قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان، قال: أنا أبو الفتح محمد بن الحسين الحافظ، قال: ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا محمد بن يحيى الأزدي، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدًا إلا وهو يدلس، إلا مسعر بن كدام وشريك (^٣).
قال ابن القطان الفاسي: شريك مختلف فيه، وهو مدلس (^٤).
وقال ابن القطان أيضًا: وقد ذكره أبو محمد في الأشربة حديث: "اشربوا في الظروف، ولا تكسروا" من رواية شريك. ثم قال: وشريك لا يحتج به، ويدلس أيضًا (^٥).
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٣/ ٣٨٠).
(٢) "تهذيب التهذيب".
(٣) "الكفاية في علوم الرواية" صـ ٥١٥. وأبو الفتح الأزدي مُتكلم فيه، انظر ترجمته في "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر.
(٤) "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ١٢٢).
(٥) "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٧)، و"الأحكام الوسطى" لعبد الحق الإشبيلي (٧/ ١٤٣).
[ ٢٤٨ ]
وقال ابن القطان أيضًا: وشريك وقيس مختلف فيهما، وهم ثلاثة ولوا القضاء، فساء حفظهم بالاشتغال عن الحديث: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله، وقيس بن الربيع. وشريك مع ذلك مشهور بالتدليس، وهذا لم يذكر السماع فيه (^١).
قال العلائي: شريك بن عبد الله النخعي ليس تدليسه بالكثير (^٢).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: القاضي، مشهور، كان من الأثبات، فلما ولي القضاء تغير حفظه، وكان يتبرأ من التدليس، ونسبه عبد الحق في "الأحكام" إلى التدليس، وسبقه إلى وصفه به الدارقطني (^٣).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": شريك بن عبد الله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع.
قلت: الذي يظهر لي أنه لا يصح وصف شريك بن عبد الله النخعي بالتدليس، وقد وصف الدارقطني عددًا من الرواة بالتدليس في القلب من هذا الوصف شيء، وهؤلاء الرواة هم: حسين بن واقد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولاحق بن حميد أبو مجلز.
وما من عالم من العلماء المتقدمين إلا تكلم عن شريك النخعي، ولا أعلم واحدًا منهم وصف شريك بالتدليس، ولعل شريك دلس حديثًا أو حديثين، وذلك ليس بكافٍ في إطلاق الوصف بالتدليس على الراوي، فكثير من الرواة قد يقع منهم ذلك، ومع ذلك لا نجد الأئمة يطلقون الوصف بالتدليس عليهم،
_________________
(١) "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٥٣٤).
(٢) "جامع التحصيل" صـ ١٠٧، و"التبيين لأسماء المدلسين" لابن العجمي صـ ١١١.
(٣) "جامع التحصيل" صـ ١١٣، و"تعريف أهل التقديس" صـ ١١٩.
[ ٢٤٩ ]
ولعل الحديث أو الحديثان اللذان دلسهما شريك كانا من سوء حفظه، وليس عن عمدٍ منه، فلعله رواهما عن شيخ له، وكان أخذهما عن آخر عن هذا الشيخ، فأسقط اسم شيخه من الإسناد.
فالصواب عدم التوقف في عنعنة شريك عن شيوخه، إلا إذا ثبت أن شريك دلس هذا الحديث بعينه، فحينئذِ يتوقف في عنعنته، أما إعلال الحديث بعنعنة شريك فليس عليه عمل الأئمة المتقدمون والله أعلم.
قال ابن حزم: وأما المُدلس فينقسم إلى قسمين: ثم ذكر القسم الأول، ثم قال: وقسم آخر قد صح عنهم إسقاط من لا خير فيه من أسانيدهم عمدًا، وضم القوى إلى القوى تلبيسًا على من يحدث، وغرورًا لمن يأخذ منه، ونصرًا لما يريد تأييده من الأقوال، مما لو سمى من سكت عن ذكره لكان ذلك علة ومرضًا في الحديث، فهذا رجل مجروح، وهذا فسق ظاهر، واجب اطراح جميع حديثه، صح أنه دلس فيه أو لم يصح أنه دلس فيه، وسواء قال: سمعت أو أخبرنا، أو لم يقل، كل ذلك مردود غير مقبول، لأنه ساقط العدالة، غاش لأهل الإسلام باستجازته ما ذكرناه، ومن هذا النوع كان الحسن بن عمارة وشريك بن عبد الله القاضي (^١).
قلت: لا أعلم أن أحدًا من العلماء قبل ابن حزم وصف شريك بتدليس التسوية، وابن حزم ﵀ لم يكن من الراسخين في هذا الفن، بل عليه مؤاخذات كثيرة في علم الحديث، فلا يعتد بقوله في شريك طالما لم يسبقه أحد إليه، وخاصة أن شريك النخعي قد تكلم عليه العلماء قاطبة، وسبروا رواياته، فلو كان يدلس تدليس التسوية لوصفوه بذلك والله أعلم.
وانظر أيضًا التعليق على قول ابن حزم في الذى في ترجمة الحسن البصري.
_________________
(١) "الإحكام في أصول الأحكام" (١/ ١٨٥) (باب: "الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة").
[ ٢٥٠ ]