٠): وقد روى الليث بن سعد وهو عالم من أهل مصر وفقيههم أحد علماء أهل زمانه غير مدافع صاحب حفظ وإتقان وكتاب صحيح، هذا الخبر عن ابن عجلان فذكر الرواية التى ذكرها البخاري وليس في شيء منها: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي ﵀: خبر الليث أصح متنًا من رواية أبي خالد يعنى عن ابن عجلان ليس في هذه القصة غن النبي -ﷺ-: "وإذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ لأن الأخبار متواترة عن أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة ليس في شيء منها "وإذا قرأ فأنصتوا" إلا خبر أبي خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته.
ثم رواها ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة،
[ ٢٢٧ ]
ومن حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وليس في شيء منها هذه الزيادة. وهي في الصحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديث همام بن منبه وأبي علقمة الهاشمي وأبي يونس مولى أبي هريرة كلهم عن أبي هريرة ليس في شيء من هذه الروايات: "وإذا قرأ فأنصتوا وهي في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث أبي الزبير عن جابر ليس فيها هذه الزيادة. وهي في الصحيح من حديث مالك بن أنس ومعمر بن راشد والليث بن سعد ويونس بن يزيد وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس ليس فيها هذه الزيادة. اهـ
ولمزيد بيان عنهذا الحديث انظر ترجمة سليمان بن طرخان التيمي من كتابي "الرواة الثقات المُتكلم فيهم".
والإمام أحمد ﵀ لم يحمل على أبي خالد الأحمر ولا على ابن عجلان، إنما ظن أن أبا خالد أخذه من ضعيف وأسقط اسمه من السند.
وقول أحمد "أراه كان يدلس" أى: "أظنه كان يدلس"، ولعل أحمد يصفه بالتدليس في هذا الحديث خاصة، فلو ثبت عند أحمد أنه دلس في أكثر من حديث، لذكر وصفه بالتدليس بصيغة الجزم. وأبو خالد الأحمر لم يصفه أحد من العلماء بالتدليس، فالذي يترجح عندي أن أحمد وصفه بالتدليس في هذا الحديث خاصة والله أعلم.
فلما استنكر الإمام أحمد الحديث ولم يرى أن هذه النكارة من قبل ابن عجلان ولا أبي خالد الأحمر، حملها على أنها من قبل راوٍ ضعيف سمع منه أبو خالد هذا الحديث وأسقطه من الإسناد. وقد وقع مثل ذلك من أبي حاتم الرازي.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٣٥٣): سالت أبي عن حديث رواه أبو بكر بن أبي عتاب الأعين عن أبي صالح، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن
[ ٢٢٨ ]
أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من مضر وبني تميم. فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: أويس القرني.
قال أبي: هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث، نظرت في أصل الليث وليس فيه هذا الحديث، ولم يذكر أيضًا الليث في هذا الحديث خبر ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة ودلسه، ولم يروه غير أبي صالح. اهـ
قلت: الإمام أبو حاتم ﵀ استنكر هذا الحديث فأعله بأنه لم يكن في كتب أبي صالح، وأعله أيضًا بأنه لم يرو إلا عن أبي صالح ولم يتابعه أحد من أصحاب الليث، وقال: إن صح أن أبي صالح والليث حدثا به فلعل الليث بن سعد أخذه عن ضعيف وأسقط اسمه من الإسناد، مع أن الليث بن سعد أثبت أصحاب سعيد المقبري. (انظر كتابي "أصحاب أئمة الحديث").
وقد أشار الشيخ المعلمي ﵀ في مقدمة "الفوائد المجموعة" إلى هذا المعنى فقال: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت، أعلوه بعلةٍ ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر.
فمن ذلك: إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا - مع أن الراوي غير مدلس.
أعل البخاري بذلك خبرًا رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة، تراه في ترجمة عمرو من "التهذيب".
ونحو ذلك: كلامه في حديث عمرو بن دينار في "القضاء بالشاهد واليمين".
ونحوه أيضًا: كلام شيخه على بن المديني في حديث: "خلق الله التربة يوم السبت -الخ"-، كما ستراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي.
وكذلك أعل أبو حاتم خبرًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري كما تراه في "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٣٥٣).
ومن ذلك: إشارة البخاري إلى إعلال حديث "الجمع بين الصلاتين" بأن
[ ٢٢٩ ]
قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يُدخل على الشيوخ. يراجع: "معرفة علوم الحديث" للحاكم (صـ ١٢٠).
ومن ذلك: الإعلال بالحمل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه، كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في "الشفعة".
ومن ذلك: إعلالهم بأن الحديث أدخل على الشيخ، كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة "الفضل بن الحباب" وغيرها.
وحجتهم في هذا: أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بنى على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا، يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد تحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع من دونهم من التعقيب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هى غفلة مما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر". اهـ