شيخ أهل البصرة، ومفتيها، سيّد أهل زمانه علما وعملا، حافظ القرآن، العامل بآدابه وتعاليمه، أحد أئمة التابعين. مولى «زيد بن ثابت» ﵁، وكانت «أم الحسن البصري» مولاة لأم سلمة أم المؤمنين ﵂. ويسار أبوه من سبي «ميسان» وهي أرض واسعة كثيرة القرى، والنخل، بين البصرة وواسط.
سكن «يسار» المدينة، وأعتق، وتزوج في خلافة «عمر» ﵁ فولد له «الحسن» لسنتين بقيتا من خلافة «عمر» ﵁، ثم نشأ الحسن بوادي القرى، وحضر الجمعة مع «عثمان» ﵁، وسمعه يخطب، وشهد يوم «الدار» وله يومئذ أربع عشرة سنة.
قال «محمد بن سعد» كان «الحسن» ﵀ جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، عابدا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما اهـ (٢).
_________________
(١) انظر ترجمته فيما يأتي:- طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦، طبقات خليفة ت ١٧٢٦، الزهد لأحمد ٢٥٨، تاريخ البخاري ٢/ ٢٨٩، المعارف ٤٤٠، المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٢ و٣/ ٣٣٨، أخبار القضاة ٢/ ٣ ذيل المذيل ٦٣٦، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الاول ٤٠، الحلية ٢/ ١٣١، فهرست ابن النديم ٢٠٢، ذكر أخبار أصبهان ١/ ٢٥٤، طبقات الفقهاء للشيرازي ٨٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ١٦١، وفيات الأعيان ٢/ ٦٩، تهذيب الكمال ٢٥٦، تاريخ الإسلام ٤/ ٩٨، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٦، تذهيب ٢ لتهذيب ١/ ١٣٣، البداية والنهاية ٩/ ٢٦٦، و٢٦٨، غاية النهاية، ١٠٧٤، تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٣، النجوم الزاهرة ١/ ٢٦٧، طبقات الحفاظ للسيوطي ٢٨، خلاصة تذهيب التهذيب ٧٧، طبقات المفسرين ١/ ١٤٧، شذرات الذهب ١/ ١٣٦، معرفة القراء الكبار: ١/ ٦٥، وسير أعلام النبلاء: ج ٤/ ٥٦٣.
(٢) أنظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٢.
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال «الذهبي»: كان «الحسن» رجلا تام الشكل، مليح الصورة، بهيّا، وكان من الشجعان الموصوفين اهـ (١).
وقال «محمد بن سلّام»: حدثنا «أبو عمرو الشّعّاب» بإسناد له قال:
كانت «أم سلمة» ﵂ تبعث «أم الحسن» في الحاجة فيبكي وهو طفل، فتسكته «أم سلمة» بثديها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو صغير فكانوا يدعون له، فأخرجته إلى «عمر» ﵁ فدعا له وقال: «اللهم فقهه في الدين، وحبّبه إلى الناس» اهـ (٢).
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال «ابن الجزري»: قرأ «الحسن البصري» على «حطّان بن عبد الله الرقاشي» عن «أبي موسى الأشعري» وعلى «أبي العالية» عن «أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت» ﵄.
ثم قال: وروى القراءة عنه «أبو عمرو بن العلاء» وسلام بن سليمان الطويل، ويونس بن عبيد، وعاصم الجحدري (٣). وقال «الذهبي»: وروى «الحسن البصري» عن: «عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن ابن سمرة، والنعمان بن بشير، وابن عباس، وعمرو بن تغلب، ومعقل بن يسار، وانس بن مالك، وجمع من الصحابة» اهـ (٤).
كما روى عنه عدد كثير منهم: «شيبان النحوي، ويونس بن عبيد، وابن
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٢.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٦٤.
(٣) انظر معرفة القراء الكبار ج ١ ص ٢٣٥.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٦٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
عون، وحميد الطويل، وثابت البنانيّ، ومالك بن دينار، وهشام بن حسان، وجرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، وأبان بن يزيد العطار، وشبيب بن شيبة، وأشعث بن سوار وغيرهم كثير (١).
وكان «الحسن البصري» خطيبا رقيق القلب، فعن «مبارك بن فضالة» قال: حدثنا «الحسن البصري» عن «أنس بن مالك» ﵁ قال:
«كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة، يسند ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: «ابنوا لي منبرا له عتبتان، فلما قام على «المنبر» يخطب، حنّت «الخشبة» إلى رسول الله ﷺ قال: أي أنس وأنا في المسجد، فسمعت للخشبة حنين الواله، فما زالت تحنّ حتى نزل إليها، فاحتضنها فسكنت» اهـ.
وكان «الحسن البصري» إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: «يا عباد الله الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه» اهـ (٢).
وكان «الحسن البصري» رحمه الله تعالى من الزهاد، الصوّامين: فعن «السّري بن يحيى» قال: كان «الحسن» يصوم البيض، والأشهر الحرم والاثنين، والخميس اهـ (٣).
ولقد كان للحسن البصري المكانة السامية، والمنزلة الحسنة بين المسلمين، والدليل على ذلك ثناء الناس عليه، يوضح ذلك الأقوال الآتية:
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٦٥.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ورجاله ثقات، انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٦٩.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٨.
[ ١ / ١٧٨ ]
قال «قتادة»: ما كان أحد أكمل مروءة من «الحسن البصري» (١).
وقال «هشام بن حسّان»: كان «الحسن» أشجع أهل زمانه (٢).
وقال «قتادة» كان «الحسن» من أعلم الناس بالحلال والحرام (٣).
وقال «حميد بن يونس»: ما رأينا أحدا أكمل مروءة من «الحسن» (٤).
وقال «عوف»: ما رأيت رجلا أعلم بطريق الجنة من «الحسن» (٥).
وقال «أبو عمرو بن العلاء»: ما رأيت أفصح من «الحسن» والحجاج (٦).
وكان «الحسن البصري» ﵀ ينطق بالحكمة فمن أقواله:
١ - روى «حوشب» عن «الحسن» أنه قال: يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن وآمنت به، ليطولنّ في الدنيا حزنك، وليشتدّنّ في الدنيا خوفك، وليكثرنّ في الدنيا بكاؤك (٧).
٢ - وقال «هشام بن حسان»: سمعت «الحسن» يحلف بالله، ما أعزّ أحد الدرهم إلا أذلّه الله اهـ (٨).
٣ - وروى «ضمرة بن ربيعة» عن «الحسن» أنه قال: «من كذّب بالقدر فقد كفر اهـ (٩).
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٤.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٨.
(٣) اخرجه ابن سعد، أنظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٨.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٤.
(٥) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٥.
(٦) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٤.
(٧) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٥.
(٨) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٧٦.
(٩) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٨١.
[ ١ / ١٧٩ ]
٤ - وروى «صالح المريّ» عن «الحسن» أنه قال: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك اهـ (١).
٥ - وقال «مبارك بن فضالة»: سمعت «الحسن» يقول: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لبّ فرحا اهـ (٢). يروى أنه في مرض الموت أغمي عليه ثم أفاق إفاقة فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم اهـ.
توفي «الحسن البصري» بعد حياة حافلة بالعلم والعمل. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء. وكان ذلك سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة.
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٨٥.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٥٨٥.
[ ١ / ١٨٠ ]