شيخ الإسلام، الإمام، الحجة، القارئ، المحدث، الثقة. وقد اختلف المؤرخون في اسمه على عدة أقوال أشهرها أن اسمه: «شعبة» بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي، مولى واصل الأحدب.
ولد «شعبة» رحمه الله تعالى سنة خمس وتسعين من الهجرة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الرابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
يقول «أبو بكر» عن نفسه: قرأت القرآن وجوّدته ثلاث مرات على «عاصم ابن أبي النجود» اهـ (١). وقال «يحيى بن آدم»: قال لي «أبو بكر» تعلمت من «عاصم» «القرآن» كما يتعلم الصبيّ من المعلم، فلقي منّي شدّة، فما أحسن غير قراءته، وهذا الذي أخبرتك به من القرآن إنما تعلمته من عاصم تعلّما اهـ (٢). ومما تجدر الإشارة إليه أن «أبا بكر بن عياش» أحد الرواة عن «عاصم» المشهورين. ولا زالت رواية «أبي بكر» يتلقاها المسلمون بالرضا والقبول حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها، والحمد لله رب العالمين.
ويقول «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ: عرض «أبو بكر» القرآن أيضا فيما بلغنا على «عطاء بن السائب، وأسلم المنقري» (٣).
وروى «يحيى بن آدم» عن «أبي بكر» قال: تعلمت من «عاصم»
_________________
(١) أنظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٧.
(٢) أنظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٧.
(٣) أنظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٥.
[ ١ / ١١٦ ]
خمسا خمسا، ولم أتعلم من غيره، ولا قرأت على غيره، واختلفت إليه نحوا من ثلاث سنين في الحرّ، والشتاء، والأمطار اهـ. وقال «عبيد بن يعيش» سمعت «أبا بكر» يقول: ما رأيت أقرأ من «عاصم»، فقرأت عليه، وما رأيت أفقه من «مغيرة» فلزمته اهـ (١).
ولقد تعلق قلب «أبي بكر» تعلقا عظيما منقطع النظير بالقرآن حتى كان لا يفتر لسانه عن قراءته، والروايات، التالية توضح ذلك.
يقول الذهبي: روى من وجوه متعددة أن «أبا بكر» مكث نحوا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة (٢). وقال «جعفر الخلدي» حدثنا «ابن مسروق» حدثنا «يحيى الجماني» قال: «لما حضرت «أبا بكر بن عياش» الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك انظري إلى تلك الزاوية قد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة» اهـ (٣) يقول «الذهبي»: وقد حدث «أبو بكر بن عياش» عن «عاصم» وأبي إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير، وإسماعيل السدي، وحصين بن عبد الرحمن، وآخرين (٤).
وقد تلقى «القرآن» على «أبي بكر بن عياش» عدد كثير منهم: «أبو الحسن الكسائي، ويحيى العكيمي، وأبو يوسف الأعمش، وعبد الحميد بن حبان وعروة بن محمد الأسدي، ويحيى بن آدم، وآخرون.
كما حدّث عن «أبي بكر بن عياش»: ابن المبارك، والكسائي، ووكيع، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو
_________________
(١) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٨.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٥٠٣.
(٣) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٨.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٤٩٥.
[ ١ / ١١٧ ]
كريب، والحسن بن عرفة، وهنّاد بن السرّي، وخلق كثير (١).
ولقد كان «لأبي بكر بن عياش» المكانة السامية المرموقة بين العلماء، فكان حجة منقطع النظير، مما استوجب ثناء العلماء عليه، والروايات التالية توضح ذلك:
قال «الحافظ يعقوب بن شيبة»: «كان «أبو بكر» معروفا بالصلاح البارع، وكان له فقه، وعلم بالأخبار» اهـ (٢) وقال «يحيى بن معين»: كان أبو بكر بن عياش ثقة، وقال غير واحد من العلماء: كان، ﵀، صدوقا (٣).
كما كان عليه رحمة الله تعالى من المتمسكين بسنة النبي ﵊ وفي هذا المعنى يقول «ابن المبارك»: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة من «أبي بكر بن عياش» اهـ (٤).
وكما اشتهر «أبو بكر بن عياش» بتعليم القرآن، وتلاوته له، اشتهر أيضا بالزهد والورع، ومن أدلة ذلك ما يلي:
قال «يحيى بن سعيد»: زاملت «أبا بكر بن عياش» إلى «مكة» فما رأيت أورع منه، لقد أهدى له رجل رطبا، فبلغه أنه من بستان أخذ من «خالد ابن سلمة المخزومي» فأتي آل
خالد، فاستحلّهم، وتصدق بثمنه (٥) وقال «يحيى ابن معين»: «لم يفرش «لأبي بكر بن عياش» فراش خمسين سنة (٦) وكان
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٤٩٦.
(٢) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٦.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٤٩٧.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٤٩٦.
(٥) انظر سير أعلام النبلاء ج ٨ ص ٤٩٩.
(٦) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٧.
[ ١ / ١١٨ ]
«أبو بكر بن عياش» رحمه الله تعالى من الذين ينطقون الحكمة، فمن ذلك قوله:
«أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى ضرر المنطق الشهرة، وكفى بها بلية» (١). وقال «أبو هاشم الرفاعي»: سمعت «أبا بكر» يقول:
«الخلق أربعة: معذور، ومخبور، ومجبور، ومثبور، فالمعذور: البهائم والمخبور:
ابن آدم، والمجبور: الملائكة، والمثبور الجنّ» اهـ (٢).
توفي «أبو بكر بن عياش» سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتلاوة القرآن وتعليمه. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
_________________
(١) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٧.
(٢) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ١٣٦.
[ ١ / ١١٩ ]